وَلَا يسمى ذلك قياسا، وإنَّما هو مفهوم من فحوى اللفظ؛ لأنَّ القياس يخص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقر فِي إثبات الحكم به إِلَى ضرب من النظر والتأمل لحال الأصل والفرع، فأَمَّا ما دل على فحوى الخطاب الذي تبادرته القلوب من غير فكر وَلَا روية فإنه يستوي فِيهِ العالم والعامي، والعقل الذي لم يدر ما القياس، فكيف يَجوز إجراء اسم القياس عَلَيْه (٤)؟
وَقَالَ أَبُو الحسن التميمي (٥) (٦) ﵀: هو قياس جلي، لأنَّ
_________________
(١) أي مفهوم الخطاب وهو مفهوم الموافقة قاله الطوفي. انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٧١٥).
(٢) تاج العروس للزبيدي (٣٩/ ٢١٩) ومختار الصحاح للرازي ص ٤٩٣.
(٣) انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٣).
(٤) انظر: روضة الناظر لابن قدامة (٢/ ١١٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٧١٧)، شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٩٨).
(٥) سبق ترجمته فِي ص ٤٦.
(٦) نسب له القول ابن قدامة والطوفي، ونسبه المرداوي والجراعي لبعض الحنابلة كابن أَبِي =
[ ٥٩ ]
المنع من الضرب لم يتناوله اللفظ، وَلَا استفيد من الاسم، فدل على أنَّه مستفاد بالقياس دون النطق ومختار بالأول (١) (٢).
والدليل: هو المرشد إِلَى المطلوب، وقيل: الموصل إِلَى المقصود (٣).
والطرد: وجود الحكم لوجود العلة (٤).
_________________
(١) = موسى والخرزي والحلواني وَأَبِي الخطاب والفخر إسماعيل والطوفى، وقد أشار إِلَى ذلك ابن قدامة بقوله واختلف أصحابنا ولم يذكر إلَّا أبا الحسن، وهو قول الشافعي وأكثر أصحابه. انظر: شرح اللمع للشيرازي (١/ ٤٢٤)، والبحر المحيط للزركشي (٤/ ١٠)، والمسودة لآل تيمية ص ٣٤٨، التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٢٧، ٣٩٢)، روضة الناظر لابن قدامة (٢/ ١١٢)، والتحبير للمرداوي (٦/ ٢٨٨٩)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٩٨، ٩٧).
(٢) اختار المؤلف القول الأول وهو أن دلالة المفهوم دلالة لفظية وهو قول الحنفية وسموه دلالة النص، والمالكية، وبعض الشافعية، وأكثر الحنابلة ونسبه الشيرازي لأهل الظاهر وأكثر المتكلمين. انظر: تيسير التحرير لأمير بادشاه (١/ ٩٤)، فواتح الرحموت للأنصاري (١/ ٤١٠)، وإحكام الفصول للباجي (٢/ ٧٤)، وتحفة المسؤول للرهوني (٣/ ٣٢٤)، وشرح اللمع للشيرازي (١/ ٤٢٤)، والواضح لابن عقيل (٣/ ٢٥٨)، والتحبير للمرداوي (٦/ ٢٨٨٢).
(٣) كذا فِي المخطوط، وصححها الشيخ الشثري "والمختار الأول" شرح رسالة فِي أصول الفقه للشثري ص ١٢٠.
(٤) هذا من جهة اللغة وأمَّا اصطلاحا: قَالَ ابن اللحام: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فِيهِ إِلَى مطلوب خبري، عند أصحابنا وغيرهم، أي هذا التعريف. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٣١)، والواضح لابن عقيل (١/ ٣٢)، والمختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ٣٣، شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (١/ ٧٤).
(٥) وهو تعريف القاضي وَقَالَ الطوفي: هو وجود الحد بدون المحدود، قَالَ أَبُو يعلى: الطرد شرط فِي صحة العلة، فأَمَّا العكس فليس بشرط على صحتها، وَقَالَ فِي موضع آخر: لكنه دليل على صحتها. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ٧٧) و(٥/ ١٤٣٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ١٧٧).
[ ٦٠ ]
والعكس: عدم الحكم لعدم العلة (١) (٢).
فإذا قلنا: لا زكاة فِي الخيل؛ لأنه حيوان لا تجب الزكاة فِي ذكوره، فلم تجب فِي إناثه وذكوره (٣)، كالبغال والحمير، وعكسه الإبل، والبقر، والغنم (٤)؛ لأنه لما وجبت الزكاة فِي ذكوره؛ وجبت فِي إناثه وذكوره (٥).
والنقض: وجود العلة مع عدم الحكم (٦).
وقيل الكسر (٧): وجود معنى العلة وَلَا حكم (٨).
_________________
(١) وهذا تعريف القاضي وَقَالَ الطوفي: هو انتفاء المحدود عند انتفاء الحد. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٧٧)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ١٧٨).
