﷽
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد تنوعت الأساليب الدالة على الأمر في القرآن الكريم، وهي ترجع إلى ما ذكره بعض الأصوليين إلى أساليب وصيغ صريحة وغير صريحة، وحصر الأصوليون الصريحة في صيغة (افعل)، والفعل المضارع المقترن بلام الأمر، واسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر، أما غير الصريحة فهي متنوعة.
وأم الباب صيغة (افعل)، وفي قوتها ومنزلتها عند كثير من الأصوليين صيغة (ليفعل)، وهي صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، ثم إن الصيغة الأولى (افعل) قد استقرأت في القرآن الكريم في بحث أكاديمي من قبل الدكتور عبد اللطيف بن سعود الصرامي، بعنوان (محمول صيغة الأمر افعل دراسة نظرية وتطبيقية على آيات الأحكام)، ولمسيس الحاجة إلى مثل هذه الأبحاث الاستقرائية، رغبت في العمل على إكمال هذا المشروع، في هذه الدراسة، وذلك باستقراء دلالة صيغة الأمر «ليفعل» في آيات الأحكام، وأسميته (دلالته صيغة الأمر [ليفعل] دراسة تطبيقية على آيات الأحكام)
ولا يخفى أن من أهم مباحث أصول الفقه، مبحث الأمر، الذي هو أبلغ منازل
[ ١٤٩ ]
الخطاب كما يقول أبو يعلى (^١)، وأحد ركني التكليف إذ التكليف أمر ونهي.
وبخصوص هذه الصيغة، أعني (ليفعل) فقد استعملت في نصوص القرآن كثيرًا، حيث وردت في ثمانين موضعًا متعينًا، غير محتمل لغير الأمر، ووردت الصيغة محتملة بكونها لام أمر، أو لام تعليل في عشر آيات في قراءات متواترة، وثمان آيات في قراءات أخرى.
اقتصرت الدراسة على دراسة الأوامر الواردة في الدلالة على حكم فرعي عملي، فخرج من الدراسة: دراسة الأمر بالإيمان (^٢)، والتقوى (^٣)، والتوكل (^٤)، والخشية لله (^٥)، كما خرج من الدراسة ما خرج عن معنى الأمر إلى معنى من المعاني التي يرد عليها ويصرف لها (^٦)، كالدعاء (^٧)، والتعجيز (^٨)، والتهديد والوعيد (^٩)، والإخبار (^١٠)، والاعتبار (^١١)، أو التفكر (^١٢) … الخ، إلا إذا حُمِل الأمر فيها على قول من الأقوال على حكم شرعي فرعي، فإنه داخلٌ قطعًا في دراستي.
_________________
(١) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (١/ ٢١٣).
(٢) كالواردة في: [البقرة: ١٨٦].
(٣) كالواردة في: [البقرة: ٢٨٢]، [النساء: ٩].
(٤) كالواردة في: [النساء: ٩].
(٥) كالواردة في: [آل عمران: ١٢٢، ١٦٠]، [المائدة: ١١]، [التوبة: ٥١]، [يوسف: ٦٧]، [المجادلة: ١٠]، [التغابن: ١٣].
(٦) ذكر العلماء أن صيغة الأمر ترد إلى أكثر من ثلاثين معنىً. انظر: التحبير للمرداوي (٥/ ٢١٨٤ - ٢٢٠١)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ١٧ - ٣٨).
(٧) كالواردة في: [يونس: ٨٨]، [الزخرف: ٧٧].
(٨) كالواردة في: [الحج: ١٥]، [الأنبياء]، [الطور: ٣٤].
(٩) كالواردة في: [الكهف: ٢٩]، [العنكبوت: ٦٦]، [الروم: ٣٤].
(١٠) كالواردة في: [التوبة: ٨٢]، [مريم: ٧٥]، [العنكبوت: ١٢].
(١١) كالواردة في: [عبس: ٢٤]، [الطارق: ٥].
(١٢) كالواردة في: [الطور: ٣٨].
[ ١٥٠ ]
فاشتملت الدراسة التطبيقية على دراسة عشرين آية، ضمت ثلاثين حكمًا، وردت الأوامر فيها بصيغة (ليفعل). ورد الأمر متعينًا للوجوب في أربعة عشر حكمًا، ومحتملًا للوجوب وغيره في خمسة عشر حكمًا، ومصروفًا عن الوجوب باتفاق في حكم واحد، ذكرها عبد الخالق عظيمة في كتابه دراسات في أساليب القرآن الكريم (^١)، وتلك الآيات:
(١) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(٣) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
(٤) قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
(٥) قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]
_________________
(١) ينظر: دراسات في أساليب القرآن الكريم (٢/ ٣٩٠ - ٤٢١).
[ ١٥١ ]
(٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]
(٧) قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]
(٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]
(٩) قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]
(١٠) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]
(١١) قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]
(١٢) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]
(١٣) قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
[ ١٥٢ ]
(١٤) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]
(١٥) قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
(١٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]
(١٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]
(١٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]
(١٩) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]
(٢٠) قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]
[ ١٥٣ ]
وقبل الشروع في الدراسة التطبيقية يحسن التقدمة بين يديها بدراسة تأصيلية مختصرة، فأقول:
عرَّف ابن قدامة الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول أو ما قام مقامه (^١). وزاد الطوفي: على جهة الاستعلاء (^٢).
