قال رحمه الله تعالى: إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله - ﷺ - «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (٢)» وفي مسلم: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (٣)» ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمات مصنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي - ﷺ - هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله - ﷺ -:
«حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أن يغتسل يوم الْجُمُعَةِ ويستاك وَيَمَسُّ مِنْ طِيب بيته (٤)» فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، إذا كان حقا مستحبًا في اثنين منها كان في الثالث مستحبًا اهـ.
_________________
(١) راجع: بدائع الفوائد (٤|١٨٣ـ ١٨٤) حيث قال: دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوي الأمرين في موطن. اهـ
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٨٨٩) (٥٨٩١) (٦٢٩٧) ومسلم (٢٥٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦١).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٣٩٧) وابن حبان في صحيحه (١٢٣٤)، وأخرجه البخاري (٨٨٠) ومسلم (٨٤٦) وأبو داود (٣٤٤) بلفظ قريب.
[ ٣٥ ]
قلت: ويمثل أيضًا لهذا النوع من دلالة الاقتران بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:١٥١ - ١٥٢).
ولا يقل قائل بأن الإحسان بالوالدين حرام مثلًا لأن المذكورات جمعها التحريم فهذه المذكورات جمعها التحريم، فبعضها توجه إليها الخطاب مباشرة. كالشرك، وقتل الأولاد، ومقارنة الفواحش، وقتل النفس بغير حق، وأكل مال اليتيم، واتباع السبل المضلة.
وبعضها متوجه إلى أضداد بعضها. كالإحسان إلى الوالدين، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد، واتباع صراط الله، فإن أضداد هذه الأمور محرمة.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾) الإسراء: ٢٣. (فإن دلالة الاقتران هاهنا قوية وذلك بوجوب الإحسان للوالدين لاقترانه بالأمر بعبادة الله تعالى.
[ ٣٦ ]