وجميع ما ذكر دل على وجوب إكمال العدة، بأصرح من كون اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ للأمر.
قال محمد عبد الخالق عظيمة: «قال ابن عطية: اللام للأمر، ويضعفه أن النحويين قالوا إن أمر المخاطب باللام قليل، ويضعفه أيضا أنه لم يؤثر أن أحدًا من القراء قرأ بإسكان هذه اللام، فلو كانت اللام للأمر لكانت كسائر أخواتها من القراءة بالوجهين، فدل ذلك على أنها لام الجر، لا لام الأمر» (^١).
(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اشتملت هذه الآية على عدد من الأحكام الثابتة بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل). وقبل البدء في بيان تلك الأحكام تجدر الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: أن العلماء مختلفون في كون الأمر بالكتابة الوارد في صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، هل هو محكم أو منسوخ؟ (^٢).
_________________
(١) دراسات لأسلوب القرآن الكريم (٢/ ٣٩٩)، وانظر: البحر المحيط لابن حيان (٢/ ٤٢).
(٢) من قال بالنسخ جعل الناسخ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقالوا بأن الإشهاد لو كان واجبًا لما جاز إسقاطه. وقال الطبري: "وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبًا … " انظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٧ - ٥٠)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٧)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٨٣)، النسخ في القرآن لمصطفى زيد (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
[ ١٦٠ ]
والقائلون بأنه محكم اختلفوا في دلالة الأمر فيه هل هي على أصلها للوجوب أو أنها مصروفة إلى الندب؟ (^١).
وهذا الخلاف يترتب عليه حمل دلالة صيغة (ليفعل) الآتي ذكرها؛ وذلك لأن كل ما لا يتم الواجب أو المندوب إلا به فهو واجب أو مندوب، فوسيلة الشيء تأخذ حكمه، وعليه فإجابة الكاتب للكتابة، وإملال الذي عليه حق، أو وليه يُبنى عليها، كما سيأتي.
الأمر الثاني: إن مقصود الشارع من شرعه كتابة الدَّين حفظ الحقوق.
قال ابن العربي: «يريد أن يكون صكًا يستذكر به عند أجله؛ لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ، فشرع الكتاب والإشهاد …» (^٢).
_________________
(١) ذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب، إذ الأمر للإرشاد، بدليل إمكان إسقاط الكتابة عند الأمن من ضياع الحق، كما قال في قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، كما أن جمهور المسلمين في جميع ديار المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة، وفي إيجابها حرج شديد ومشقة. وذهب طائفة من أهل العلم إلى كون الكتابة واجبة، وروي عن ابن عمر، ومجاهد، وابن سرين، وعطاء، والضحاك وغيرهم. قال الطبري: " وأما الذين زعموا أن قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ على وجه الندب والإرشاد، فإنهم يسألون البرهان على دعواهم في ذلك، ثم يعارضون كسائر أمر الله ﷿، الذي أمر في الكتابة، ويسألون الفرق بين ما ادعوه في ذلك وانكروه في غيره، فلم يقولوا في شيء من ذلك قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله ". انظر: تفسير الطبري (٦/ ٥٥)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٥)، النسخ في القرآن لمصطفى زيد (٢/ ٢٠٣).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٢٤٧).
[ ١٦١ ]
إذا تبين هذا، ففي الآية الكريمة خمسة أحكام مستنبطة بواسطة دلالة صيغة (ليفعل)، سأوردها تحت هذه المسائل: