الْحِكْمَة: مَا يَتَرَتَّب على ربط الحكم بعلته أَو سَببه، من جلب مصلحَة أَو دفع مضرَّة.
وَالْعلَّة: وصف مُنَاسِب ظَاهر منضبط ناط الشَّرْع بِهِ الحكم كجعله الْإِتْلَاف عِلّة لضمان الْمُتْلف، والجريمة عِلّة للعقوبة عَلَيْهَا١.
وَالْفرق بَين الْعلَّة وَالْحكمَة: أَن الْعلَّة: هِيَ الْوَصْف الْمُنَاسب المعرّف لحكم الشَّارِع وباعثه على تشريع الحكم كالإسكار عِلّة لتَحْرِيم الْخمر.
وَالْحكمَة: مَا يجتنيه الْمُكَلف من الثَّمَرَة المترتبة على امْتِثَال حكم الشَّارِع من جَلب نفع أَو دفع ضرّ. كحفظ الْعقل من تَحْرِيم الْخمر.
وَعلة الْقصاص الْقَتْل الْعمد والعدوان، وحكمته: حفظ النَّفس. وَالسَّرِقَة عِلّة الْقطع، وَالْغَصْب عِلّة الضَّمَان وَالْحكمَة فيهمَا: حفظ المَال.
وَالزِّنَا عِلّة الْحَد وحكمته حفظ الْأَنْسَاب.
وَأما السَّبَب: "فَهُوَ وصف ظَاهر منضبط، ناط الشَّارِع بِهِ الحكم مناسبًا كَانَ - كالأمثلة السَّابِقَة - أَو غير مُنَاسِب كجعل الدلوك سَببا لوُجُوب الصَّلَاة وشهود رَمَضَان سَببا لوُجُوب صَوْمه"٢ فَهُوَ أَعم من الْعلَّة.
_________________
(١) أصُول التشريع الإسلامي ص ١٤٥ وراجع شرح الْكَوْكَب الْمُنِير ٤ / ١٦ - ١٧ و٣٩.
(٢) الْمرجع السَّابِق.
[ ٢٠٢ ]
وَهَذِه التَّفْرِقَة بَين الْحِكْمَة وَالْعلَّة وَالسَّبَب اصْطِلَاح حَادث، أما القدماء فقد استعملوا الْحِكْمَة مرادفة لقصد الشَّارِع أَو مَقْصُوده، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَقْصُوده كَذَا، أَو حكمته كَذَا، فَلَا فرق، وَإِن كَانَ استعمالهم للفظ الْحِكْمَة أَكثر من استعمالهم للفظ الْمَقْصد. قَالَ الونشريسي١: " الْحِكْمَة فِي اصْطِلَاح المتشرعين: هِيَ الْمَقْصُود من إِثْبَات الحكم أَو نَفْيه وَذَلِكَ كالمشقة الَّتِي شُرع الْقصر والإفطار لأَجلهَا"٢.
وَقد يَبْدُو فِي هَذَا الْكَلَام شَيْء من الْإِشْكَال - كَمَا يَقُول الدكتور الريسوني وَهُوَ: هَل الْمَشَقَّة حِكْمَة ومقصود؟ وَالْجَوَاب: إِن الْكَلَام فِيهِ حذف، وَمرَاده: أَن رفع الْمَشَقَّة عَن الْمُسَافِر هُوَ مَقْصُود الحكم وحكمته، وَقد نبه على هَذَا الأصولي الْحَنَفِيّ شمس الدّين الفناري٣ حَيْثُ قَالَ: "أما مَا يُقَال فِي رخص السّفر: أَن السَّبَب السّفر، وَالْحكمَة الْمَشَقَّة، وَأَمْثَاله، فَكَلَام مجازي، وَالْمرَاد أَن الْحِكْمَة الباعثة دفع مشقة السّفر"٤.
ويؤكد الدكتور بدران أَبُو الْعَينَيْنِ بدران هَذَا التطابق بَين مَقْصُود الحكم وحكمته فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء فَيَقُول: "على أَن جُمْهُور الْفُقَهَاء كَانُوا يذهبون فِي اجتهاداتهم إِلَى أَن مَا شَرعه الله من أَحْكَام، لم يشرعه الله إِلَّا لمصْلحَة جلب مَنْفَعَة لَهُم أَو دفع مضرَّة عَنْهُم، فَلهَذَا كَانَت تِلْكَ الْمصلحَة هِيَ الْغَايَة الْمَقْصُودَة من
_________________
(١) أَحْمد بن يحي بن عبد الْوَاحِد، فَقِيه أديب خطيب مالكي وَانْظُر تَرْجَمته فِي شَجَرَة النُّور الزكية ١/٢٧٤.
(٢) المعيار ١ / ٣٤٩.
(٣) مُحَمَّد حَمْزَة الفناري، فَقِيه أصولي حَنَفِيّ (ت ٨٣٤؟) .
(٤) فُصُول البديع فِي أصُول التشريع ٢ / ٣٧١ عَن نظرية الْمَقَاصِد ص ٢١.
