﷽
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن القرآن الكريم لما كان هو المصدر الأول من مصادر التشريع، وهو دستور هذه الأمة، كانت عناية العلماء به في جميع تخصصاتهم به أشد عناية من غيره، أما في الأحكام فقد كان القرآن والسنة محط رحال العلماء، وموردهم في الاستدلال به، فألفت المؤلفات الخاصة بكل واحد منهما، عند علماء التفسير والحديث، وأخذ الفقهاء زبدتهما، مستنبطين أحكامهما بواسطة القواعد الأصولية، ثم ظهرت المؤلفات الخاصة بربط الفروع بأصولها، وما زالت الجامعات تخرج من رحمها الرسائل العلمية، تارة باسم أثر الأصول، أو الأدلة، أو القواعد المؤثرة، أو القواعد الأصولية وتطبيقاتها، أو إعمال القواعد الأصوليَّة، وكثير منها خرج باسم تخريج الفروع على الأصول، وكل تلك الرسائل والأعمال فيها تطبيقات أصوليَّة لبيان مأخذ من مآخذ الأحكام، وهو المأخذ الأصولي، وهنا (دراسات أصوليَّة تطبيقيَّة على آيات الأحكام)، وهي مجموعة أبحاث محكَّمة عدا الدراستين الأولى والثانية، وقد تصرفت في الجانب التأصيلي بالحذف والاختصار، وقصدت التنوع في الطرح، من حيث الشمول، وطريقة الدراسة، ليشمل ما يعرض لدليل القرآن، من دلالة لفظه ومعناه، وكيفية استثمار نصِّه من منطوقه ومفهومه.
[ ٥ ]
فالدراسة الأولى وهي: التطبيق على سورة البقرة، وقد سلَّطت الضوء على أثر القواعد الأصوليَّة على الأحكام المستنبطة من آيات سورة البقرة، من خلال الأحكام الواردة في كتاب الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي، والأصل أن ترتيبها حسب ترتيب سورة البقرة، إلا أنني آثرت وضع ما استله أحد طلابي من كتابي (فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل).
والدراسة الثانية وهي: التطبيق على آيات الحج، ومجال البحث فيها متجه لأحكام عبادة من العبادات، وركن من أركان الإسلام، وهو الحج، بجمع الآيات الواردة في القرآن الدالة على أحكامه، وبيان أثر القواعد الأصوليَّة في استنباط أحكامها، ورتبتها حسب ترتيبها في سور القرآن، والدراسة مستلة من كتابي (فتح العلام في شرح بلوغ المرام من آيات الأحكام).
والدراسة الثالثة: التطبيق على آية الوضوء، ببيان الأحكام المستنبطة، وتوزيعها على أبوابها الفقهية، والانطلاق فيه من الحكم والترتيب الفقهي.
والدراسة الرابعة تطبيق صيغة الأمر (ليفعل) على آيات الأحكام، والانطلاق فيها من قاعدة من قواعد الأصول، أو من أسلوب من الأساليب الدالة على الأحكام، هي والدراسة الآتية، وقد رتبتهما حسب ورودها في القرآن.
والدراسة الخامسة تطبيق الخبر بمعنى الأمر على آيات الأحكام.
والدراسة السادسة التطبيق على نوازل أحكام العبادات، والانطلاق فيها من الآيات، ورتبتها على الأبواب الفقهية على ترتيب بلوغ المرام من آيات الأحكام.
والدراسة السابعة: الاستثمار الأصولي للنص بالتطبيق على قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهي دراسة تهدف إلى بيان كيفية استثمار الأصولي
[ ٦ ]
النص الشرعي، كالآية المذكورة، من حيث إثبات القاعدة بها، أو نقض قاعدة الخصم بها، أو بيان كيفية استنباط الأحكام الشرعية من النص.
والدراسة الثامنة: دراسة تحليلية أصوليَّة لآيات المحرماتِ نكاحهن.
والمقصود بالتطبيق الأصولي هو إعمال القاعدة الأصوليَّة، وذلك بمراعاة مقتضاها في فهم النص واستنباط حكمه، كما سبق.
ومعلوم أن القاعدة الأصوليَّة واسطة بين الحكم الشرعي ودليله، وهي آلة استنباطه، حيث يقوم المجتهد بتسليط القاعدة الأصوليَّة وتنزيلها على الدليل الجزئي ليتمكن من استخراج الحكم الشرعي، وإلا لما أمكن استخراجه، «فإن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده بمجرد الهوى خلاف الإجماع»، كما قال القرافي في نفائس الأصول، وقال قبله: «وما علموا أنه لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير؛ فإن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه، وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكم ولا سبب» (^١).
لذا كان مقصود هذه الدراسات الوقوف على مآخذ الأحكام الأصوليَّة، للوقوف عليها، والتدرب على تطبيقها، وهذا مطلب مهم لطالب العلم، لا يستغني عنه.
يقول الإمام الجويني في غِياث الأمم: «وأهم المطالب في الفقه: التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا يسمى فقيه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة» (^٢).
وقال ابن السبكي في طبقاته: «المرء إذا لم يعرف الخلاف والمآخذ لا يكون فقيهًا إلى أن يلج الجمل في سمّ الخياط، وإنما يكون ناقلًا متخبطًا، حامل فقه
_________________
(١) نفائس الأصول (١/ ١٠٠).
(٢) غياث الأمم (٤٠٤).
[ ٧ ]