وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهرًا في التسوية وقصد المتكلم ظاهرًا في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم. انتهى.
_________________
(١) تضعف دلالة الاقتران إذا استقلت الجمل كل واحدة منها بنفسها، كقول القائل: سافر زيد، وأكل محمد. فإن كل جملة منفردة عن الجملة الأخرى. ومثله قوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (الأنعام: ١٤١). فالأكل مباح، وإخراج الحق منه واجب، فدلالة الاقتران هنا غير معتبرة. " وأبعد من ذلك ظن من ظن أن تقييد الجملة السابقة بظرف أو حال أو مجرور يستلزم تقييد الثانية، وهذه دعوى مجردة بل فاسدة قطعًا، ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها انظر: اختيارات ابن القيم الأصولية (٢ |٤٩٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٢) وأحمد (٩٥٩٦) وهذا لفظه.
[ ٣٧ ]
جاء في فتح الباري (١٠|٤٧٩ - ٤٨٠) بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ الْآيَة
وَقَالَ اِبْن التِّين: يُسْتَفَاد مِنْ الْآيَة الْأُولَى أَنَّ دَلَالَة الِاقْتِرَان ضَعِيفَة، لِجَمْعِهِ تَعَالَى بَيْنَ الْعَدْل وَالْإِحْسَان فِي أَمْر وَاحِد، وَالْعَدْل وَاجِب وَالْإِحْسَان مَنْدُوب. قُلْت: وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى تَفْسِير الْعَدْل وَالْإِحْسَان، وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِهِمَا فِي الْآيَة فَقِيلَ: الْعَدْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَالْإِحْسَان الْفَرَائِض. وَقِيلَ: الْعَدْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَالْإِحْسَان الْإِخْلَاص. وَقِيلَ: الْعَدْل خَلْع الْأَنْدَاد، وَالْإِحْسَان أَنْ تَعْبُد اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ. وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْله. وَقِيلَ: الْعَدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة وَقِيلَ: الْعَدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. وَقِيلَ الْعَدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التَّفَضُّل. وَقِيلَ: الْعَدْل اِمْتِثَال الْمَأْمُورَات، وَالْإِحْسَان اِجْتِنَاب الْمَنْهِيَّات. وَقِيلَ: الْعَدْل بَذْل الْحَقّ، وَالْإِحْسَان تَرْك الظُّلْم. وَقِيلَ: الْعَدْل اِسْتِوَاء السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان فَضْل الْعَلَانِيَة. وَقِيلَ: الْعَدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفْو. وَقِيلَ: الْعَدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. وَأَقَرَّ بِهَا لِكَلَامِهِ الْخَامِس وَالسَّادِس. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: الْعَدْل بْين الْعَبْد وَرَبّه بِامْتِثَالِ أَوَامِره وَاجْتِنَاب مَنَاهِيه، وَبَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَ نَفْسه بِمَزِيدِ الطَّاعَات وَتَوَقِّي الشُّبُهَات وَالشَّهَوَات، وَبَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَ غَيْره بِالْإِنْصَافِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
[ ٣٨ ]
وَقَالَ الرَّاغِب: الْعَدْل ضَرْبَانِ مُطْلَق يَقْتَضِي الْعَقْل حُسْنه وَلَا يَكُون فِي شَيْء مِنْ الْأَزْمِنَة مَنْسُوخًا وَلَا يُوصَف بِالِاعْتِدَاءِ بِوَجْهٍ، نَحْو أَنْ تُحْسِن لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْك وَتَكُفّ الْأَذَى عَمَّنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْك. وَعَدْل يُعْرَف بِالشَّرْعِ وَيُمْكِن أَنْ يَدْخُلهُ النَّسْخ وَيُوصَف بِالِاعْتِدَاءِ مُقَابَلَة كَالْقِصَاصِ وَأَرْش الْجِنَايَات وَأَخْذ مَال الْمُرْتَدّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَة، وَهَذَا النَّحْو هُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ فَإِنَّ الْعَدْل هُوَ الْمُسَاوَاة فِي الْمُكَافَأَة فِي خَيْر أَوْ شَرٍّ، وَالْإِحْسَان مُقَابَلَة الْخَيْر بِأَكْثَر مِنْهُ وَالشَّرّ بِالتَّرْكِ أَوْ بِأَقَلّ مِنْهُ (١).