من قرون (١) سحيقة والشمس- فى مرأى العين- هى الشمس لم تتغير على تعاقب الأجيال، ولم تزد ولم تنقص على اختلاف الليل والنهار، ومن قرون سحيقة والقمر- فى مرأى العين- هو القمر لا يزال بين الخلف والسلف، مستدير القرص، هادئ النور، لم يطرأ عليه- مع اطراد الزمان- تبديل ولا نالت منه «عوامل التعرية» التى يقول العلماء إنها تنقص الجبال الرواسى وتبريها (٢) طولا وعرضا، ونحن المسلمين نرى القرآن الكريم حقيقة علمية ثابتة كهذه الحقائق الكونية الدائمة، فهو هو منذ بدأ لم يزد حرفا ولم ينقص.
نقله جبريل ﵇ عن الله ﷿، ونقله كذلك سيدنا محمد ﷺ عن جبريل ﵇، ونقله الصحابة عن نبيهم ﷺ، ثم تتابعت الجماهير الغفيرة تنقله عبر القرون حتى بلغت به إلينا مثلما نزل قبل أربعة عشر قرنا، وسنورّثه نحن غيرنا بهذه الهيئة المكتملة المصونة، وسيظل الحفظة يروونه للأعصار المقبلة إلى أن ينفضّ سرادق الحياة والأحياء، وينقلب الناس جميعا إلى الله (٣). لا:
_________________
(١) القرون: جمع قرن والقرن ثمانون سنة وقيل ثلاثون سنة والقرن مثلك فى السن تقول هو على قرنى أى على سنى والقرن فى الناس أهل زمان واحد- مختار الصحاح ٥٣٢. والسحق: بالضم البعد وسحق الشيء- بالضم- سحقا بوزن بعد فهو سحيق- مختار الصحاح ٢٨٩.
(٢) تبريها بمعنى تنحتها يقال: برى العود يبريه بريا أى نحته- لسان العرب ١/ ٢٧١.
(٣) نظرات فى القرآن للداعية الكبير الشيخ محمد الغزالى ٢٧
[ ٣٧ ]
بل سيظل القرآن الكريم فى العالم الآخر باقيا، يتلوه أهله على النحو الذى نزل به أمين الوحى الأول مرة وفى الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (١).
فالقرآن من حيث ثبوته لا شك أنه مقطوع بقرآنيته. فكل آية من آياته كان الرسول ﷺ يحفظها ويقوم بقراءتها وتمليتها على كتاب الوحى ليكتبوها (٢)، وكان على ذلك الصحابة من بعده فقد نقله بالكتابة والمشافهة فى كل عصر جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، فلم يختلفوا منه فى شىء يقدح فى بلاغته، أو ينقص من أحكامه ومبادئه على اختلاف أجناسهم، وتباعد ديارهم، ومعلوم أن التواتر من طرق اليقين وبه نؤمن بكثير لم نره من وقائع وبلاد وملوك وقواد وغير ذلك. وقد قال العلماء: إن شروط الاعتداد بالقراءة ثلاثة هى:
١ - استقامة الإعراب والمعنى.
٢ - صحة السند.
٣ - موافقة رسم المصحف.
وقد جمعها الشيخ ابن الجزرى ﵀ فى قوله (٣):
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سننه ٢/ ٧٣.
(٢) من كتاب الوحى- السادة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاوية وزيد بن ثابت وأبى بن كعب ﵃. هذا ومن أسباب كتابة الصحابة القرآن ما يلى: أ- معاضدة المكتوب للمحفوظ ليتوافر للقرآن كل عوامل الحفظ والبقاء. ب- تبليغ الوحى على الوجه الأكمل لأن الاعتماد على الحفظ فقط غير كاف لأن الحفاظ عرضة للنسيان أو الموت أما الكتابة فباقية- بحوث فى القرآن والسنة ٧٣.
(٣) طيبة النشر فى القراءات العشر له ٣. وابن الجزرى هو إمام الحفاظ محمد بن محمد بن على بن يوسف المعروف بابن
[ ٣٨ ]
فكل ما وافق وجه نحو وكان للرسم احتمالا يحوى
وصح إسنادا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه لو أنه فى السبعة
فإذا فقد أحد الركنين الأولين لم تعد قراءة، وإذا فقد الركن الثالث كانت قراءة شاذة، وقيل إذا فقد الركن الثالث لم تعد قراءة أيضا.