﷽
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه وقفات مع أحكام فقهية تتعلق بفريضة الحج، مستنبطة من آيات الأحكام، وقد اقتطعتها من شرحي على بلوغ المرام من آيات الأحكام، إلا أنني هنا رتبت الآيات حسب ورودها في القرآن، على منهج كتب أحكام القرآن، بخلاف ترتيب البلوغ فإنه حسب ترتيب كتب الفقه وفقه السنة، واكتفيت ببيان مآخذ الأحكام دون التعرض لأصل الخلاف في المسائل المستنبطة، ومن أراد ذلك ففي كتب أحكام القرآن والخلاف بغيته، فأقول مستعينًا بالله:
[ ٤١ ]
الدراسة التطبيقية
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]
ومعها وقفتان:
* الوقفة الأولى: مع حكم وجوب العمرة على الآفاقي.
استُدل بالآية على وجوبها على الآفاقي.
والآفاقي أو الأفقي: من لم يكن مقيمًا في مكة، وقيل: هو من كان خارج المواقيت المكانية للإحرام حتى لو كان مكيًا.
ومأخذ الحكم: ورود الأمر بأسلوب الخبر، حيث أخبر المولى ﷾ أنّه جعل البيت مثابة للناس، أي: معادًا يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب، فيكون الأسلوب في الآية أسلوب خبر، بمعنى الأمر؛ لأنّ كونه مثابة للنّاس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأنّ الحمل على الوجوب، يفضي إلى صيرورته مثابًا أكثر من حمله النّدب (^١).
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٦).
[ ٤٢ ]
الوقفة الثانية: مشروعية الصلاة خلف مقام إبراهيم، المستنبط من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقد اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم، والأكثر أنّه: الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية، حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (^١)، وبيّن المراد منها: النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (^٢).
ومأخذ الحكم: ورود الطلب بصيغة الأمر الدّالة على الوجوب، في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ والقول بالوجوب هو مذهب طائفة من أهل العلم، كما أن القراءة الأخرى وهي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ - بفتح الخاء - هي خبرٌ بمعنى الأمر، وتأخذ حكمه.
وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الصّلاة خلف مقام إبراهيم سنة، وصرفوا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف خارجي، وهو السنة الدّالة على أن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، وما عداها فهو سنة.
ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ لمعاذ «فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (^٣) وقوله ﵊: «إلّا أن تتطوع» (^٤) إجابة لمن سأله هل
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤١٤).
(٢) أخرجه البخاري كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ برقم (٤٢١٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم (١٤٩٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم (٢٩).
(٤) متفق عليه وسبق تخريجه.
[ ٤٣ ]
عليّ غيرها؟ أي: من الصّلوات الخمس. وغير ذلك من الأحاديث.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]
استدل بالآية على عدد من الأحكام: أقف معها أربع وقفات:
* الوقفة الأولى: مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو أمر مجمع عليه، وإنّما الخلاف في كونه حكمًا واجبًا أو سنة.
ومأخذ القائلين بالوجوب: كونه واردًا بصيغة الخبر، والمراد به الأمر. وذلك في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ففيه الأمر بإقامة شعائر الله؛ لأنّ شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فدلّ ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة.
قال السيوطي: «وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنّه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه» (^١).
* الوقفة الثانية: اختلف القائلون بحتمية السعي هل هو ركن في الحج، أو واجب فيه؟ على قولين، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.
ومأخذ القائلين بكونه سنة، قوله ﷾: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الجناح عن الفاعل يدل على عدم وجوبه، بل هو في رتبة المباح؛ إلّا أن
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٢٨).
[ ٤٤ ]
جَعْل السعي من شعائر الله قرينة تدل على أنه لا يراد بذلك الإباحة، وإنّما يراد به النّدب والسنية.
قال شيخ الإسلام: «ورفع الجناح وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضت لهم في الطواف بهما -كما سيأتي إن شاء الله- فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما، وكونهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك (^١).
* الوقفة الثالثة: إنّ بداية السعي تكون بالصفا، والبدء بالصفا واجب.
ومأخذ الحكم: كون الله بدأ به فيقدم، وقوله ﵊: «نبدأ بما بدأ الله به» (^٢)، مع ضميمة قوله: «خذوا عني مناسككم» (^٣).
قال ابن الفرس: «ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا والمروة، ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية، ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذه الآية فرأوا البداية بالصفا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فهذا يدل على اعتبار التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم، وهذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا» (^٤).
_________________
(١) شرح العمدة (٣/ ٦٢٥).
(٢) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: " هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم ". قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ «أبدأ بما بدأ الله».
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).
(٤) أحكام القرآن (١/ ١٢٥).
[ ٤٥ ]
* الوقفة الرابعة: جواز السعي راكبًا.
مأخذه: عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولم يخص راكبًا من غيره، والمسالة محل خلاف على أقوال يرجع فيها إلى كتب الفقه.
ووجه العموم: أن الفعل المنصوب ينحل مصدرًا، والتقدير: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الطواف بهما﴾
* الوقفة الخامسة: يجزئ السعي دون طهارة، وإليه ذهب الجمهور.
ومأخذ الحكم: أنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.
* * *
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]
ونقف معها وقفة واحدة، وهي استدلال بعض الحنفية بالآية على أن شهور السنة كلها مواقيت للحج، كما كانت بأسرها مواقيت للنّاس، ويلزمهم أن يكون الحج المطلق على هذا القول يراد به الإحرام فقط دون سائر أفعال الحج، مع أن الإحرام عندهم ليس من الحج، بل هو شرط الحج. ومعلوم أن الشرط خارج عن ماهية الشيء، فالوضوء شرط الصلاة، وليس الوضوء داخلًا في الصلاة.
ومأخذ الحكم: أن الظّاهر من الآية جعل المراد بالأهلة جميع الشّهور، وهي عامّة؛ لأنّه جمع معرّف، وعمومها في المعطوف والمعطوف عليه - أي في الناس والحج -.
وأجيب: بأنّ الصّحيح من التأويل أن المراد بالآية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ والحج في أشهر الحج، أي: إنّ أفعال الحج من السّعي والطّواف وغيره تكون في أشهره.
[ ٤٦ ]
ومأخذ الجواب: جمعًا بين هذه الآية وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لأنه إن لم يكن كذلك لزم أن يكون لفظ ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ لفظًا واحدًا عامًّا خاصًا في حالة واحدة، وهذا لا يصح.
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦]
قال ابن العربي عن الآية إنّها: «مشكلة عُضلة من العُضل» (^١)، ويمكن تقسيم أحكام الآية إلى أربعة أقسام: