قَالَ الطِّيبِيُّ (١): يَجُوزُ عَطْفُ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ (٢).
وقال ابن قدامة (٣) في المغني (٦| ١٣٩): في من أوصى بِالْوَاجِبِ وقرن الْوَصِيَّةَ بِالتَّبَرُّعِ "، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: حُجُّوا عَنِّي، وَأَدُّوا دَيْنِي، وَتَصَدَّقُوا عَنِّي.
_________________
(١) الطيبي (؟ - ٧٤٣ هـ) هو الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين، الطيبي. من علماء الحديث والتفسير والبيان. من تصانيفه: (التبياب في المعاني والبيان)، و(الخلاصة في أصول الحديث)، و(شرح مشكاة المصابيح)، و(الكاشف عن حقائق السنن النبوية). [شذرات الذهب ٦/ ١٣٦، والدرر الكامنة ٢/ ٦٨، والأعلام ٢/ ٢٨٠، ومعجم المؤلفين ٤/ ٥٣].
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣ |٣٩٠) للعلامة عبد الرؤوف المناوي، الطبعة الأولى المكتبة التجارية الكبرى - مصر - ١٣٥٦هـ.
(٣) ابن قدامة (- ٦٢٠ هـ) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. من أهل جمّاعيل من قرى نابلس بفلسطين. خرج من بلده صغيرا مع عمه عندما = = ابتليت بالصليبيين، واستقر بدمشق، واشترك مع صلاح الدين في محاربة الصليبيين. رحل في طلب العلم إلى بغداد أربع سنين ثم عاد إلى دمشق. من تصانيفه " المغني في الفقه شرح مختصر الخرقي" عشر مجلدات و"الكافي "، و" المقنع " و" العمدة " وله في الأصول " روضة الناظر ". [ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ص ١٣٣ - ١٤٦، وتقديم " كتاب المغني " لمحمد رشيد رضا، والأعلام للزركلي ٤/ ١٩١، والبداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة ٦٢٠ هـ].
[ ٣٢ ]
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِرَانَ فِي اللَّفْظِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِرَانِ فِي الْحُكْمِ، وَلَا فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّهُ هَاهُنَا قَدْ عَطَفَ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَكَمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْوُجُوبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي مَحَلِّ الْإِخْرَاجِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ مَا مَخْرَجُهُ مِنْ الثُّلُثِ." اهـ
قلت: الظاهر بالاستقراء أنه يجوز عطف المتباينات والمتغايرات على بعضها كعطف المندوب على الواجب أو العكس، وعطف الأمر على النهي أو العكس، وعطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية أو العكس.
[ ٣٣ ]
وقال أبو حيان الأندلسي (١) في تفسيره البحر المحيط عند قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ في الأرض وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (النور: ٥٧): استبعد العطف من حيث إن ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ﴾ نهي و﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ جملة خبرية فلم يناسب عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما؛ وهذا مذهب قوم؛ ولما أحسن الزمخشري بهذا قال كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله؛ فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة؛ والصحيح أن ذلك لا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضًا على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه (٢). اهـ
ومثال عطف الأمر على النهي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: ٣٦).
_________________
(١) أبو حيان الأندلسي (٦٥٤ - ٧٤٥هـ) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، أبو حيان، الغرناطي الأندلسي. مفسر، محدث، أديب، مؤرخ، نحوي، لغوي. وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية والإسكندرية والقاهرة والحجاز من نحو أربعمائة وخمسين شيخا، وتولى تدريس التفسير بالمنصورية، والإقراء بجماع الأقمر. من تصانيفه: " البحر المحيط " في تفسير القرآن، و" تحفة الأريب "، في غريب القرآن، و" عقد اللآلي في القرءات السبع العوالي " و" الإعلان بأركان الإسلام ". [شدرات الذهب ٦/ ١٤٥، ومعجم المؤلفين ١٢/ ١٣٠، والأعلام ٨/ ٢٦].
(٢) تفسير البحر المحيط (٦|٤٣٢)، الطبعة الأولى دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - ١٤٢٢هـ -٢٠٠١م، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، د. زكريا عبد المجيد، د. أحمد الجمل.
[ ٣٤ ]