نخلص بعد هَذَا إِلَى أَن الْمصلحَة الْمُعْتَبرَة شرعا الَّتِي يجوز بِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهَا هِيَ: مُقْتَضى الْعُقُول المستقيمة والفِطر السليمة، المحققة لمراد الشَّارِع من الْعُبُودِيَّة والرشاد، وَمُرَاد الْعباد من صَلَاح المعاش والمعاد، لَيست وليدة الشَّهْوَة أَو الشُّبْهَة، يَقُول الشاطبي: "وَلَقَد علم من التجارب والعادات أَن الْمصَالح الدِّينِيَّة والدنيوية لَا تحصل مَعَ الاسترسال فِي اتِّبَاع الْهوى وَالْمَشْي مَعَ الْأَغْرَاض، لما يلْزم ذَلِك من التهارج والتقاتل والهلاك الَّذِي هُوَ مضاد تِلْكَ الْمصَالح"٢.
ولتكون الْمصلحَة مقرونة بالرشاد، بعيدَة عَن الغي وَالْفساد، مُحَققَة لمراد الشَّارِع وَمُرَاد الْعباد، لَهَا ضوابط، فَإِذا كَانَت منضبطة بهَا فَهِيَ مُعْتَبرَة شرعا وبالتالي يسوغ الْعَمَل بهَا وَإِلَّا فَهِيَ مُجَرّد شَهْوَة أَو شُبْهَة التبست على صَاحبهَا فتوهمها مصلحَة، وهيهات أَن تكون - وَهِي بِهَذِهِ الْحَال - مصلحَة شَرْعِيَّة مُعْتَبرَة، وَإِنَّمَا هِيَ نَزعَة نفسانية أَو نزغة شيطانية، لبست عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ فأرته الْمفْسدَة مصلحَة.
وَمن هَذِه الشُّرُوط الَّتِي يجب توافرها لتحَقّق الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة الْمُعْتَبرَة:
١ - أَن يثبت بالبحث وَالنَّظَر والاستقراء أَنَّهَا مصلحَة حَقِيقِيَّة لَا وهمية أَي أَن بِنَاء الحكم عَلَيْهَا يجلب نفعا أَو يدْفع ضرًا، لِأَنَّهَا بِهَذَا تكون مصلحَة مُعْتَبرَة، أما مُجَرّد توهم الْمصلحَة من غير نظر دَقِيق وَلَا استقراء شَامِل وَمن غير
_________________
(١) الموافقات ٢ / ١٧٠.
[ ٢٣٩ ]
موازنة عادلة بَين وُجُوه النَّفْع ووجوه الضَّرَر فَهَذِهِ مصلحَة وهمية لَا يسوغ بِنَاء الحكم عَلَيْهَا.
٢ - أَن تكون هَذِه الْمصلحَة الْحَقِيقِيَّة عَامَّة، أَي لَيست مصلحَة شخصية أَي أَن بِنَاء الحكم عَلَيْهَا يجلب نفعا لأكْثر النَّاس أَو يدْفع ضَرَرا عَن أَكْثَرهم، أما الْمصلحَة الَّتِي هِيَ نفع لأمير أَو عَظِيم أَو أَي فَرد بِصَرْف النّظر عَن أَكثر النَّاس فَلَا يَصح بِنَاء الحكم عَلَيْهَا١.
٣ - أَن لَا تكون مُعَارضَة للْكتاب وَالسّنة، إِذْ لَا يجوز التَّعَارُض بَين مصلحَة مُعْتَبرَة وَنَصّ ثَابت من كل وَجه، فَإِن عارضت الْمصلحَة نصا فَهِيَ إِمَّا أَن تكون موهومة لَا تستند إِلَى أصل تقاس عَلَيْهِ، فَهِيَ لَا عِبْرَة بهَا فَإِذا توهم متوهم أَن مصلحَة النَّاس تَقْتَضِي حريَّة تعاملهم بالربا فالتعارض لَيْسَ إِلَّا بَين وهمه وَكَلَام الله تَعَالَى، أما حَقِيقَة الْمصلحَة فَهِيَ مَا قضى بِهِ كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ من ضَرُورَة إغلاق بَاب الرِّبَا.
