ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لابد من وجد ثالث يكتب الدين بين الدائن والمدين، لدلالة قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: بين صاحب الدين والمستدين، فلا ينفرد أحد المتداينين بالكتابة حتى لا يتهم.
قال القرطبي: «وإنما قال ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ولم يقل أحدكم، لأنه لما كان الذي له الدّين يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الدين، وكذلك العكس، شرع الله سبحانه كاتبًا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادَّةٌ لأحدهما على الآخر» (^١).
وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط كون الكاتب من غير المتداينين، فيجوز أن ينفرد أحد المتداينين بالكتابة، وإنما جاز الأمر بتوسط كاتب بينهم لأن غالب حال العرب حين نزول الخطاب الجهل بالكتابة، فجهل أحدهما بما كتب الآخر ينفي ثقته بكتابته، أما إذا كانا يحسنان الكتابة فينتفي المحظور.
قال ابن عاشور: «إنما هو أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتبًا يكتب بينهم؛ لأن غالب حالهم جهل للكتابة، وفعل الأمر للمبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب، والعرب تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله، كقولهم في الأمر: ليكن ولدك مهذبًا، وفي النهي: لا تنس ما أوصيتك، ولا أعرفنك تفعل كذا. فمتعلق الطلب هو ظرف ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وليس هذا أمرًا للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾» (^٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٦٥).
(٢) التحرير والتنوير (٣/ ١٠١).
[ ١٦٢ ]
وسواء قلنا باشتراط كون الكاتب ليس واحدًا منهما، أو عدم اشتراط ذلك، فإن دلالة الأمر ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ تحمل على الخلاف السابق، الدائر بين الوجوب والندب في حكم كتابة الدَّين.