وإذا ثبت ذلك، فهل عَلَيْه أن يجتهد فِي عين المفتي أم لا (٢)؟
فالصحيح من المذهب: أَنَّهُ لا يلزمه الاجتهاد فِي عين المفتي، بل يأخذ يقول أيهم شاء؛ لأنه لما سقط عنه الاجتهاد فِي الحكم؛ سقط عنه الاجتهاد فِي عين المفتي (٣).
وَقَالَ الخرقي (٤) رَحِمَهُ اللهُ تعالى: إِذَا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع
_________________
(١) سورة النحل: الآية ٤٣.
(٢) إِذَا ثبت ذلك أي بأن النّاس على قسمين عامي وعالم، فهل على العامي أن يستفتي أي مجتهد أم لابد له أن ينظر إِلَى أفضلهم فيستفتيه. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٧١)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٨٥).
(٣) وصححه أَبُو يعلى وابن قدامة وأكثر الحنابلة وَقَالَ بها الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية، وتوقف الطوفي وَقَالَ هذا القول أسهل والثاني أحوط ولم يرجح. انظر: تيسير التحرير لأمير بادشاه (٤/ ٢٥١)، وفواتح الرحموت للأنصاري (٢/ ٤٠٤)، وإحكام الفصول للباجي (٢/ ٢٧٠)، وتقريب الأصول لابن جزي ص ٤٦٠، وشرح اللمع للشيرازي (٢/ ١٠١١)، ونهاية السول للإسنوي (٢/ ١٠٥٥) العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٧١)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٨٥)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٦٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٩)، ومختصر أصول الفقه لابن اللحام ص ١٦٧.
(٤) هو عُمَر بن حسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، قرأ على صالح وعبد الله ابني الإِمام أحمد، وقرأ عَلَيْه شيوخ المذهب منهم ابن بطة وأبو الحسن التميمي، له مصنفات كثيرة فِي المذهب =
[ ٧٦ ]
أحدهما صاحبه، ويتبع العامي أوثقهما فِي نفسه (١).
وظاهره أَنَّهُ يلزمه الاجتهاد فِي عين المفتي بأن يسأل عن حاله، ومختار بالأول (٢) (٣).
وأمَّا العالم بالقبلة فلا يَجوز له التقليد فيها بحال، بل عَلَيْه الاجتهاد، سواء كَانَ الوقت واسعا، أَو ضيقا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، يعني: كتاب الله، وسنة رسوله، ولأن العالمين قد تساويا فِي السبب الذي يتوصل به إِلَى تثبيت الحكم، فلم يَجُزْ لأحدهما تقليد الآخر كالعالم والعامي فِي الأحكام العقليات (٥).
_________________
(١) = احترقت الدار التي أودع كتبه بها حينما خرج عن مدينة السلام، واشتهر مختصره وكثرت شروحه، توفي سنة ٣٣٤. انظر: طبقات الحنابلة لابن أَبِي يعلى (٣/ ١٤٧)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٩٨).
(٢) مختصر الخرقي ص ١٠٠، وكتاب المقنع شرح مختصر الخرقي لابن البنا (١/ ٣٤٢)، وشرح الزركشي على المختصر (١/ ٥٣٤) والمغني لابن قدامة (٢/ ١٠٩).
(٣) ظاهره أي ظاهر كلام الخرقي، أَنَّهُ يستفتي أفضل المجتهدين، وَلَا يستفتي المفضول مع وجود الفاضل، وهذه رواية عن الإِمام أحمد اختارها ابن عقيل وهو قول ابن سريج والقفال من الشافعية، وَقَالَ الطوفي هي أحوط، وضعفها ابن قدامة، واختار المؤلف قول الجمهور بقوله والمختار الأول. انظر: شرح اللمع للشيرازي (٢/ ١٠١١)، والواضح لابن عقيل (١/ ٢٩١) و(٥/ ٤٦٥)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٨٦)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٤٥٤).
(٤) كذا فِي المخطوط، وصححها الشيخ الشثري "والمختار الأول" انظر: شرح رسالة فِي أصول الفقه للشثري ص ١٦٤.
(٥) سورة النساء: آية ٥٩.
(٦) انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٤٦)، والواضح لابن عقيل (٥/ ٢٥٤)، والمسودة لآل تيمية ص ٤٦٧، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٠٨)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٤).
[ ٧٧ ]