وَإِمَّا أَن تكون مستندة إِلَى أصل قيست عَلَيْهِ بِجَامِع بَينهمَا، وَلَا يكون التَّعَارُض هُنَا بَين النَّص والمصلحة إِلَّا جزئيًا كَالَّذي يكون بَين الْخَاص وَالْعَام وَالْمُطلق والمقيد، فالتعارض فِي الْحَقِيقَة هُنَا بَين دَلِيلين شرعيين، وَلَيْسَ بَين نَص وَمُجَرَّد مصلحَة متوهمة، وَأمر التَّأْوِيل وَالتَّرْجِيح فِي هَذِه الْحَال عَائِد إِلَى اجْتِهَاد الأصولي الثبت فِي فهمه وَعلمه، وَعَلِيهِ أَن يجمع بَين الْمصلحَة الْجُزْئِيَّة الْعَارِضَة والمصلحة الْمَقْصُودَة من النَّص (أَو الْقيَاس) وَيقدم الراجحة مِنْهُمَا، ومجال
_________________
(١) مصَادر التشريع الإسلامي للأستاذ خلاف ص ٩٩ - ١٠٠ نقلا عَن أَدِلَّة التشريع الْمُخْتَلف فِيهَا ص ٢٢٧ - ٢٢٨ للدكتور عبد الْعَزِيز عَليّ الربيعة.
[ ٢٤٠ ]
الِاجْتِهَاد الْعقلِيّ هُنَا وَاسع جدا - كَمَا يَقُول الْأُسْتَاذ عَليّ حسب الله١ وَيَقُول أَيْضا:
"وَاعْلَم أَن مُعَارضَة الْمصلحَة للنَّص أَو الْقيَاس لَا تكون إِلَّا فِي جزئيات يَعدّ اعْتِبَارهَا فِيهَا اسْتثِْنَاء من قَاعِدَة النَّص أَو الْقيَاس، وَلَا يُعدّ إِلْغَاء لوَاحِد مِنْهُمَا فَإِن الْقَوَاعِد الثَّابِتَة بِالنَّصِّ أَو الْقيَاس هِيَ المعالم الْوَاضِحَة إِلَى الْمَقَاصِد الشَّرْعِيَّة فَإِذا تبين فِي بعض الجزيئات أَن الْعَمَل بِالنَّصِّ أَو الْقيَاس لَا يُحَقّق الْمصلحَة الْمَقْصُودَة وَجب اسْتثِْنَاء هَذِه الجزئيات فِي أضيق الْحُدُود تَحْقِيقا للْمصْلحَة الْمَشْرُوعَة، وَبَقِي النَّص أَو الْقيَاس قَائِما فِيمَا عَداهَا، كَمَا لَو أشرف إِنْسَان أَو جمَاعَة على الْمَوْت جوعا، فَإِنَّهُ يجب إطعامهم من مَال الْغَيْر عنْوَة مَعَ وجوب دفع الْمثل أَو الْقيمَة عِنْد الْقُدْرَة، وَفِي هَذَا اعتداء على حُرْمَة المَال، لكنه اسْتثِْنَاء لعَارض فِي مَسْأَلَة جزئية لَا يُبطل الْقَاعِدَة الْعَامَّة الَّتِي تحرم الْعدوان على أَمْوَال النَّاس فِي كل حَال"٢قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣ وَهَذَا وَاضح من خلال فَتَاوَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين أَنهم لم يُراعوا الْمصلحَة على أَنَّهَا نظام عَام يُلغي النَّص أَو الْقيَاس، بل روعيت فِي بعض الجزئيات اسْتثِْنَاء من النَّص أَو الْقيَاس، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزالِيّ فِي
_________________
(١) أصُول التشريع الإسلامي ص ١٧٨.