(٢) ويعبر عنه فِي مسالك العلة بالدوران، وأطلق ابن المبرد على الجامع المانع المطرد المنعكس، قَالَ ابن اللحام وابن المبرد: يفيد العلية عند أكثر أصحابنا، قيل: ظنا، وقيل قطعا. انظر: المختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ١٤٩، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٢٧١)، ومقبول المنقول لابن المبرد ص ٢١٩، وشرح غاية السول لابن المبرد ص ٩٦.
(٣) فِي العدة لأبي يعلى (١/ ١٧٧)، "أصله"، بدل ذكوره.
(٤) هنا زيادة فِي العدة، (١/ ١٧٧) "وسبيل العاكس أن يبدأ بموضع العلة".
(٥) انظر: الواضح لابن عقيل (٢/ ٢٣١) و(٥/ ١٠٠)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤١٧)، والتحبير للمرداوي (٧/ ٣٤٤٢).
(٦) وهذا تعريف القاضي والذي عَلَيْه الأكثر: إبداء العلة بدون الحكم. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٧٧)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٠٩)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٠١) وشرح غاية السول لابن المبرد ص ٤١٢.
(٧) فِي المخطوط "العكس"، ولعله سبق قلم من المؤلف أَوْ النّاسخ لأمرين: الأول: أن الذي فِي كتب الأصول هو الكسر بعد النقض، كما أن العكس مرتبط مع الطرد وليس النقض، والثاني: أن التعريف الذي ذكره المؤلف موافق لتعريف الكسر، ويؤيد ما ذكرت قول الرازي فِي المحصول (٥/ ٢٥٩)، الكسر نقض يرد على المعنى دون اللفظ والله أعلم.
(٨) عرفه أكثر الحنابلة: هو إبداء الحكمة أي العلة بدون الحكم. انظر: العدة لأبي يعلى =
[ ٦١ ]
والفرق بين النقض والكسر (١): أن النقض يرد على لفظ العلة، والكسر (٢) يرد على وجه واحد لا يختلف (٣).
والقلب: هو الاشتراك فِي الدليل (٤)، وهو من ألطف الأسئلة (٥).
مثاله: أن يعلل أصحابنا فِي مسح الرأس بأنه عضو من أعضاء الطهارة؛ فوجب أن لا يجزئ منه ما يقع عَلَيْه الاسم كسائر الأعضاء، فيقلب السائل، فيقول عضو من أعضاء الطهارة، فوجب أن لا يجب عَلَيْه أن يعم ما وقع عَلَيْه الاسم من العضو فيما سواه (٦).
والسبب: ما يتوصل به إِلَى الحكم (٧)، ويكون طريقا لثبوته، سواء كَانَ
_________________
(١) = (٥/ ١٤٥٤) المسودة ص ٤٢٩، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣١٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥١٠)، وأصول الفقه لابن مفلح (٣/ ١٢٢٧) والمختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ١٥٦.
(٢) فِي المخطوط "العكس"، وسبق التنبيه على تصحيهها.
(٣) فِي المخطوط "العكس"، وسبق التنبيه على تصحيهها.
(٤) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٦٧).
(٥) وهو تعريف القاضي، وعرفه الطوفي وابن اللحام وابن المبرد: هو تعليق حكم المستدل على علته بعينها. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٢١)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥١٩)، والمختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ١٥٦، ومقبول المنقول ص ٢٢٥.
(٦) والقلب قسمان: قلب الدعوي، وقلب الدليل. انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥١٩)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٣٣٢)، والتحبير للمرداوي (٧/ ٣٦٦٢).
(٧) انظر: البرهان للجويني (٢/ ٦٦٩)، والواضح لابن عقيل (٢/ ٢٧١)، والمسودة ص ٤١٤، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٢٠) وما بعدها.
(٨) وهذا تعريفه لغة. انظر: التحبير للمرداوي (٣/ ١٠٦٠) وأصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٥١).
[ ٦٢ ]
دليلًا، أَوْ علة، أَوْ شرطا، وسواء كَانَ مؤثرا فِي الحكم، أَوْ غير مؤثر (١).
والنص: ما رفع بيانه إِلَى أقصى غاية (٢).
وقيل: ما كَانَ صريحا فِي حكم من الأحكام، وإن كَانَ اللفظ محتملا لغيره (٣).
وليس من شرطه أن لا يحتمل إلَّا واحدًا، لأنَّ هذا يعز وجوده، إلَّا أن يكون مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٤)، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥).
_________________
(١) وهذا تعريف القاضي ولكنه أخرج غير المؤثر، وعرفه الطوفي والمرداوي وابن النجار: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، وَقَالَ ابن مفلح: وصف ظاهر منضبط دل السمع على كونه معرفا لحكم شرعي، موافقا للآمدي انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٨٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٤٣٤)، وأصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٥١)، التحبير للمرداوي (٣/ ١٠٦٠)، شرح الكوكب لابن النجار (١/ ٤٤٥).
(٢) وهذا تعريف القاضي، وَقَالَ المجد: ما أفاد الحكم يقينا أَوْ ظاهرا، ونقل عن أحمد والشافعي، وَقَالَ ابن الجوزي: اللفظ الدال دلالة لا تحتمل التأويل، وَقَالَ ابن قدامه: ما يفيد بنفسه من غير احتمال، وضعف هذا التعريف الطوفي وَقَالَ النص فِي اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هو الصريح فِي معناه. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٣٧)، والإيضاح لابن الجوزي ص. ٢ وروضة الناظر لابن قدامه (١/ ٥٠٦)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٥٥٣)، والتحبير للمرداوي (٦/ ٢٨٧٣).
(٣) وهذا ما صححه القاضي خلافا للمؤلف، وقد ضَعَّفَهُ الطوفي وَقَالَ للنص ثلاث اصطلاحات عند العلماء. انظر: البرهان للجويني (١/ ٢٧٧)، العدة (١/ ١٣٨)، والمستصفى للغزالي (١/ ٣٨٤)، وأصول الفقه لابن مفلح (٣/ ١٠٥٩)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٥٥٤) والتحبير للمرداوي (٦/ ٢٨٧٣).
(٤) سورة الأنفال: آية ٦٤.
(٥) سورة الإخلاص: آية ١.
[ ٦٣ ]
ولهذا نقول: قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١)، نص فِي قدر المدة، وإن كَانَ اللفظ محتملا لغيره (٢).
والعام: ما احتمل معنيين هو فِي أحدهما أظهر من الآخر. (٣)
والفرق بين الظاهر والعموم: أن العموم ليس بعض ما يتناوله اللفظ بأولى من بعض، وَلَا أظهر، وتناوله تناولا على السواء، فيجب حمله على عمومه إلَّا أن يخصه دليل أقوى منه (٤).
والظاهر: ما احتمل معنيين إلَّا أن أحدهما أحق وأظهر باللفظ من الآخَرَ (٥).
فيجب حمله على أظهرهما، وَلَا يعدل عنه إلَّا بما هو أقوى منه (٦).
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٢٢٦.
(٢) انظر: البرهان للجويني (١/ ٢٧٧)، والعدة (١/ ١٣٩)، والمستصفى للغزالي (١/ ٣٨٤).
(٣) وتعريف المؤلف أقرب إِلَى تعريف الظاهر وقد ذكره ابن قدامه تعريفا للظاهر، وَقَالَ القاضي: ما عم شيئين فصاعدا، زاد ابن قدامه مطلقًا، وَقَالَ الطوفي والمرداوي وابن النجار: هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله، قَالَ ابن المبرد وهو المختار عند أصحابنا. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٤٠)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٧) وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٤٤٨)، والتحبير للمرداوي (٥/ ٢٣١١)، وشرح الكوكب لابن النجار (٣/ ١٠١)، وشرح غلية السول لابن المبرد ص ٣٠٢.
(٤) زاد أَبُو يعلى: أما الظاهر فإنه يحتمل معنيين إلَّا أن أحدهما أظهر وأحق باللفظ من الآخر. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ٤١٤).
(٥) وهو تعريف القاضي وابن قدامة، وَقَالَ الطوفي وابن اللحام وغيرهما: اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو فِي أحدهما أظهر. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٤١)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٥٠٨)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٥٥٨)، ومختصر أصول الفقه لابن اللحام ص ١٠٣.
(٦) أي حكم الظاهر، يجب أن يصار إِلَى المعنى الظاهر منه وَلَا يَجوز تركه إلَّا بقرينة. انظر: روضة الناضر لابن قدامة (١/ ٥٠٨).
[ ٦٤ ]
وكل عموم ظاهر، وليس كلّ ظاهر عمومًا، لأنَّ العموم يحتمل البعض إلَّا أن الكل أظهر (١).
فأَمَّا مثل قولُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) فكان عمومًا فِي جميعهم.
والظاهر مثل قولُه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣) ويحتمل الندب، إلَّا أن ظاهره الوجوب (٤).
والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه (٥).
وإنَّما قلنا بالقول: لأنَّ الرموز والإشارات ليست أمرا على الحقيقة، وإنَّما تسمى أمرا مجازا (٦).
وقولنا ممن هو دونه: احترازا من قول الإنسان لربه: اغفر لي وارحمني، وقول العبد لسيده: اكسني وأطعمني، فإن ذلك ليس بأمر
_________________
(١) أي كلاهما فِيهِ معنى الظهور. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٤١).
(٢) سورة التوبة: آية ٥.
(٣) سورة النور: آية ٣٣.
(٤) قَالَ القاضي: لأنه أمر وظاهر الأمر الوجوب فسمي ظاهرا لذلك. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٤١).
