ذهب مَالِكٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى تَحْرِيمِ لحوم الْخَيْلِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وَتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ تَقْتَضِي الْحَصْرَ فَإِبَاحَةُ أَكْلِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ مَنْصُوصَةً لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِيهَا فَلَا يُفِيدُ الْحَصْرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِمَا اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِمَا أَغْلَبَ مَا يَطْلُبُ وَلَوْ سَلِمَ الْحَصْرُ لَامْتَنَعَ حَمْلُ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٢ |٣٣٤ - ٣٣٥) للعلامة محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي.، ط دار الفكر للطباعة والنشر. - بيروت. - ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.
[ ٤٣ ]
الثَّانِي: مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ عَطْفُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا مَعَهَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَمَنْ أَفْرَدَ حُكْمَهُمَا عَنْ حُكْمِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
الثَّالِثُ: مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ أَنَّهَا سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ فَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَقَاءِ الْبِنْيَةِ وَالْحَكِيمُ لَا يَمْتَنُّ بِأَدْنَى النَّعِيمِ وَيَتْرُكُ أَعْلَاهَا سِيَّمَا وَقَدْ امْتَنَّ بِالْأَكْلِ فِيمَا ذُكِرَ قَبْلَهَا.
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلى حِلِّ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر ﵄: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ (١)». وَلِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٥٥١٠) (٥٥١٢) ومسلم (١٩٤٢) وخالف هذا حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ " يَوْمَ خَيْبَرَ " أخرجه أبو داود (٣٧٩٠) وأحمد (١٦٨١٦) (١٦٨١٨) والنسائي (٤٨٢٥) وابن ماجه (٣١٩٨) والبيهقي (٩/ ٣٢٨). والعقيلي في "الضعفاء " (ص ١٨٨) والطبراني في " الكبير " (٢٠/ ٢٧١) (رقم ٦٤٢) وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ هَذَا إسْنَادٌ مُضْطَرِبٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُرْوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَالدَّارَ قُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ، وقال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة " (٣/ ٢٨٦):منكر.
[ ٤٤ ]