وقسَّم العلماء صيغ الأمر قسمين: صيغ صريحة في دلالتها على الأمر، وصيغ غير صريحة.
أما الصيغ الصريحة فهي عند أكثر العلماء أربع صيغ وهي:
الأولى: صيغة الأمر (افْعَلْ)، وهي خطاب للحاضر.
الثانية: صيغة (لِيَفْعَل) وسيأتي الحديث عنها.
الثالثة: اسم فعل الأمر، وهو لفظ يقوم مقام الفعل في الدلالة على معناه، وفي عمله (^٣). وهو قسمان:
أحدهما: ما وضع أول الأمر لذلك، نحو: نزال بمعنى: انزل، وصه بمعنى: اسكت، وهلم بمعنى: احضر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠].
ثانيهما: ما نقل عن غيره من ظرف أو من جار ومجرور، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو نقل عن
_________________
(١) انظر: المختصر في أصول الفقه لابن اللحام (٩٧)، والتحبير (٥/ ٢١٦٦)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٤٩).
(٣) انظر: شرح ألفية ابن مالك لابن عقيل (٢/ ٢٣٧)، محمول صيغة افعل (٤٥).
[ ١٥٤ ]
المصدر نحو: رويدًا زيدًا، أي: أمهله إمهالًا (^١).
الصيغة الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر: إذا جعل جزاء للشرط بحرف الفاء، والعامل فيه فعله المحذوف وجوبًا، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: فحرروا، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا الرقاب، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فافدوا (^٢).
القسم الثاني: الصيغ غير الصريحة، وهي الواردة بلفظ الخبر، ويعبَّر عنها الأصوليون بالخبر بمعنى الأمر، أي المتضمن له. وسيأتي مزيد تفصيل، وبيان لأقسامه في الدراسة السادسة، المتعلقة بأسلوب الخبر بمعنى الأمر وتطبيقاته.
وعودًا إلى صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، وهي من صيغ الأمر الصريحة - كما سبق - ويُعبَّر عنها بصيغة (ليفعل)، وهو خطاب أمر للغائب، وقد ورد الخطاب بها في القرآن متعين غير محتمل لغير الأمر في ثمانين موضعًا، ومحتملًا بين كون اللام للأمر أو لام كي في آيات عشر، ومحتملًا بينهما أيضًا في قراءات ثماني آيات، كما أفاد به الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه دراسات لأسلوب القرآن الكريم، وقال: «٢ - دخلت لام الأمر على المضارع المتكلم في آية واحدة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وفي قراءة شاذة في آية أخرى. ٣ - دخلت لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب في قراءة عشرية في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]» (^٣).
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٣/ ١١٨ - ١١٩)، محمول صيغة افعل (٤٥ - ٤٦).
(٢) انظر: الأمر والنهي عند علماء العربية والأصوليين للدكتور ياسين المحيميد (٥٨)، محمول صيغة افعل (٤٦).
(٣) (٢/ ٤٢١) وانظر (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩، ٤٠٠ - ٤٠١، ٤٢١).
[ ١٥٥ ]
فالأصل فيها إذًا مجيئها بالياء (ليفعل) للغائب.
قال ابن قدامة: «وللأمر صيغة مبنيَّة تدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرَّت عن القرائن، وهي: (افعل) للحاضر، و(ليفعل) للغائب …» (^١).
وقد نصَّ الأصوليون على كون هذه الصيغة من صيغ الأمر الصريحة، وأنها وبقية صيغ الأمر الصريحة سواء في دلالتها على الحكم.
يقول الإسنوي: «الأمر سواء كان بلفظ (افعل) كانزل، واسكت، أو (اسم الفعل) كنزال، وصه، (والمضارع المقرون باللام) كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]» (^٢).
ولمَّا كان الأصوليون لا يعبرون إلا بصيغة (افعل) نبَّه بعضهم إلى عدم تميزها عن غيرها في دلالتها على الحكم.
قال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها، وما قام مقامها من (اسم الفعل) كصه، و(المضارع المقرون باللام) مثل ليقم … وإنما خصَّ الأصوليون (افعل) بالذكر لكثرة دورانه في الكلام» (^٣).
تنبيه: اختلف النحاة أيهما الأصل في صيغة الأمر (افعل)، أو (ليفعل)، فذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (ليفعل)؛ وذلك لأن الأمر معنى، والأصل في المعاني أن تستفاد بالحروف كالنهي؛ فكما يستفاد النهي من لا الناهية، كذا الأمر من لام الأمر (^٤).
_________________
(١) روضة الناظر (٢/ ٥٩٥).
(٢) التمهيد (٢٦٦).
(٣) البحر المحيط (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٥٢).
[ ١٥٦ ]
وذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (افعل)؛ لأنه يفيد المعنى بنفسه بلا واسطة، بخلاف (ليفعل) فإنه يستفاد من اللام (^١).
ثم إنني من خلال العمل في البحث رأيت أن يكون الضابط في ذلك هو ورودها في كتب أحكام القرآن.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٥٢) نقلًا عن العكبري في شرح الإيضاح.
[ ١٥٧ ]
الدراسة التطبيقية
وفيما يلي الدراسة التطبيقية: