بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الشيخ الإِمام العلامة أَبُو علي الحسين بن شهاب العكبري الحنبلي - ﵁ - وأرضاه آمين:
الحمد لله ذي الحجج البوالغ والنعم السوابغ، حمدا يروي أصول رياض أفضاله، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشهد أن لا إلَّا الله وحده لا شريك له المفيض بجوده ونواله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عَلَيْه وعلى آله، الذين هم شجرة أصلها النبوة، وفرعها المروءة، وأصحابه الذين هم زينة الحياة، وسفينة النجاة، وسلم تسليما كثيرًا.
اعلم: فهمك الله ونفعك به، أن أحكام الفقه سبعة أقسام: (١)
واجب، ومباح، ومحظور، ومندوب إليه، وسنة (٢)، وصحيح، وفاسد (٣).
_________________
(١) التقسيم الذي عَلَيْه متأخروا الحنابلة للأحكام على قسمين: التكليفية وهي الخمس الأول ولم يذكر ﵀ المكروه وهو ما مدح تاركه ولم يذم فاعله، ولفظ السنة مرادف للمندوب، ثم الوضعية وهي الصحة والفساد والسبب والشرط والمانع والأداء والقضاء والعزيمة والرخصة. انظر: روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٩٧) وما بعدها، وشرح مختصر الروضة لطوفي (١/ ٢٤٧) وما بعدها، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٣٣).
(٢) المؤلف هنا ذكر المندوب إليه والسنة وكأنه يفرق بينهما، وفي آخر الرسالة ص ٦٤ ذكر أنهما بمعنى واحد وأنهما من الألفاظ المترادفة كما هو المشهور عند الأصوليين، فإما أن يكون سبق قلم منه أَوْ من النّاسخ أَوْ أن الرسالة مسودة ولم يبيضها مع أن المخطوط عَلَيْه تصحيحات إلَّا أن هذا الموضع لم ينبه عَلَيْه والله أعلم.
(٣) اختلف العلماء فِي الصحة والفساد هل هي من الأحكام التكليفية أَوْ الوضعية، فمن =
[ ٢٣ ]
فالواجب: ما يثاب المكلف على فعله، ويعاقب على تركه (١).
ولو قلت: ما كَانَ فِي تركه عقاب. أجزأ وتميز من المندوب (٢).
والحتم، واللازم، والمكتوب (٣)، عبارة عن الفرض، والفرض هو الواجب، والصحيح عن أحمد - ﵁ -، لأنَّ حدهما فِي الشرع سواء (٤) (٥).
والمباح: كلّ فعل مأذون فِيهِ لفاعله، لا ثواب له فِي فعله،
_________________
(١) = رأى فيهما الاقتضاء أَوْ التخيير جعلهما من الأحكام التكليفية وهذا ما يفهم من صنيع المؤلف، بينما المذهب كما صحح المرداوي أنهما من الأحكام الوضعية، وَقَالَ إنه اختيار أصحابنا وغيرهم، والله أعلم، انظر: فواتح الرحموت للأنصاري (١/ ١٢٠)، وشرح الإيجي على المختصر (٢/ ٨)، والمحصول للرازي (١/ ١١٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٥٣)، التحبير للمرداوي (٣/ ١٠٨١).
(٢) وهذا تعريف بالثمرة والأثر كما يعرفه الفقهاء وكذا سائر تعاريفه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وعرفه ابن اللحام والمرداوي وابن النجار: ما ذم شرعًا تاركه قصدا مطلقًا، ووافقهم الطوفي بدون لفظ مطلقًا، انظر، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٠٢)، والمختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ٥٨، والتحبير للمرداوي (١/ ٨٢٠)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٤٥).
(٣) انظر تمييز الواجب عن غيره فِي العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٩).
(٤) ويأتي بمعنى الساقط تاج العروس للزبيدي ٤/ ٣٣٨ التحبير للمرداوي ٢/ ٨٣٨ شرح الكوكب المنير لابن النجار ١/ ٣٤٥.
(٥) وهو المذهب وعليه جمهور العلماء وهناك رواية أخرى عن الإِمام أحمد وافق فيها الحنفية فِي التفرقة بين الفرض والواجب، وأن الفرض آكد من الواجب، واختلف فِي معنى الفرض والواجب على الرواية الثانية على ثلاثة أقوال منقولة عن الإِمام أحمد. انظر: تيسير النحرير لأمير بادشاه (٢/ ١٣٥)، وفواتح الرحموت للأنصاري (١/ ٥٨)، ومراقي السعود للمرابط ص ٦٩، والمستصفى للغزالي (١/ ٦٦)، والعدة لأبي يعلى (٢/ ٣٧٦)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٠٤)، والمسودة لآل تيمية ص ٥٠، والتحبير للمرداوي (٢/ ٨٣٧)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٥١).
(٦) وَقَالَ الطوفي الخلاف لفظي فِي المسألة وتابعه المرداوي وابن النجار. انظر: شرح مختصر =
[ ٢٤ ]
وَلَا عقاب عَلَيْه فِي تركه، (١) وفيه احتراز من أفعال المجانين والصبيان والبهائم؛ لأنه لا يصح إذنهم وإعلامهم به، وَلَا يدخل على ذلك فعل الله، كما فِي يَجوز أن يوصف أَنَّهُ مأذون له (٢).
والمحظور: ما يعاقب المكلف على فعله ويثاب على تركه (٣).
والندب: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على وجه يتضمن التخيير بين الفعل والترك (٤).
والمندوب: ما كَانَ فِي فعله ثواب وليس فِي تركه عقاب (٥).
_________________
(١) = الروضة للطوفي (١/ ٢٧٦)، والتحبير للمرداوي (٢/ ٨٣٩)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٥٣).
(٢) وهو تعريف القاضي، وتعاريف الحنابلة متقاربة جدًّا ولعلَّ أحسنها ما اختاره المرداوي وابن النجار: وهو ما خلا من مدح وذم لذاته، انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٧)، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٣٦)، وشرح مختصر الروضة لطوفي (١/ ٣٨٦)، والتحبير للمرداوي (٣/ ١٠٢٠)، وشرح الكوكب لابن النجار (١/ ٤٢٢).
(٣) انظر المحترزات فِي العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٧)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣٨٦).
(٤) أي ضد الواجب، وعرفه الطوفي: ما ذم فاعله شرعا، وزاد عَلَيْه المرداوي وابن النجار: ولو قولًا أَوْ عمل قلب انظر: شرح مختصر الروضة لطوفي (١/ ٣٥٩)، والتحبير للمرداوي (٢/ ٩٤٦)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٨٦).
(٥) ذكر القاضي "اقتضاء" بدل "استدعاء" فِي التعريف، انظر العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٢)، والواضح لابن عقيل (١/ ١٢٦)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٢٨)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٤٠٢).
(٦) وهو قريب من تعريف أكثر الحنابلة: وهو ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٣)، روضة الناضر لابن قدامة (١/ ١٢٠)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣٥٣)، والمختصر لابن اللحام ص ٦٣، والتحبير للمرداوي (٢/ ٩٧٨).
[ ٢٥ ]
وحد السنة: ما رسم ليحتذى (١)، ولهذا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إِلَى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إِلَى يوم القيامة" (٢).
وقد يقع إطلاق اسم السنة على الواجب، وما ليس بواجب، وَقَالَ الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٣) أي شريعة الله (٤).
وَقَالَ ﵇ "من السنة أن لا يقتل الحر بالعبد" (٥) وأراد الشريعة.
_________________
(١) هكذا عرفها المؤلف وأبو يعلى والباجي رحمهم الله تعالى، وهي مرادفة للمندوب فِي الحد والحقيقة، انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٥)، وإحكام الفصول للباجي (١/ ٥٢)، وشرح مختصر الروضة لطوفي (١/ ٣٥٤).
(٢) رواه مسلم (٣/ ٨٧)، كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أَوْ كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (١٠١٧)، وفي كتاب العِلْمِ (٨/ ٦١)، باب من سن سنة حسنة أَوْ سيئة، حَدِيث (١٠١٧)، بدون لفظ (إِلَى يوم القيامة).
(٣) سورة غافر: آية ٨٥.
(٤) يصح استدلال المؤلف ﵀ من حيث العموم أن السنة تطلق على الطريقة وقد عدل عن الاستدلال بها القاضي والله أعلم. انظر: العدة لابي يعلى (آل ١٦٦) جامع البيان للطبري لابن جرير (٢٤/ ٥٨) ومعالم التنزيل للبغوي (٤/ ٥٥) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ٣٨٦) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٥٠٩).
(٥) رواه بهذا اللفظ، البيهقي (٨/ ٦٤، ٦٣)، باب لا يقتل حر بعبد رقم (١٥٩٣٨) و(١٥٩٣٩) و(١٥٩٤٦)، وسنن الدارقطني (٤/ ١٥٥، ١٥٣)، كتاب الحدود والديات وغيره، رقم (٣٢٥٢) و(٣٢٥٤)، ورواه أَبُو داود (٥/ ١٤١)، كتاب، باب من قتل عبده أَوْ مثل به أيقاد به، رقم (٤٥٠٦، ٤٥٠٧)، وضعفه العظيم أبادي فِي التعليق المغني على الدارقطني، وَقَالَ ابن حجر: حَدِيث ابن عَبَّاسٍ فِيهِ جويبر وغيره من المتروكين، وذكر له طرقا لا تسلم من مقال، التلخيص الحبير لابن حجر (٥/ ٢٦٠٨)، حَدِيث (٢٢٦٧)، وضعفه الألباني فِي الإرواء (٧/ ٢٦٧)، حَدِيث (٢٢١٠، ٢٢١١).
[ ٢٦ ]
والشريعة تعم الواجب وغيره، إلَّا أن الغالب عند الفقهاء أن إطلاق اسم السنة يقع على ما لبس بواجب، فعلى هذا يجب أن يقال: ما رسم ليحتذى استحبابا (١).
والصحيح: ما طابق العقل والنقل، والفاسد بخلافه (٢).
* * *
_________________
(١) انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٦).
(٢) سبق لنا الكلام على الصحة والفساد من جهة التكليف أَوْ الوضع، والمؤلف فِي تعريفه جمع بين القولين، وَقَالَ الكلوذاني: الصحيح ما أعتد به، والفاسد عكسه، انظر: تعريف الصحة والفساد، وأن الفاسد مرادف للبطلان عند الحنابلة إلَّا فِي مسائل فِي الحجِّ وبعض العقود، وذلك لأدلة معينة فرقت بينهما، وللاختلاف فِي الفاسد خلاف الباطل. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٦٨)، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٨١)، وشرح مختصر الروضة لطوفي (١/ ٤٤١)، وأصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٥٢)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٤٦٤).
[ ٢٧ ]