وهذا غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز، وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسين:
أولهما: كونه آية دالة على صدق النبى ﷺ فيما
_________________
(١) التفسير والمفسرون لفضيلته ١/ ٢٤، ٢٥.
[ ٧٦ ]
يبلغه عن ربه، وذلك بكونه معجزا للبشر لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله، ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك.
وثانيهما: هداية الناس لما فيه صلاحهم فى دنياهم وأخراهم.
أما الغرض الأول: وهو كونه آية على صدق النبى ﷺ فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا، فإن القرآن- وإن كان الإعجاز فى جملته لعدة معان كالإخبار بالغيب واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل وغير ذلك مما عدّ من وجوه إعجازه- إنما يدور الإعجاز السارى فى كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية جاءت لمقتضيات معينة، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقا.
فإن اللغات الراقية وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغات، وإذا فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية- وهذا محال- لضاعت خواص
القرآن البلاغية، ولنزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر، ولفات هذا المقصد العظيم الذى نزل القرآن من أجله على سيدنا محمد ﷺ.
وأما الغرض الثانى: وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم فى الدارين فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه. وهذا يرجع بعضه إلى المعانى الأصلية التى يشترك فى تفاهمها وأدائها كل الناس وتقوى عليها جميع اللغات. وهذا النوع من المعانى يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يستفاد من المعانى الثانوية، ونجد هذا كثيرا فى استنباطات الأئمة المجتهدين
ومما تقدم يعلم: أن الترجمة الحرفية للقرآن لا يمكن أن تقوم مقام الأصل فى تحصيل كل ما يقصد منه لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته وفوات شطر من الغرض الثانى.
[ ٧٧ ]
وأما الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يترجم نظم القرآن حذوا بحذو بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته. وهذا أمر ممكن وهو وإن جاز فى كلام البشر لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز، لأن فيه من فاعله إهدارا لنظم القرآن وإخلالا بمعناه وانتهاكا لحرمته فضلا عن كونه فعلا لا تدعو إليه ضرورة. اه.