ابْن حزم وَالتَّعْلِيل:
لم يبْق من منكري التَّعْلِيل إِلَّا ابْن حزم، وَقد نقلنا موقفه من تَعْلِيل الْأَحْكَام سَابِقًا، وَأَنه يُنكر ربط الحكم بِأَيّ حِكْمَة أَو مصلحَة، ويبالغ فِي الْأَخْذ بظواهر النُّصُوص والاستمساك بحرفيتها إِلَى حد يَنْتَهِي بِهِ إِلَى أفهام عَجِيبَة، وآراء غَرِيبَة رغم عبقريته الَّتِي تشهد بهَا آثاره العلمية الَّتِي كَانَ فِيهَا نَسِيج وَحده، وَقد بسط ابْن حزم أدلته على إِنْكَار التَّعْلِيل فِي كِتَابه (الإحكام) ٣ وَلَعَلَّ أهم دَلِيل يُقيم عَلَيْهِ ابْن حزم مذْهبه هُوَ قَول الله ﷾: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٤ وأترك ابْن حزم يُوضح استدلاله بِالْآيَةِ يَقُول بعد ذكر هَذِه الْآيَة: "فَأخْبر تَعَالَى بِالْفرقِ بَيْننَا وَبَينه، وَأَن أَفعاله لَا يجْرِي فِيهَا (لِمَ) وَإِذا لم يحل لنا أَن نَسْأَلهُ عَن شَيْء من أَحْكَامه تَعَالَى وأفعاله: لِمَ كَانَ هَذَا؟، فقد بطلت الْأَسْبَاب جملَة وَسَقَطت الْعِلَل الْبَتَّةَ، إِلَّا مَا نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَنه فعل أَمر كَذَا
_________________
(١) ٨/٧٦ إِلَى آخر الْكتاب وَلكنه يثبت لبَعض الْأَحْكَام أسبابًا انْظُر ٨ / ٩٢.
(٢) سُورَة الْأَنْبِيَاء آيَة: ٢٣.
[ ٢٢٩ ]
لأجل كَذَا فَلَا يحل لأحد أَن يَقُول: لم كَانَ هَذَا السَّبَب لهَذَا الحكم وَلم يكن لغيره..لِأَن من فعل هَذَا السُّؤَال فقد عصى الله ﷿ وألحد فِي الدّين وَخَالف قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ فَمن سَأَلَ الله عَمَّا يفعل فَهُوَ فَاسق.."١.
وَيَقُول: "وَهَذِه - يَعْنِي الْآيَة - كَافِيَة فِي النَّهْي عَن التَّعْلِيل جملَة، فالمعلل بعد هَذَا عَاص لله، وَبِاللَّهِ نَعُوذ من الخذلان"٢.
وَقد رد أهل الْعلم قَدِيما وحديثا احتجاج ابْن حزم بِهَذِهِ الْآيَة وفندوه - مِنْهُم الدكتور الريسوني - وخلاصة مَا قَالَه: معنى الْآيَة: أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يحاسبه أحد على أَفعاله وَلَا يعْتَرض على فعله وَحكمه أحد ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾ ٣ بِخِلَاف الْعباد، فَإِنَّهُم يسْأَلُون ويحاسبون ويلامون ويخطّئون، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى - من جِهَة - هُوَ خَالق كل شَيْء، وَمَالك كل شيءله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض، لَهُ الأولى وَالْآخِرَة،.. وَلِأَنَّهُ - من جِهَة أُخْرَى - هُوَ أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ، وأصدق الْقَائِلين وَهُوَ الْعَلِيم الْخَبِير فعلى هَذَا الأساس - أَو هَذِه الأسس - تأتى أَفعاله وَأَحْكَامه، فَلَا مجَال فِيهَا للاستدراك أَو الِاعْتِرَاض.
لهَذَا وَذَاكَ فَإِن الرب سُبْحَانَهُ لَا يُسأل سُؤال محاسبة أَو اعْتِرَاض وَلَا شكّ أَن تَوْجِيه مثل هَذَا السُّؤَال كفر.
أما السُّؤَال عَن علل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَعَن أسرار وحِكم أَفعَال الله تَعَالَى فَهُوَ سُؤال تفهم وَتعلم، وَهُوَ على أصل الِاسْتِفْهَام - أَي طلب الْفَهم - وَهَذَا النَّوْع من الأسئلة صدر عَن الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَورد ذكره وَإِقْرَاره فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.
_________________
(١) الْأَحْكَام ٨ / ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) الْأَحْكَام ٨ / ١١٢.
(٣) سُورَة الرَّعْد آيَة: ٤١.
[ ٢٣٠ ]
فسِرّ الْمَسْأَلَة، والفيصل فِيهَا بَين سُؤال وسؤال، بَين سُؤال يُفسَّق صَاحبه كَمَا ذهب إِلَى ذَلِك ابْن حزم وَبَين سُؤال يَرْجُو بِهِ صَاحبه الْأجر والتقرب إِلَى الله تَعَالَى، وَالْفرق هُوَ أَن السُّؤَال الموجه إِلَى الله، أَو إِلَى أَي فعل من أَفعاله أَو قَول من أَقْوَاله أَو حكم من أَحْكَامه إِذا كَانَ الْغَرَض مِنْهُ: الِاعْتِرَاض أَو الْإِنْكَار أَو الِاسْتِهْزَاء أَو المحاسبة فَهُوَ ضلال وَكفر، أما إِذا كَانَ السُّؤَال صادرًا عَن إِيمَان تَامّ بِاللَّه وَصِفَاته الكمالية وبعدله وحكمته على الْخُصُوص، تحدوه الرَّغْبَة فِي الْفَهم والتعلم، ويدفعه التطلع والتشوق إِلَى مزِيد من الِاطِّلَاع على حِكم الله فِي تشريعه وتدبيره، فَهَذَا سُؤال مَشْرُوع لَا غُبَار عَلَيْهِ، بل هُوَ مَحْمُود غير مَذْمُوم والسؤالات من هَذَا الْقَبِيل صدرت عَن الرُّسُل الأخيار المقتدى بهم١.
_________________
(١) انْظُر تَفْصِيل الرَّد فِي نظرية الْمَقَاصِد ص ٢٤٠ - ٢٥٢ وَانْظُر أصُول التشريع الإسلامي ص ٢٩٤ والتحرير والننوير ١٧ / ٤٦.
[ ٢٣١ ]