الْأَدِلَّة على أَن أَحْكَام الله تَعَالَى معللة بالحكم والمصالح:
وَقد دلّت أَدِلَّة كَثِيرَة على أَن أَحْكَام الشَّرِيعَة مَبْنِيَّة على مصَالح الْعباد من صَلَاح المعاش والمعاد، مِنْهَا:
١ - النُّصُوص الْكَثِيرَة الدَّالَّة على تَعْلِيل أَفعاله تَعَالَى وَأَحْكَامه، وَهِي من الْكَثْرَة فِي الْكتاب وَالسّنة بِحَيْثُ يتَعَذَّر إحصاؤها، مِنْهَا على سَبِيل الْمِثَال:
قَوْله تَعَالَى فِي الصَّلَاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ ٤.
وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي الزَّكَاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٥.
_________________
(١) سُورَة العنكبوت آيَة: ٤٥.
(٢) سُورَة التَّوْبَة آيَة: ١٠٣.
[ ٢١٢ ]
وَقَوله فِي الْحَج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ١.وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ ٢ وَقَالَ ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣
وَقَالَ ﷺ: "يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء" ٤.
وَقَالَ فِي أَربع قبل الظّهْر: "إِنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء فَأحب أَن يصعد لي فِيهَا عمل صَالح" ٥.
وَقَالَ ﵊ فِي نقض الْوضُوء بِالنَّوْمِ: " فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرختْ مفاصله" ٦.
قَالَ الإِمَام الشاطبي ﵀: "وَالْمُعْتَمد إِنَّمَا هُوَ أَنا استقرينا من الشَّرِيعَة أَنَّهَا وضعت لمصَالح الْعباد استقراء لَا يُنَازع فِيهِ الرَّازِيّ وَغَيره" إِلَى أَن قَالَ: "وَإِذا دلّ الاستقراء على هَذَا، وَكَانَ فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة مُفِيدا للْعلم فَنحْن نقطع بِأَن الْأَمر مُسْتَمر فِي جَمِيع تفاصيل الشَّرِيعَة"٧.
_________________
(١) سُورَة الْحَج آيَة: ٢٧، ٢٨.
(٢) سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة: ٣٩.
(٣) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ١٧٩.
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيّ ٩ / ١٠٦ (مَعَ الْفَتْح) وَمُسلم ٢ / ١٠١٨، وَرَوَاهُ كَذَلِك التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم.
(٥) رَوَاهُ أَحْمد ٥ / ٤١٧، ٤٣٠ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا.
(٦) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ١/ ٢٥٣وَأَبُو دَاوُد١/١٣٩وَالْإِمَام أَحْمد١/٢٥٦ وَالدَّارَقُطْنِيّ١/١٥٩ وَابْن أبي شيبَة١/١٣٢ وَالْبَيْهَقِيّ١/١٢١ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ حَدِيث مُنكر وَنَحْوه قَالَ ابْن عبد الْبر انْظُر الاستذكار١/١٩١ وَنصب الرَّايَة١/٤٤.
(٧) الموافقات ٢ / ٦ - ٧.
[ ٢١٣ ]
٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١.
قَالَ الْعَضُد الإيجي: "وَظَاهر الْآيَة التَّعْمِيم، أَي يفهم مِنْهُ مُرَاعَاة مصالحهم فِيمَا شرع لَهُم من الْأَحْكَام كلهَا، إِذْ لَو أرسل بِحكم لَا مصلحَة لَهُم فِيهِ لَكَانَ إرْسَالًا لغير الرَّحْمَة، لِأَنَّهُ تَكْلِيف بِلَا فَائِدَة، فَخَالف ظَاهر الْعُمُوم"٢.
٣ - وَمن السّنة: قَوْله ﷺ: "الْخلق كلهم عِيَال الله فأحبهم إِلَى الله أنفعهم لِعِيَالِهِ" ٣ فقد أوضح الرَّسُول ﷺ أَن منَاط قرب الْإِنْسَان من الله تَعَالَى هُوَ مدى تَقْدِيمه النَّفْع والخدمة لِعِبَادِهِ، وَذَلِكَ برعاية مصالحهم وتوفير مَا بِهِ سعادتهم الْحَقِيقِيَّة.
وَإِذا كَانَ ميزَان مَا يتَقرَّب بِهِ الْإِنْسَان إِلَى الله فِي أَعماله هُوَ: خدمَة مصَالح الْعباد، فأحرى أَن يكون هَذَا الْمِيزَان هُوَ نَفسه الْمُحكم فِي نظام الشَّرِيعَة الإسلامية نَفسهَا٤.
_________________
(١) سُورَة الْأَنْبِيَاء آيَة: ١٠٧
(٢) شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب ٢ / ٢٣٨ نقلا عَن نظرية الْمَقَاصِد ص ٢١٩.
(٣) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى وَذكر السخاوي لَهُ عدَّة طرق فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة ص ٢٠٠.
(٤) ضوابط الْمصلحَة للدكتور البوطي ص ٧٨ - ٧٩.
[ ٢١٤ ]