أنه كلام الله، وكلام الله قديم، فيجب تنزهه عن الحوادث.
ولما كان كلام البشر النفسى يطلق بإطلاقين:
أحدهما: على المعنى المصدرى.
وثانيهما: على المعنى الحاصل بالمصدر (٢).
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٨٨.
(٢) الكلام النفسى بالمعنى المصدرى هو تحضير الإنسان فى نفسه بقوته المتكلمة الباطنة
[ ١٦ ]
فكذلك- ولله المثل الأعلى- كلام الله النفسى يطلق بإطلاقين (١):
أحدهما: على نظير المعنى المصدرى للبشر.
_________________
(١) للكلمات التى لم تبرز إلى الجوارح، فيتكلم بكلمات متخيلة يرتبها فى الذهن، بحيث إذا تلفظ بها بصوت حسىّ كانت طبق كلماته اللفظية. والكلام النفسى بالمعنى الحاصل بالمصدر، هو تلك الكلمات النفسية، والألفاظ الذهنية المترتبة ترتيبا ذهنيا منطبقا عليه الترتيب الخارجى. والكلام البشرى اللفظى بالمعنى المصدرى عبارة عن تحريك الإنسان لسانه وما يساعده فى إخراج الحروف من المخارج. أما الكلام اللفظى بالمعنى الحاصل بالمصدر فهو تلك الكلمات المنطوقة التى هى كيفية فى الصوت الحسى (مناهل العرفان ١/ ٨).
(٢) قال الشيخ أبو عبد الله السنوسى ﵀- شرح أم البراهين ٣١: وما يوجد فى كتب علماء الكلام من التمثيل بالكلام النفسى فى الشاهد عند ردهم على المعتزلة القائلين بانحصار الكلام فى الحروف والأصوات، لا يفهم منه تشبيه كلامه جلّ وعزّ بكلامنا النفسى فى الكنه- تعالى وجلّ عن أن يكون له شريك فى ذاته أو صفاته أو أفعاله- وكيف يتوهم أن كلامه تعالى مماثل لكلامنا النفسى، وكلامنا النفسى أعراض حادثة يوجد فيها التقديم والتأخير وطروّ البعض بعد عدم البعض الذى تقدمه، ويترتب وينعدم بحسب وجود جميع ذلك فى الكلام اللفظى. فمن توهم هذا فى كلامه تعالى فليس بينه وبين الحشوية ونحوهم من المبتدعة القائلين بأن كلامه تعالى حروف وأصوات فرق. وإنما مقصد العلماء بذكر الكلام النفسى فى الشاهد النقض على المعتزلة فى حصرهم الكلام فى الحروف والأصوات. قيل لهم: ينتقض حصركم ذلك بكلامنا النفسى، فإنه كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وإذا صح ذلك فكلام مولانا أيضا كلام ليس بحرف ولا صوت، فلم يقع الاشتراك بينهما إلا فى هذه الصفة السلبية، وهى أن كلام مولانا جلّ وعزّ ليس بحرف ولا صوت، كما أن كلامنا النفسى ليس بحرف ولا صوت، أما الحقيقة فمباينة للحقيقة كل المباينة، فاعرف هذا فقد زلّت هنا أقدام لم تؤيد بنور من الملك العلام.
[ ١٧ ]
وثانيهما: على نظير المعنى الحاصل بالمصدر للبشر.
لما كان الأمر كذلك عرف المتكلمون القرآن بالمعنى الأول فقالوا:
«هو الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس».
وهذه الكلمات أزلية مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية، وهى مترتبة غير متعاقبة كالصورة تنطبع فى المرآة مترتبة غير متعاقبة.
وإنما نص المتكلمون فى التعريف على أنها حكمية، لأنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات.
وقالوا: إنها أزلية ليثبتوا لها معنى القديم.
وقالوا: إنها مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية، لينفوا.
عنها أنها مخلوقة، وأثبتوا لها الترتيب حيث إن القرآن حقيقة مترتبة بل ممتاز بكمال ترتبها وانسجامها، وكذلك قالوا: إنها غير متعاقبة لأن التعاقب يستلزم الزمان، والزمان حادث.
كما عرفوا القرآن بالمعنى الثانى فقالوا: إنه الكلمات الحكمية الأزلية المترتبة فى غير تعاقب، المجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية (١).
وجدير بالذكر التنبيه على أن المتكلمين إطلاقا ثالثا للقرآن يشاركون به الأصوليين ونحوهم، فهم يعنون كذلك بتقرير وجوب الإيمان بكتب الله المنزلة، ومنها القرآن، وبإثبات نبوة رسول الله ﷺ بمعجزة القرآن، وبديهى أن ذلك كله مناطه الألفاظ.
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة ٢١، والاقتصاد فى الاعتقاد ٥٩، وشرح أم البراهين ٢٣، ومناهل العرفان ١/ ١٠، ١١، والجنّة فى عقيدة أهل الجنّة ٢٩.
[ ١٨ ]