(٥) وهو تعريف القاضي وعرفه أَبُو الخطاب ووافقه ابن قدامة والطوفي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، وصححه الرازي، وَقَالَ بن اللحام: هو استدعاء إيجاد الفعل بالقول أَوْ ما قام مقامه. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٧)، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٢٤)، والمحصول للرازي (٢/ ١٧)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٥٤٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٤٩)، والمختصر فِي أصول الفقه لابن اللحام ص ٩٧.
(٦) أي استعماله فِي غير الأمر مجاز. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٧)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٥٩).
[ ٦٥ ]
وإنَّما هو دعاء (١).
والنهي: المنع من طريق القول (٢).
وإنَّما قلنا من طريق القول، لأنَّ من قيد [عبده] (٣)، وأغلق عَلَيْه باب فقد منع وليس من طريق القول (٤).
والجائز: ما وافق الشريعة (٥).
وتقول الفقهاء: الوكالة عقد جائز، وبيع جائز. ويريدون بذلك أَنَّهُ ليس بلازم، ويكون ذلك فِي كلّ عقد للعاقد فسخه بكل حال، وَلَا يؤول إِلَى اللزوم، وفيه احتراز من البيع المشروط، [و] (٦) فِيهِ الخيار، وإذا كَانَ فِي البيع عيب فإنه قد يؤول إِلَى اللزوم (٧).
_________________
(١) قَالَ القاضي هو سؤال وطلب. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٧).
(٢) خالف المؤلف عادة علماء الأصول بأن يختار تعريفا للأمر ويجعل النهي مخالفا لتعريف الأمر الذي اختاره وجعل لكل منهما تعريفا مغايرًا للآخر، وضعف هذا التعريف القاضي، وَقَالَ اقتضاء أَو استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه، وَقَالَ الطوفي: اقتضاء كف على جهة الاستعلاء. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٩)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٤٢٨).
(٣) زيادة من العدة يستقيم بها الكلام. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٩).
(٤) قَالَ القاضي "وليس ذلك بنهي"، المرجع السايق.
(٥) وهو تعريف القاضي ونسبه المرداوي لتقي الدين، وفي المسودة ص ٥٧٧. وقد يريد به الفقهاء ما ليس بلازم، وَقَالَ ابن النجار: ما لا يمتنع شرعا. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٨)، والتحبير للمرداوي (٣/ ١٠٣٤)، وشرح الكوكب لابن النجار (١/ ٤٢٩).
(٦) كذا فِي المخطوط، وفي طبعة الشيخ الشثري سقط حرف الواو. انظر: شرح رسالة فِي أصول الفقه للشثري ص ١٣٨.
(٧) يعني إِذَا رضي بأخذ الأرش. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٨).
[ ٦٦ ]
والخبر: ما دخله الصدق والكذب (١).
والصدق: ما خرج من مخبره على ما أخبر به (٢).
وحديث النَّبِيّ - ﷺ - ينقسم إِلَى ستة أقسام:
مسند: وهو ما اتصل سنده بالنبي - ﷺ - (٣)، وهو الصحيح (٤) (٥).
ومرسل: وهو ما أرسله التابعي عن النَّبِيّ - ﷺ -، ولم يذكر فِيهِ الصحابي (٦)
_________________
(١) وهو تعريف القاضي ورجح الطوفي تعريف الآمدي: هو اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إِلَى معلوم أَوْ سلبها عنه مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك على وجه يحسن السكون عَلَيْه. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٩)، الواضح لابن عقيل (١/ ١٠٥)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٦٩)، وشرح الكوكب لابن النجار (٢/ ٢٩٢).
(٢) وهو تعريف القاضي وَقَالَ الطوفي ابن النجار: الصدق: هو الخبر المطابق، والكذب: الخبر غير المطابق. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٦٩)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٦٧)، وشرح الكوكب لابن النجار (٢/ ٢٩٠).
(٣) هذا واحد من تعاريف المسند وقد ذكر ابن كثير ثلاثة تعاريف ما ذكره المؤلف واحد منها، وذكر عن الخطيب هو ما اتصل إِلَى منتهاه والثالث: محكي عن ابن عبد البر أَنَّهُ المروي عن النَّبِيّ - ﷺ - سواء كَانَ متصلا أَوْ منقطعًا. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢١، الباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٤٤)، فتح المغيث للسخاوي (١/ ١١٩)، تدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٦٨).
(٤) الصحيح عند أهل المصطلح: هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ وَلَا علة. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٧، والباعث الحثيث لابن كثير (١/ ٩٩)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٤)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٧٩).
(٥) لعل المؤلف أراد من لفظ "الصحيح" فِي التعريف أن المسند يشمل الصحيح والحسن والضعيف والله أعلم.
(٦) واختلفوا فِي التابعي بعضهم قيده بالتابعي الكبير والبعض ساوى بين الصغير والكبير. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥، والباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٥٣)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٥٥)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٩٤).
[ ٦٧ ]
وموقوف: وهو ما حكي عن الصحابي، ولم يذكر فِيهِ النَّبِيّ - ﷺ - (١).
ومقطوع (٢): وهو ما سقط من سنده رجل (٣).
وبلاغ: وهو ما قَالَ المحدث: بلغني عن النَّبِيّ - ﷺ - (٤).
ومعضل: وهو ما سقط من سنده رجلان (٥).
_________________
(١) سواء كَانَ متصلا أَوْ غير متصل، وَقَالَ ابن الصلاح: إن اصطلاح فقهاء خرسان بأن الموقوف يسمونه أثرًا وَقَالَ ابن كثير بل يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أثرًا. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٧، والباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٤٧)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٢٣)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٧٤).
(٢) المقطوع: هو الموقوف على التابعي قولًا أَوْ فعلًا، وهو غير المنقطع. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٢، والباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٤٩)، وقتح المغيث للسخاوي (١/ ١٢٥)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٩٢).
(٣) ما سقط منه راو هو المنقطع قَالَ العراقي: وَسْم بالمنقطع الذي سقط قبل الصحابي به راو فقط وَقَالَ النووي الصحيح أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كَانَ انقطاعه. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦، الباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٦٢)، وألفية العراقي ص ١٠٥، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٠٥)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٣١٧).
(٤) أشار إِلَى هذا المعنى الخطيب البغدادي مع أن أهل الاصطلاح وأهل الأصول لم يذكروه فِي كتبهم ولعلَّ السبب أَنَّهُ مصطلح خاص بالإمام مالك فِي الموطأ، وتعريف المؤلف موافق لاستعمال الإِمام مالك، وبلاغات الموطأ وصلها الحافظ ابن عبد البر إلَّا أربعة، قَالَ عنها: (وهو أحد الأحاديث الأربعة فِي الموطأ التي لا توجد فِي غيره مسندة وَلَا مرسلة والله أعلم)، التمهيد (٢٤/ ٣٧٥)، ووافقه على ذلك ابن الصلاح وابن حجر. انظر: الكفاية للخطيب ص ٤١٣، رسالة وصل البلاغات لابن الصلاح ص ١٩٧ ضمن رسائل لأبي غدة، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ١٢٢).
(٥) رجلان فأكثر ويُسمى منقطعًا ويُسمى مرسلًا عند الفقهاء. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨، والباعث الحثيث لابن كثير (١/ ١٦٧)، وفتح المغيث للسخاوي =
[ ٦٨ ]
والصحابي: من صحب النَّبِيّ - ﷺ - (١).
والتابعي: من صحب الصحابي (٢).
والتواتر: ما وقع العِلْم عقيبه ضرورة (٣)، وهو ما لم ينحصر بعدد (٤)
والآحاد: ما قصر عن التواتر (٥).
_________________
(١) = (٤/ ٧٧) وتدريب الراوي للسيوطي (٢/ ٢٢٦).
(٢) عرفه الحنابلة وأكثر أهل الاصطلاح: هو كلّ مسلم رأى النَّبِيّ - ﷺ -. انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ٩٨٧)، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦، والباعث الحثيث لابن كثير (٢/ ٤٩١)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ١٨٥)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥٧٨)، وفتح المغيث للسخاوي (٤/ ٧٧).
(٣) وهذا تعريف الخطيب البغدادي وخالفه النووي والعراقي قَالَ العراقي: والتابع اللاقي لمن صحبا وللخطيب حده أن يصحبا انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ١٥١، والباعث الحثيث لابن كثير (٢/ ٥٢٠)، وألفية العراقي ص ١٦٧، وفتح المغيث للسخاوي (٤/ ١٤٥)، وتدريب الراوي للسيوطي (٢/ ٢٦٣).
(٤) وهو قول أكثر أهل العِلْم خلافا لبعض المعتزلة البغداديين قالو: العِلْم يقع به اكتسابا وليس ضرورة. انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ٨٤٦)، إحكام الفصول للباجي (١/ ٢٢٢)، البرهان للجويني (١/ ٣٦٨)، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (٣/ ٣٢)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٨٨).
(٥) الكفاية للخطيب ص ١٦، العدة لأبي يعلى (٣/ ٨٥٥)، إحكام الفصول للباجي (١/ ٢٢٦)، والبرهان للجويني (١/ ٣٧٠)، وتيسير التحرير لأميرباد شاه (٣/ ٣٤)، وروضة الناضر لابن قدامة (٢/ ٢٩٨).
(٦) واختلف الحنابلة فِي حصول العِلْمِ به مع اتفاقهم على وجوب العمل به وقول الأكثرين والمتأخرين: أَنَّهُ لا يحصل العِلْم به، وقيل يحصل، ورجح هذا القول القاضي وَقَالَ يوجب العِلْم من طريق الاستدلال من أربعة أوجه لا من جهة الضرورة. انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ٨٩٨، ٩٠٠)، إحكام الفصول للباجي (١/ ٢٢٨)، والبرهان للجويني (١/ ٣٨٨)، وفواتح الرحموت للأنصاري (٢/ ١٢١).