(٢) الْمرجع السَّابِق ص ١٧٩ - ١٨٠.
(٣) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ١٨٨.
[ ٢٤١ ]
الْإِفْتَاء بقتل الزنديق١ المتستر: "فَهَذَا لَو قضينا بِهِ فحاصله اسْتِعْمَال مصلحَة فِي تَخْصِيص عُمُوم، وَذَلِكَ لَا يُنكره أحد"٢وَقَالَ الطوفي فِي مُعَارضَة الْمصلحَة لدَلِيل شَرْعِي: "وَإِن خالفها دَلِيل شَرْعِي وُفق بَينهَا وَبَينه بِمَا ذكرنَا من تَخْصِيصه بهَا "٣.
وَقَالَ الشاطبي نقلا عَن ابْن الْعَرَبِيّ: "فالعموم إِذا اسْتمرّ، وَالْقِيَاس إِذا اطرد، فَإِن مَالِكًا وَأَبا حنيفَة يريان تَخْصِيص الْعُمُوم بِأَيّ دَلِيل كَانَ من ظَاهر أَو معنى، ويستحسن مَالك أَن يُخص بِالْمَصْلَحَةِ "٤.
وَإِذا تقرر هَذَا فَإِنَّهُ لَا يجوز القَوْل بِتَقْدِيم الْمصلحَة - مُطلقًا - على النَّص وَالْإِجْمَاع عِنْد معارضتها لَهما، كَمَا نَادَى بذلك نجم الدّين الطوفي بِدَعْوَى أَن رِعَايَة الْمصلحَة أقوى من الْإِجْمَاع، وَيلْزم من ذَلِك أَنَّهَا أقوى أَدِلَّة الشَّرْع، لِأَن الْأَقْوَى من الْأَقْوَى أقوى٥.
_________________
(١) كلمة فارسية. قَالَ ابْن مَنْظُور: "هُوَ الَّذِي لَا يُؤمن بِالآخِرَة ووحدانية الْخَالِق"، وَقَالَ ابْن نديم: "هُوَ الَّذِي يُؤمن بِوُجُود إِلَهَيْنِ، إِلَه النُّور وإله الظلمَة" وَفِي المعجم الفلسفي ص ٢٧٨: "هُوَ الَّذِي ينْطق بعقائد أُخْرَى بِالْإِضَافَة إِلَى الْإِسْلَام".
(٢) الْمُسْتَصْفى ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٣) الْمصلحَة فِي التشريع الإسلامي وَنجم الدّين الطوفي. نقلا من أصُول التشريع الإسلامي ص ١٨٠.
(٤) الِاعْتِصَام ٢ / ٣١٩.
(٥) انْظُر الْمصلحَة فِي الشَّرِيعَة الإسلامية للدكتور مصطفى زيد ص ١٧ نقلا من ضوابط الْمصلحَة ص ٢٠٦.
[ ٢٤٢ ]
وَقَالَ: "إِن النُّصُوص مُخْتَلفَة متعارضة فَهِيَ سَبَب الْخلاف فِي الْأَحْكَام المذموم شرعا ورعاية الْمصَالح أَمر حَقِيقِيّ فِي نَفسه لَا يخْتَلف فِيهِ، فَهُوَ سَبَب الِاتِّفَاق الْمَطْلُوب شرعا فَكَانَ اتِّبَاعه أولى"١.
والحقيقة أَن الطوفي وَقع فِي تنَاقض عَجِيب، فَهُوَ عِنْدَمَا عرض فِي كِتَابه (شرح الْأَرْبَعين حَدِيثا) أَدِلَّة الشَّرْع وَجعلهَا تِسْعَة عشر دَلِيلا، ثمَّ قَالَ: "وَهَذِه الْأَدِلَّة التِّسْعَة عشر أقواها النَّص وَالْإِجْمَاع " ثمَّ عَاد - كَمَا تقدم - فَقَالَ: "إِن رِعَايَة الْمصلحَة مُقَدّمَة على الْإِجْمَاع" إِذا فَهِيَ أقوى أَدِلَّة الشَّرْع كلهَا، أفيكون تنَاقض أبلغ من هَذَا وأوضح؟!
