قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو يقتضي وجوب الصوم عند شهود شهر رمضان المبارك.
والأمر في الآية على بابه من الوجوب غير مصروف باتفاق أهل العلم (^١)، وإنما وقع خلاف بين العلماء فيمن يتوجه الخطاب والأمر، هل يقتضي وجوبه على المقيم والمسافر، أو على المقيم فقط؟
وسبب الخلاف راجع إلى القول بتعارض الإضمار (^٢) والتخصيص (^٣)، فأما الإضمار فهو في مفعول ﴿شَهِدَ﴾، وتقديره: فمن شهد البلد في الشهر. وهذا يقتضي أن وجوب صوم رمضان إنما يجب على المقيم فقط. وهؤلاء جعلوا ﴿الشَّهْرَ﴾ في الآية منصوبًا على الظرفية (^٤).
_________________
(١) قال ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٢٣): " الأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع ".
(٢) الإضمار: إسرار كلمة فأكثر، أو جملة فأكثر حسب ما يقتضيه حال ذلك الكلام. انظر: نفائس الأصول للقرافي (١/ ٢٤٥).
(٣) التخصيص: قصر العام على بعض أفراده. انظر: جمع الجوامع للسبكي (٢/ ٢).
(٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٢ - ٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٩٨).
[ ١٥٨ ]
أما جمهور أهل العلم فإنهم يرون قوله ﴿الشَّهْرَ﴾ هو مفعول ﴿شَهِدَ﴾ وأما المقيم فهو مخصوص بقوله في آخر الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقدموا التخصيص على الإضمار (^١).
تنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] خلاف في اللام الواردة فيه، هل هي لام للتعليل أو لام الأمر؟
يقول ابن الفرس: «ويجوز أن تكون لام الأمر، ويكون المعنى: أو في مرضه، فليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها …» (^٢).
قلت: ووجوب إكمال العدة ثابتٌ بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فهو مصدر نائب عن فعل الأمر - وهو أحد الأساليب الصريحة بالأمر.
قال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل ك (صه)، والمضارع المقرون باللام … وكذلك المصدر المجعول جزاء الشرط بحرف الفاء كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي فحرروا … وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي صوموا …» (^٣).
وقال القرطبي: «﴿فَعِدَّةٌ﴾ ارتفع عدة على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو الواجب عدة». ثم قال بعدها: «ويصح فَعليهِ عدة»، وقبلها قال: «إن في الكلام حذف؛ أي من يكن منكم مريضًا أو مسافرًا فأفطر فليقض» (^٤).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٩٩).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٠١) ..
(٣) البحر المحيط (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧).
[ ١٥٩ ]