[ ٢٠٣ ]
التشريع وَتسَمى حِكْمَة"١. ثمَّ قَالَ: "أما حِكْمَة الحكم فَهِيَ الْبَاعِث على تشريعه والمصلحة الَّتِي قَصدهَا الشَّارِع من شَرعه الحكم"٢.
وَأما مصطلح الْعلَّة فَهُوَ مِمَّا يُعبر بِهِ عَن مَقْصُود الشَّارِع، فَيكون على هَذَا مرادفًا لمصطلح (الْحِكْمَة) وَهَذَا هُوَ الِاسْتِعْمَال الْأَصْلِيّ والحقيقي لمصطلح الْعلَّة ثمَّ غلب اسْتِعْمَاله فِيمَا بعد بِمَعْنى الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط الَّذِي تناط بِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، على أساس أَن الْحِكْمَة وَهِي منَاط الحكم ومقصوده فِي حَقِيقَة الْأَمر ترتبط غَالِبا بذلك الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط، الَّذِي يسهل إِحَالَة النَّاس عَلَيْهِ فِي تعرفهم لأحكام الشَّارِع - كَمَا أوضح ذَلِك الدكتور الريسوني - فَفِي بَاب الرُّخص مثلا، لاشك أَن رفع المشاق عَن النَّاس وَالتَّخْفِيف عَنْهُم هِيَ الْحِكْمَة وَالْمَقْصُود، وَهِي الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة للرخص الشَّرْعِيَّة، وَلَكِن الشَّارِع لَا يَقُول للمكلفين: كلما وجدْتُم عنتًا فترخّصوا. وَإِنَّمَا حدد لَهُم أَمَارَات مَعْرُوفَة وأسبابًا مُعينَة، هِيَ مَا يُسَمِّيه الأصوليون: الْأَوْصَاف الظَّاهِرَة المنضبطة، فبناء عَلَيْهَا يَقع الترخيص كالسفر وَالْمَرَض وَالْعجز وَالْإِكْرَاه.
فَهَذِهِ الْأَوْصَاف أَو الأمارات المنضبطة يُطلق عَلَيْهَا الْعِلَل أَو الْأَسْبَاب بَيْنَمَا الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة وَالسَّبَب الْحَقِيقِيّ هُوَ مَقْصُود الحكم وحكمته من جلب مصلحَة أَو دَرْء مفْسدَة أَو هما مَعًا، وَلَكِن الشَّارِع يرْبط الْأَحْكَام بأمارات ظَاهِرَة منضبطة ضبطا للْأَحْكَام وتجنبًا للفوضى فِي التشريع. على أَن تِلْكَ الأمارات تكون متلازمة عَادَة مَعَ الْمصَالح أَو الْمَفَاسِد الَّتِي هِيَ عِلّة التشريع
_________________
(١) أَدِلَّة التشريع المتعارضة ووجوه التَّرْجِيح بَينهَا ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) الْمرجع السَّابِق.
[ ٢٠٤ ]
الْحَقِيقِيَّة أَو تكون مَظَنَّة لَهَا. قَالَ الشاطبي١: "فنصب الشَّارِع المظنة فِي مَوضِع الْحِكْمَة ضبطا للقوانين الشَّرْعِيَّة"٢.
نخلص من هَذَا إِلَى أَن الْعلَّة - وَإِن استعملتْ استعمالات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة - لَكِن مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ والأصلي هُوَ الْحِكْمَة والمصلحة.
يَقُول الشاطبي: " وَأما الْعلَّة فَالْمُرَاد بهَا الحِكم والمصالح الَّتِي تعلّقت بهَا الْأَوَامِر أَو الْإِبَاحَة، والمفاسد الَّتِي تعلّقت بهَا النواهي فعلى الْجُمْلَة: الْعلَّة هِيَ الْمصلحَة نَفسهَا أَو الْمفْسدَة نَفسهَا "٣.
وَهَذَا الَّذِي صنعه الشاطبي من تَفْسِير الْعلَّة - عِنْده - بِالْمَصْلَحَةِ والمفسدة الْمَقْصُودَة بالحكم هُوَ اللَّائِق فِي بَاب الْمَقَاصِد، لِأَن الْبَحْث فِي الْمَقَاصِد هُوَ بحث فِي الْعِلَل الحقيقيّة الَّتِي هِيَ مَقَاصِد الْأَحْكَام بغض النّظر عَن كَونهَا ظَاهِرَة أَو خُفْيَة منضبطة أَو غير منضبطة، وعَلى أساس هَذَا الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لمصطلح الْعلَّة، تفرع مصطلح التَّعْلِيل بِمَعْنَاهُ الْعَام، وَهُوَ تَعْلِيل أَحْكَام الشَّرِيعَة بجلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد٤.
_________________
(١) أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الغرناطي، فَقِيه أصولي مُجْتَهد (ت ٧٩٠؟) وترجمته فِي نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص ٤٦ والأعلام ١/٧١.
(٢) الموافقات ١ / ٢٥٤.
(٣) الموافقات ١ / ٢٦٥.
(٤) نظرية الْمَقَاصِد ص ٢١ - ٢٥.
[ ٢٠٥ ]