[ ٦٩ ]
والمعارضة: مقابلة الخصم فِي دعواه، ومساواته فِي الدلالة، بخلاف حكمه ومانعيته من وجه الدلالة (١).
والترجيح: مزية لتقديم أحد المعنيين على الآخر (٢).
والندب، والفضل، والسنة، والاستحباب، والتنفل، بمعنى واحد (٣).
والنظر: ضربان.
ضرب هو نظر العين، فهذا حده الإدراك بالبصر (٤).
_________________
(١) كَانَ الأنسب ذكر المعارضة مع الأسئلة الواردة على القياس التي مرَّ ذكرها، وهي القلب والنقض، والمعارضة عند الحنابلة على قسمين: معارضة فِي الأصل ومعارضة فِي الفرع، أما المعارضة التي فِي الأصل: بيان وصف غير وصف المستدل يقتضي الحكم فيحتمل ثبوته لأحدهما أَوْ لهما وهو الأظهر. وأمَّا المعارضة فِي الفرع: ذكر ما يمتنع معه ثبوت الحكم إما بنص أَوْ إجماع فِيهِ وإما بإبداء مانع للحكم أَوْ لسببه. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥١٣) وقسمها القاضي إِلَى أربعة أقسام، فِي حكام الفصول للباجي (٢/ ٢٢٢)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣١٨)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٢٧)، وشرح العضد الإيجي (٢/ ٢٧٠)، والتحبير للمرداوي (٧/ ٣٦٦٢)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٣٣٦)، ومقبول المنقول لابن المبرد ص ٢٢٦.
(٢) عرفه الطوفي وابن اللحام: تقديم أحد طرفي الحكم لاختصاصه بقوة فِي الدلالة، وَقَالَ ابن مفلح: اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها، وهو تعريف ابن الحاجب. انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠١٩)، التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٢٦)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٧٦)، أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٨١)، مختصر أصول الفقه لابن اللحام ص ١٦٨.
(٣) هذا مرتبط بأول الرسالة عند ذكر تعريف الندب أَو السنة ص ٢٠، لذلك كَانَ حقه التقديم والله أعلم، والمقصود المعاني مترادفة. انظر: العدة لأبي يعلى (٢/ ٣٨٣)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣٥٤)، والتحبير للمرداوي (٢/ ٩٧٩)، وشرح الكوكب لابن النجار (١/ ٤٠٣).
(٤) وهو تعريف القاضي والكلوذاني. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٨٣)، والتمهيد لأبي =
[ ٧٠ ]
والثاني: النظر بالقلب، وحده الفكر فِي حال المنظور فِيهِ (١).
والجدل: تردد الكلام بين اثنين إِذَا قصد كلّ واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه (٢).
والاجتهاد: بذل الوسع فِي طلب الغرض (٣).
_________________
(١) = الخطاب (١/ ٥٨).
(٢) وهو تعريف القاضي والكلوذاني، قَالَ الجويني وحقيقته هذا النظر التأمل أَو التفكر أَو التدبر أَو الاعتبار أَو الاستدلال، وذكر القرافي فيها سبعة مذاهب صحح منها ثلاثة وهي: الفكر، وتردد الذهن بين أنحاء الضروريات، وتحديق العقل إِلَى جهة الضروريات. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٨٤)، والكافية فِي الجدل للجويني ص ١٧، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٥٨)، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٣٣٦، والمسودة لآل تيمية ص ٣٨٨، والتحبير للمرداوي (١/ ٢١٢).
(٣) وهو تعريف القاضي وقريب منه تعريف الباجي والكلوذاني، وذكر الجويني له عدة تعاريف وصحح منها هذا التعريف: إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أَو ما يقوم مقامهما من الاشارة والدلالة، وَقَالَ الطوفي: إنه قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب على وجه يدفع عن نفس الناظر والمناظر الشك والارتياب، ثم بعدها ضعف تعريف الغزالي ورد عَلَيْه. انظر: العدة لأبي يعلى (/ ١٨٤)، والمنهاج فِي ترتيب الحجاج للباجي ص ١١، والكافية فِي الجدل للجويني ص ٢١، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٥٨)، وعلم الجذل للطوفي ص ٣ و٤، والتحبير للمرداوي (٧/ ٣٦٩٥).
(٤) وهذا أقرب للتعريف اللغوي كما أشار إليه ابن قدامه واصطلاحا: عرفه الطوفي وابن اللحام: بذل الجهد فِي تعريف الحكم الشرعي وقريب منه تعريف ابن قدامة وَقَالَ ابن مفلح والمرداوي: استفراغ الفقيه وسعه لدرك حكم شرعي. انظر: روضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٣٣)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٧٥)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٤٦٩)، والمختصر فِي أصول الفقه لابن مفلح ص ١٦٣، والتحبير للمرداوي (٨/ ٣٨٦٥)، وشرك الكوكب لابن النجار (٤/ ٤٥٨).
