استدل الإمام مالك ﵀ على عدم اعتبار البسملة آية بما يلى:
عمل أهل المدينة. فالإمام ﵀ رأى أهل المدينة لا يقرءون بالبسملة فى صلاتهم فى مسجد المدينة، وجرى العمل على ذلك فى الصلاة من أيامه ﷺ إلى أيام الإمام مالك ﵀ مع قيام الدليل على وجوب قراءة الفاتحة فى الصلاة. فلو كانت آية من الفاتحة لوجبت قراءتها معها فى الصلاة. وقد قوى ذلك عنده عدة
_________________
(١) المستصفى ١/ ١٠٢.
[ ٥٣ ]
أحاديث يفهم منها أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أوائل السور ومن هذه الأحاديث:
ما روى عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين (١).
وعن أنس ﵁ قال: صليت خلف النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين (٢).
ورواه مسلم بلفظ: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا فى آخرها» (٣). هذا هو ما استدل به الإمام ﵀ على عدم اعتبار البسملة آية من أوائل السور، واحتمل عنده أن تكون كتابتها فى أوائل السور امتثالا للأمر بطلبها والبدء بها فى أوائل الأمور، وهى وإن تواتر كتبها فى أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآنا فيها (٤).
واستدل الإمامان ابن المبارك والشافعى على قرآنية البسملة بما يلى:
أولا: عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة (٥) ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علىّ آنفا (٦) سورة فقرأ:
بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٧)
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سننه فى كتاب الصلاة ١/ ٢٠٨.
(٢) الحديث متفق عليه: فأخرجه البخارى فى كتاب الأذان ١/ ١٣٦. ومسلم فى كتاب الصلاة ١/ ١٧٠.
(٣) أخرجه مسلم فى صحيحه ١/ ١٧٠.
(٤) أحكام القرآن لابن العربى ١/ ٢، ٣، وتفسير القرطبى ١/ ٨١، وتفسير آيات الأحكام ١/ ٤، ٥.
(٥) الإغفاءة: النوم يقال أغفى بمعنى نام- مختار الصحاح ٤٧٧.
(٦) الآنف يطلق على أقرب وقت متصل بالكلام- لسان العرب ١/ ١٥٢.
(٧) أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الصلاة ١/ ١٧١.
[ ٥٤ ]
ثانيا: عن أنس ﵁ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت قراءته مدّا ثم قرأ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (١) ومعنى: «كانت قراءته مدّا» أنه ﷺ كان يمدّ (الله، والرحمن، والرحيم) ثالثا: أنها أنزلت على رسول الله ﷺ مع أول كل سورة، ولذلك نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال (٢): كان رسول الله ﷺ لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم (٣). وذلك يدل على أنها من القرآن حيث أنزلت (٤).
رابعا: أنها كانت تكتب بخطّ القرآن بأمر رسول الله ﷺ فى أول كل سورة.