أجمع أهل السنة والجماعة على أن ترتيب الآيات فى المصحف توقيفى لا شبهة فى ذلك، حكى الإجماع الشيخ بدر الدين الزركشى ﵀ وغيره فقال (١):
« فأما الآيات فى كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفى بلا شك، ولا خلاف فيه ولهذا لا يجوز تعكيسها». ومن الأدلة على أن ترتيب الآيات توقيفى ما روى عن ابن عباس ﵄ قال:
قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى، وإلى براءة وهى من المئين (٢) فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينها سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها فى السبع الطوال (٣)؟
فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا،
_________________
(١) البرهان فى علوم القرآن ١/ ٢٥٦.
(٢) المثانى: ما ولى المئين لأنها ثنتها أى كانت بعدها، وقال الفراء هى السورة التى آيها أقل من مائة لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطول. والمئون: هى التى تكون كل سورة فيها تزيد على مائة آية أو تقاربها- الإتقان ١/ ٢٢٠.
(٣) أولها البقرة وآخرها براءة- المرجع السابق.
[ ٥٩ ]
وكانت الأنفال من أوائل ما نزل فى المدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها فى السبع الطوال (١).
فترتيب الآيات فى السور بأمر رسول الله ﷺ ولما لم يأمر بذلك فى أول براءة تركت بلا بسملة (٢).
وما أخرجه الإمام أحمد ﵀ بإسناد حسن عن عثمان بن أبى العاص قال (٣):
كنت عند رسول الله ﷺ جالسا إذ شخص (٤) ببصره ثم صوّبه (٥) حتى كاد أن يلزقه بالأرض قال ثم شخص ببصره فقال: أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الآية (٦)
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سننه ١/ ٢٠٨، ٢٠٩.
(٢) اختلف العلماء فى السبب وراء عدم ذكر البسملة أول براءة فقيل: لأن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان، وقيل كان من شأن العرب فى الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا، ولم يكتبوا فيه البسملة، فلما نزلت- براءة- بنقض العهد الذى كان للكفار قرأها عليهم علىّ كرم الله وجهه ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم، وقيل غير ذلك- البرهان ١/ ٢٦٢ وأحكام القرآن لابن العربى ٢/ ٨٩٢ وتفسير البيضاوى ٢٤٦.
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٤/ ٢١٨.
(٤) شخص بصره من باب خضع فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف- المختار ٣٣١.
(٥) صوب النظر بمعنى خفضه- لسان العرب ٣/ ٢٥١٩.
(٦) سورة النحل الآية: ٩.
[ ٦٠ ]