[ ٧١ ]
والرأي: استخراج صواب العاقبة (١)، وقيل: الرأي هو القياس (٢)، ولهذا سمى أصحاب أَبِي حنيفة أصحاب الرأي (٣).
والمفتي: هو المخبر بالحكم الشرعي مع كونه من أهل الفتيا (٤)، وَلَا يكون مفتيا حَتَّى يكون مجتهدا (٥).
_________________
(١) وهو تعريف القاضي، وضعفه الكلوذاني وابن عقيل، وَقَالَ الكلوذاني: هو غاية الفكر، وَقَالَ ابن عقيل: استخراج حال العاقبة، وضعف هذا التعريف الجويني وَقَالَ: هو طلب الحق بضرب من التأمل، ولعله أحسنها والله أعلم. انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٨٤)، والكافية فِي الجدل للجويني ص ٥٨.، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٦٤)، والواضح لابن عقيل (١/ ٢٠٥).
(٢) قَالَ الرازي: لا نسلم أن الرأي هو القياس. انظر: المحصول للرازي (٥/ ٧٣).
(٣) ذكر الشهرستاني فِي الملل أنهم أصحاب أَبِي حنيفة من أهل العراق، وأهل العِلْم يطلقون أهل الرأي ويريدون به أهل الكلام فِي العقائد وأهل الرأي من الحنفية كما يطلقه عليهم علماء الأصول وكما هو واضح من كلام ابن قتيبية، قَالَ ابن قُتَيْبَةُ: فأَمَّا الرأي فِي الفروع فأخف أمرا، بعدما رد على أهل الكلام، وَقَالَ فِي موضع آخر: أشد أهل العراق فِي الرأي والقياس الشَّعْبِيّ، وأسهلهم فِيهِ مجاهد. انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قُتَيْبَةُ ص ١٤٩، ٢٢٢ - ٢٣٩، وجامع بيان العِلْمِ وفضله لابن عبد البر (٢/ ٢٥٩)، والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ١٢).
(٤) وقريب منه تعريف ابن حمدان، وَقَالَ الغزالي: هو المستقل بأحكام الشرع نصا أَو استنباطًا، وَقَالَ ابن مفلح: العالم بأصول الفقه وما يستمد منه والأدلة السمعية مفصلة واختلاف مراتبها. انظر: البرهان للجويني (٢/ ٨٦٩)، والمنخول للغزال ص ٤٦٣، صفة الفتوي لابن حمدان ص ٤، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٢)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٣٨٦٨).
(٥) الذي يظهر من كلام المؤلف أن لفظ المفتي مرادف للمجتهد كما هي عادة علماء الأصول يطلقون المجتهد وأحيانا المفتي ويذكرون بعده شروط الاجتهاد، فِي باب الاجتهاد، وهو الذي مشي عَلَيْه المؤلف - ﵀ -. انظر: المراجع السابقة.
[ ٧٢ ]
وشروط الاجتهاد: أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﷺ - فِي المواضع التي يتعلق بها ذكر الأحكام فِي الحلال والحرام، دون ما عداه (١) (٢)، وأن يكون عارفا بأحكام الخطاب، وموارد الكلام من الحقيقة والمجاز، وما اشتمل عَلَيْه الكتاب والسنة من الأقسام المتقدمة (٣)، ويكون عارفا بطرق النحو، واللغة (٤)، والإجماع،
_________________
(١) ما ذكره المؤلف هو ما عَلَيْه كثير من أهل العلم على حفظ آيات الأحكام وأحاديثها وَقَالَ ابن قدامه: بل معرفتها وَلَا يشترط حفظها بأن يعلم موقعها إِذَا أراد الاحتجاج بها، وقدرها خمسمائة آية بتصرف، وأنكر الطوفي هذا العدد وَقَالَ: أن أدلة الأحكام فِي ذلك غير منحصرة، وروي عن الشافعي وغيره ونسبه ابن عقيل لكثير من العلماء حفظ القرآن كاملا وهو اختيار شيخ الإسلام. انظر: الرسالة للشافعي ص ٥١٠، والعدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٩٤)، الواضح لابن عقيل (١/ ٢٧٠)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٣٤)، وشرح مختصر روضة للطوفي (٣/ ٥٧٧)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٤٠٦).
(٢) لم يشر المؤلف ﵀ على أنَّه لابد للمجتهد أن يعلم ناسخ ومنسوخ الكتاب والسنة وَقَالَ ابن قدامة: يكفيه أن يعرف أن المستدل به فِي هذه الحادثة غير منسوخ، كما لابد له من معرفة الصحيح من السنة ومعرفة الرواة وعدالتهم، أَو أن يعتمد الكتب الصحاح التي ارتضى الأئمة رواتها. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٩٤)، وروضة الناضر لابن قدامة (٢/ ٣٣٥)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٧٩).
(٣) أي أن يكون عالمًا بأصول الفقة. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٩٥)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٠)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٣٤)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٧٧)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٢).
