استصحاب الحال: وهو البقاء على حكم الأصل (١).
فهو دليل يفزع إليه الفقهاء عند عدم الأدلة إحالة بالاستدلال على غيرهم (٢).
وهو على ضربين: استصحاب براءة الذِّمة حَتَّى يدلّ دليل شرعي على الوجوب، كقولنا فِي الخيل: الأصل براءة الذِّمة فِي إيجاب الزكاة فيها وعنها فمن ادعى إيجابها فعليه الدليل، وهذا تقديره إني لا أعلم دليلًا يوجب الزكاة فيها، فإن كنت عارفا بدليل فاذكره.
ويقال إنه مستراح الذمم، ودليل من لا دليل له، إِذَا كَانَ مطالبة لا استدلالا، وهذا الاحتجاج به صحيح سائغ عند أهل العلم (٣).
_________________
(١) وهو تعريف ابن عقيل، وعرفه الطوفي والمرداوي: التمسك بدليل عقلي أَو شرعي لم يظهر عنه ناقل مطلقًا. انظر: الواضح لابن عقيل (٢/ ٣١٠)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٤٧)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٣٧٥٣).
(٢) وهو دليل عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية خلافا لأكثر الحنفية وبعض المتكلمين. انظر: تقويم أصول الفقه للدبوسي (٣/ ١٦٤)، تخريج لأصول على الفروع للزنجاني ص ١٧٢، والردود والنقود للبابرتي (٢/ ٦٦٠)، وتسيير التحرير لأمير بادشاه (٤/ ١٧٦)، وإحكام الفصول للباجي (٢/ ٢٣٩)، وشرح العضد على المختصر (٢/ ٢٨٤) وشرح اللمع للشيرازي (٢/ ٩٨٦)، والبرهان للجويني (٢/ ٧٣٥)، والعدة لأبي يعلى (٤/ ١٢٦٢)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٥١).
(٣) ذكر أَبُو يعلى الإجماع على صحته ونسبه للمحققين ابن عقيل. انظر: العدة لأبي يعلى (٤/ ١٢٦٢)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٥١)، والواضح لابن عقيل (١/ ٤٤) والمسودة لآل تيمية ص ٤٨٨، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٤٤٨)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٤٣٣).
[ ٧٩ ]
الضرب الثاني: استصحاب حكم الإجماع: وهو أن تجتمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة المجمع عَلَيْه، بأن يختلف المجمعون عَلَيْه، فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف، حَتَّى ينتقل عنه أُم لا (١)؟
فذهب أكثر أصحابنا، وأصحاب أَبِي حنيفة والشافعي إِلَى أَنَّهُ لا يَجوز ذلك، ويجب طلب الدليل فِي مواضع الخلاف (٢).
وذهب أَبُو إسحاق ابن شاقلا (٣): إِلَى أَنَّهُ يجب استصحاب حكم الإجماع (٤)، والصحيح الأول (٥)، ووجهه أن الإجماع لا يبقى بعد
_________________
(١) وجهان للحنابلة فِيهِ ذكرها الكلوذاني وسيأتي تفصيلها. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٥٤).
(٢) وقول جماعة من المالكية ونسبه أَبُو الخطاب للمحققين من الفقهاء والمتكلمين. انظر: الردود والنقود للبابرتي (٢/ ٦٦٠)، وفواتح الرحموت للأنصاري (٢/ ٣٥٩)، وإحكام الفصول للباجي (٢/ ٢٣٩)، ومراقي السعود إِلَى مراقي السعود للمرابط ص ٣٩٨، وشرح اللمع للشيرازي (٢/ ٩٨٧)، ونهاية السول للإسنوي (٢/ ٩٣٧)، والعدة لأبي يعلى (٤/ ١٢٦٥)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٥٤)، والواضح لابن عقيل (٢/ ٣١٦)، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٤٤٩)
(٣) هو إبراهيم بن أحمد بن عُمَر بن حمدان بن شاقلا، ولد سنة ٣٢٥ هـ، صحب المروذي كَانَ عابدا صالحا جليل المقدار كثير الرواية حسن الكلام فِي الأصول والفروع وسمع من أَبِي بكر الشافعي وابن الصواف وغيرهما، توفي سنة ٣٦٩ هـ. انظر: طبقات الحنابلة لابن أَبِي يعلى (٣/ ٢٢٧)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢١٦).
(٤) وهو قول ابن حامد وغيرهما من الحنابلة ونسبة غير واحد من العلماء كالمرداوي والشيرازي والزركشي إِلَى داود وَأَبِي بكر الصيرفي والمزني وَأَبِي ثور والآمدي وابن الحاجب. انظر: شرح اللمع للشيرازي (٢/ ٩٨٧)، منتهى الوصول والأمل لابن الحاجب ص ١٥٣، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٢)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٣٧٦٤).
(٥) رجح المؤلف ﵀ قول الجمهور فِي عدم الحجية. انظر: المراجع السابقة.
[ ٨٠ ]
الاختلاف، فلا وجه للتعلق به.
مثاله: أن يقول أصحاب داود (١) فِي أمهات الأولاد: الأصل فِي الإماء جواز البيع، فمن ادعى تحريمه بعد الاستيلاد فعليه الدليل (٢).
ويمكن أن نقابلهم بما يتكافئ الدليلان فِيه، فيقفان موقفا سواء، ونقول: قد أجمعنا على منع البيع حال حملها بالحر، فمن ادعى جواز بيعها بعد الوضع فعليه الدليل (٣).
* * *
_________________
(١) هو أَبُو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني، المعروف بالظاهري، كَانَ فقيهًا أديبًا شاعرًا ظريفا، ولد سنة مائتين وقيل: اثنتين ومائتين، له فِي فضائل الشافعي مصنفات، توفي يوم الاثنين تاسع شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وقيل: ست وتسعين. انظر: المنتظم فِي تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (٩٣١٦)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٢/ ٢٨٤) وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٥٩).
(٢) انظر: المحلى لابن حزم (٨/ ٥٧٣، ٥٤٦).
(٣) انظر: العدة لأبي يعلى (٤/ ١٢٦٦).
[ ٨١ ]