ثمَّ إِن الأساس الَّذِي بنى عَلَيْهِ زَعمه هَذَا أساس محَال غير مُتَصَوّر الْوُقُوع أَلا وَهُوَ فرض كَون الْمصلحَة مُخَالفَة للنَّص وَالْإِجْمَاع، ومحال أَن تَجِد آيَة أَو حَدِيثا صَحِيحا يدعوان إِلَى مَا يُخَالف الْمصلحَة الْحَقِيقِيَّة.
٤ - أَن لَا تعَارض الْقيَاس الصَّحِيح، لِأَن الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ مُرَاعَاة مصلحَة فِي فرع بِنَاء على مساواته الأَصْل فِي عِلّة حكمه الْمَنْصُوص عَلَيْهِ، فبينهما من النِّسْبَة إِذا الْعُمُوم وَالْخُصُوص الْمُطلق، إِذْ الْقيَاس فِيهِ مُرَاعَاة لمُطلق الْمصلحَة، وَفِيه زِيَادَة على ذَلِك الْعلَّة الَّتِي اعتبرها الشَّارِع، ومراعاة مُطلق الْمصلحَة أَعم من أَن تُوجد فِيهَا هَذِه الزِّيَادَة، أَو لَا، فَكل قِيَاس مُرَاعَاة للْمصْلحَة، وَلَيْسَ كل مُرَاعَاة للْمصْلحَة قِيَاسا.
فَإِذا وجد أَن مصلحَة عارضتْ قِيَاسا صَحِيحا، فإمَّا أَن تكون مصلحَة موهومة فَهَذِهِ لَا عِبْرَة بهَا كَمَا فِي شرب البيرة، فقد يرى بعض النَّاس فِيهِ وَصفا مناسبًا لحلّه من لَذَّة أَو فَائِدَة متخيلة عِنْد الطَّعَام مثلا، وَلَكِن فِيهِ وَصفا آخر هُوَ
_________________
(١) الْمرجع السَّابِق.
[ ٢٤٣ ]
جنس الْإِسْكَار الَّذِي هُوَ عِلّة فِي حُرْمَة الْخمر، وَمُقْتَضى ذَلِك: الْقيَاس عَلَيْهِ فِي الْحُرْمَة، فقد عَارض مَا خُيل كَونه مصلحَة (مُرْسلَة) الْقيَاس الصَّحِيح الَّذِي هُوَ أَعلَى رُتْبَة مِنْهُ فَلَا عِبْرَة بِهَذِهِ الْمصلحَة١.
وَأما إِن كَانَت الْمصلحَة مُعْتَبرَة فَلَا يكون التَّعَارُض بَينهمَا - إِن وجد – إِلَّا جزئيًا كَالَّذي يكون بَين الْعَام وَالْخَاص وَالْمُطلق والمقيد، فالتعارض فِي الْحَقِيقَة بَين دَلِيلين شرعيين، وَأمر التَّرْجِيح والتأويل فِي هَذِه الْحَال عَائِد إِلَى الِاجْتِهَاد الأصولي الثبت فِي علمه وفهمه، وَعَلِيهِ أَن يجمع بَينهمَا وَيقدم الرَّاجِح مِنْهُمَا لِأَن الشَّرْع يقْصد إِلَى الْأَرْجَح من المصلحتين عِنْد التَّعَارُض - كَمَا تقدم.
٥ - عدم تفويتها مصلحَة أهم مِنْهَا أَو مُسَاوِيَة لَهَا.
