« على أنه قد يقال: قد ثبت فى آية المائدة القراءة بالجر، لأرجلكم عطفا على الممسوح وهو الرأس فيحمل على مسح الخفين كما بينته السنة (٥)، ويتم ثبوت المسح
بالكتاب والسنة وهو أحسن
_________________
(١) وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم يلقب بقاضى القضاة أخذ الفقه عن الإمام أبى حنيفة، وتوفى ﵀ عام ١٨٢ هـ. الفتح المبين ١/ ١٠٨. ومحمد بن الحسن الشيبانى اشتهر بالفقه والأصول، وكان إماما فى اللغة وتوفى ﵀ سنة ١٨٦ هـ- المرجع السابق ١/ ١١٠.
(٢) روضة الطالبين ١/ ١٣٥.
(٣) سورة المائدة الآية: ٦.
(٤) الوافى فى شرح الشاطبية ٢٥١.
(٥) سبل السلام ١/ ٨٨.
(٦) جاء فى الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «كنت مع النبى ﷺ فتوضأ فأهويت لا نزع خفيه فقال: دعها فإنى أدخلتهما طاهرتين- فمسح عليهما» (البخارى ١/ ٥٠، ومسلم ١/ ١٢٩).
[ ٤٨ ]
الوجوه (١) التى توجه بها قراءة الجر». هذا وقبل أن أنهى الكلام عن ثبوت القرآن وتواتره أقول: إن علماء الأصول تحدثوا بإطناب (٢) عن حجية ما نقل إلينا من القرآن آحادا، وذلك بعد اتفاقهم على حجية المنقول إلينا نقلا متواترا. فبينما ذهب الإمام الشافعى ﵀ إلى القول بنفى حجيته، ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى إثباتها، وبنى عليه وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين، مستدلا بما نقله ابن مسعود ﵁ فى مصحفه من قوله: (فصيام ثلاث أيام متتابعات).
ولو أمعنا النظر فى وجهة نظر الإمامين الجليلين لاخترنا مذهب الإمام الشافعى ﵀، لأن رسول الله ﷺ كان مكلفا بإلقاء ما نزل به جبريل ﵇ عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ولا شك أن الذين تقوم بهم الحجة القاطعة لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه من الرسول ﷺ.
وعلى هذا فالراوى له إن كان واحدا إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، لأنه وجب على الرسول ﷺ أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم، ولا يجوز مناجاة الواحد به، وإن لم يذكره على أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبى ﷺ، وبين أن يكون ذلك مذهبا له وعليه فلا يكون حجة، وهذا بخلاف خبر الواحد الوارد عن النبى ﷺ.
فالسادة الشافعية يرون عدم وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين فى قول عندهم، لأن الزيادة الواردة فى مصحف ابن مسعود ﵁
_________________
(١) حمل بعضهم قراءة الجر على أنها محمولة على الجوار كما فى قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود ٢٦] بجر الميم (تفسير آيات الأحكام ٢/ ١٧٣).
(٢) الإطناب: هو تأدية المعنى المقصود بلفظ زائد عليه لفائدة (توضيح المعانى للعمارى ١٨٢ دار القومية العربية).
[ ٤٩ ]
لم تتواتر، وبالتالى فليست من القرآن، فتحمل على أنه ذكرها فى معرض البيان لما اعتقده مذهبا له. فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع فى آية الظهار قال تعالى:
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (١) والسادة الحنفية (٢) لا يتفقون مع السادة الشافعية فى وجوب إلقاء النبى ﷺ القرآن على عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، وذلك لسبب بسيط وهو أن حفاظ القرآن فى زمانه ﷺ لم يبلغوا حدّ التواتر لقلتهم، وإنّ جمع القرآن إنما كان بطريق تلقى آحاد آياته من الآحاد، ومن هنا اختلفت مصاحف الصحابة، وبدهى أن النبى ﷺ لو كان ألقاه على طائفة تقوم الحجة.