(٤) يشترط معرفة ما يتيسر به فهم خطاب العرب، من نص وظاهر ومجمل وعام وخاص ومطلق ومقيد وغير ذلك. انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٥٩٤)، التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٩١) وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٣٦)، شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٤٠٨).
[ ٧٣ ]
والاختلاف، والأصل، وعلة الأصل، والفرع المختلف فِيه، لينظر فِي الفرع فيرده إِلَى الأصل إِذَا وجد معناه فِيهِ (١)، وأن يكون عدلا (٢)، فهذه صفة المجتهد.
والتقليد: قبول الشيء (٣) من غير دليل (٤).
مأخوذ من القلادة التي فِي العنق. قَالَ الشاعر (٥):
قلدوها تمائما خوف عين وحاسد
فسمي التقليد بذلك؛ لأنَّ المقلد يقطع الشيء فِي رقبة من يقلده إن كَانَ صوابا فله، وإن كَانَ خطأ فعليه (٦).
_________________
(١) ما ذكره المؤلف رَحِمَهُ اللهُ تعالى داخل فِي الشرط الثاني وهو معرفة مدارك الأحكام أي طرقها التي تدرك منها ويتوصل بها إليها، وَلَا يشترط معرفة تفاريع الفقه. انظر: المراجع السابقة فِي الشرط الثاني وهو معرفة أحكام الخطاب.
(٢) أطلق العبارة المؤلف ﵀، والحنابلة يرون العدالة شرط فِي قبول فتواه وخبره وليست شرطا فِي اجتهاده. انظر: وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٣٤)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥٨٨)، وشرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٤١٠).
(٣) عند القاضي والشيرازي بدل الشيء "القول". انظر: العدة لأبي يعلى (٤/ ١٢١٦)، وشرح اللمع للشيرازي (٢/ ١٠٠٧).
(٤) وعرفه أَبُو الخطاب والجويني والغزالي وابن قدامة والطوفي: قبول قول الغير من غير حجة. انظر: البرهان للجويني (٢/ ٨٨٨)، والمستصفى للغزالي (٢/ ٣٨٧)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٥)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٣٨١)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٥٠).
(٥) لا يعرف قائل هذا البيت والشاهد فِيهِ قلدوها.
(٦) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٥٠)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٤٠١١)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٥٢٩).
[ ٧٤ ]
والأحكام على ضربين: ضرب يَجوز فِيهِ التقليد، وضرب لا يَجوز فِيهِ (١).
فالذي لا يَجوز فِيهِ التقليد هي الأحكام العقلية، مثل: معرفة الله تعالى، وتوحيده، وتصديق رسله، فلا يَجوز لأحد التقليد فيها، لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فذمهم الله تعالى على ذلك، ولأن كلّ عاقل من عالم وعامي إِذَا تفكر فِي أفعال الله تعالى وما خلقه من الأرض والسماء، توصل بذلك إِلَى معرفته، وإذا نظر إِلَى ما ظهر على أيدي رسله من المعجزات الخارقة للعادة توصل بذلك إِلَى صدقهم، فلم يَجُزْ لأحد التقليد فيها (٣).
وكذلك ما ثبت بأخبار التواتر كأعداد الركعات، ونصب الزكاة، ونحوها، فلا يَجوز لأحد التقليد فيها، لأنَّ العلم حصل بها من جهة الضرورة (٤).
وأمَّا الضرب الذي يَجوز التقليد فِيهِ: الأحكام التي تثبت بالآحاد.
_________________
(١) انظر: العدة لأبي يعلى (٤/ ١٢١٧)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٦)، والواضح لابن عقيل (٥/ ٤٩٩).
(٢) سورة العنكبوت آية: ١٢.
(٣) هذا مذهب جمهور العلماء خلافا للعنبري وبعض الشافعية. انظر: تيسير التحرير لأمير بادشاه (٤/ ٢٤٣)، وفواتح الرحموت للأنصاري (٢/ ٤٠١)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٥)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ٣٢)، والمحصول للرازي (٦/ ٩١)، وشرح اللمع للشيرازي (٢/ ١٠٠٧)، والمسودة لآل تيمية ص ٤٥٨، وأصول الفقه البن مفلح (٤/ ١٥٣٣)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٤٠١٧).
(٤) نقل أَبُو الخطاب وابن عقيل وابن مفلح والمرداوي الاجماع على أنَّه لا يسوغ فِيهِ التقليد. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٨)، والواضح لابن عقيل (٥/ ٥٠٠)، وتقريب الأصول لابن جزي ٤٣٩، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٩)، والتحبير للمرداوي (٨/ ٤٠٣٠).
[ ٧٥ ]
والنّاس فيها على ضربين: عالم، وعامي، فالعامي يَجوز له تقليد العلماء، والأخذ بقولهم، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). ولأن طلب العلم من فروض الكفايات، فلو قلنا يجب على كلّ واحد أن يتعلم لجعلناه من فرائض الأعيان، ولأدى ذلك إِلَى قطع المكاسب والمعاش.