القاطعة بقولهم لما اختلفت مصاحف الصحابة، ولهذا اختلفوا فى البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وقالوا لو سلمنا وجوب ذلك على النبى ﷺ، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، لكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك فى مصحفه على أنه من القرآن، لأن الظاهر من حاله الصدق، ولم يوجد ما يعارضه. كل ما فى الأمر أنه غير مجمع على العمل به، وذلك لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنا أمكن أن يكون من القرآن، وأمكن أن يكون خبرا عن النبى ﷺ، وأمكن أن يكون مذهبا له، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا، وبتقدير كونه خبرا عن النبى ﷺ،
_________________
(١) سورة المجادلة الآية: ٤.
(٢) أصول السرخسى ١/ ٢٨٠ والتلويح على التوضيح ١/ ٢٧ وتيسير التحرير ٣/ ٩، والإحكام للآمدى ١/ ١٤٨.
[ ٥٠ ]
وهما احتمالان، وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له، إلا أن احتمال كونه خبرا راجح لأن روايته له موهم بالاحتجاج به، ولو كان مذهبا له لصرح به نفيا للتلبيس (١) عن السامع المعتقد كونه حجة مع الاختلاف فى مذهب الصحابى (٢) هل هو حجة أولا؟
هذه هى وجهة السادة الحنفية رضوان الله عليهم، والحق أن ما قالوه فيه نظر، وذلك لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه ﷺ، ومن ثم فيجب تبليغه وتمليته على عدد تقوم الحجة بقولهم.
_________________
(١) لبس عليه الأمر خلط وبابه ضرب يقال فى الأمر لبسة- بالضم- أى شبهة يعنى ليس بواضح- المختار ٥٩٠.
(٢) المراد من مذهب الصاحبى هو ما اختاره فى المسألة الاجتهادية التى لم يرد فيها نص، ولم يحصل عليها إجماع. وقد اتفق العلماء على أن مذهب الصحابى لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، لأن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة بعضهم بعضا فى الاجتهاد. واختلفوا فى كونه حجة على التابعين ومن بعدهم: فذهبت الأشاعرة والمعتزلة والإمام الشافعى فى أحد قوليه، والإمام أحمد فى إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس بحجة. وذهب الإمام مالك وأئمة الحنفية والإمام الشافعى فى قول له والإمام أحمد فى رواية أخرى إلى أنه حجة مقدمة على القياس. واختار الآمدى القول بعدم حجيته مطلقا على أساس أن قول الصحابى ليس حجة على غيره فى أصول الدين فلا يكون حجة عليه أيضا فى فروعها. وهذا الخلاف فى قول الصحابى إنما هو فيما يمكن فيه الرأى يعنى فى حكم يمكن إثباته بالقياس وهو حينئذ ملحق بالسنة أما الذى لا يدرك بالرأى فلا خلاف فيه لأنه كالمرفوع- الأحكام للآمدى ٣/ ١٩٥، والإبهاج ٣/ ١٢٧، وحاشية ابن الحلبى على شرح المنار ٦٧٤، وتخريج الفروع على الأصول للزنجانى ٨٣، وتيسير التحرير ٣/ ١٣٢.
[ ٥١ ]
حيث إن عدم بلوغه بخبر التواتر للذين لم يشاهدوه لا يكون حجة قاطعة بالنسبة لهم، وبالتالى لا يكون حجة عليهم فى صدقه ﷺ، ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن فى العصر النبوى حد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك. وأما التوقف فى جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد فلم يكن فى كونها قرآنا، بل فى تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها وفى طولها وقصرها (١).
وأما ما اختلفت به المصاحف فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترا فهو منه.
وأما الاختلاف فى التسمية إنما كان فى وضعها فى أول كل سورة لا فى كونها من القرآن كما سيأتى، وما روى عن ابن مسعود ﵁ من إنكار كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن غير صحيح.