وَذَلِكَ لِأَن الشَّرِيعَة قَائِمَة على أساس مُرَاعَاة مصَالح الْعباد، وَالْمَقْصُود بمراعاتها لمصالحهم أَنَّهَا تقضي بِتَقْدِيم الأهم مِنْهَا على مَا هُوَ دونه، وبالتزام الْمفْسدَة الدُّنْيَا لاتقاء الْكُبْرَى حينما تتلاقى الْمصَالح والمفاسد فِي منَاط وَاحِد، أَو يسْتَلْزم إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لسَبَب مَا.
فَإِذا تَعَارَضَت مصلحتان فِي منَاط وَاحِد بِحَيْثُ كَانَ لَا بُد لنيل إِحْدَاهمَا من تَفْوِيت الْأُخْرَى نظر إِلَى قيمتهَا من حَيْثُ الذَّات - وَقد وجدنَا أَن كليات الْمصَالح الْمُعْتَبرَة شرعا مندرجة حسب الأهمية فِي خمس مَرَاتِب وَهِي حفظ الدّين وَالنَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال - فَمَا بِهِ يكون حفظ الدّين مقدم على مَا يكون بِهِ حفظ النَّفس عِنْد تعارضهما، وَمَا بِهِ يكون حفظ النَّفس مقدم على مَا يكون بِهِ حفظ الْعقل وَهَكَذَا
ثمَّ إِن رِعَايَة كل من هَذِه الكليات الْخمس يكون بوسائل متدرجة حسب الأهمية فِي ثَلَاث مَرَاتِب، وَهِي: الضروريات فالحاجيات فالتحسينات
_________________
(١) انْظُر ضوابط الْمصلحَة ص ٢١٧ و٢٣٢.
[ ٢٤٤ ]
فالضروري مقدم على الحاجي عِنْد تعارضهما، والحاجي مقدم على التحسيني عِنْد التَّعَارُض.
أما إِذا كَانَت المصلحتان المتعارضتان فِي رُتْبَة وَاحِدَة كَمَا لَو كَانَ كِلَاهُمَا من الضروريات أَو الحاجيات أَو التحسينات فَينْظر، فَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا مُتَعَلقا بكلى على حِدة جعل التَّفَاوُت بَينهَا حسب تفَاوت متعلقاتها فَيقدم الضَّرُورِيّ الْمُتَعَلّق بِحِفْظ الدّين على الضَّرُورِيّ الْمُتَعَلّق بِحِفْظ النَّفس وَهَكَذَا
أما إِذا كَانَت المصلحتان المتعارضتان متعلقتين بكلى وَاحِد كَالدّين أَو النَّفس أَو الْعقل فَينْظر إِلَيْهِمَا من حَيْثُ شمولهما للنَّاس فَيقدم أَعم المصلحتين شمولًا على أضيقهما فِي ذَلِك. فَيقدم مثلا الانشغال بتعليم شَرْعِي على الانشغال بِمَا وَرَاء الْفُرُوض من نوافل الْعِبَادَات، لِأَن الأول أشمل فَائِدَة من الثَّانِي١. وَمن هَذَا الْبَاب قَول الْأُصُولِيِّينَ:
أ - دفع الْمفْسدَة أولى من جلب الْمصلحَة، مِثَاله: مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُول الله ﷺ يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّام مَخَافَة السَّآمَة علينا" وَترْجم لَهُ البُخَارِيّ بقوله: "بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يتخولهم بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعلم كي لَا ينفروا"٢ فَترك مصلحَة كَثْرَة الْوَعْظ والتعليم لدفع مفْسدَة النفور والفتور والسآمة.
ب - وَيَقُولُونَ: تتحمل أدنى المفسدتين لدفع أعظمهما، كَمَا فِي قَول الله ﷾: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ ٣ أَي أَن مفْسدَة صد الْمُشْركين عَن سَبِيل الله، وكفرهم بِهِ وصدهم الْمُؤمنِينَ عَن
_________________
(١) انْظُر الْمرجع السَّابِق ص ٢٤٨ - ٢٥٣.
(٢) صَحِيح البُخَارِيّ ١/١٩٥ (مَعَ الْفَتْح) .
(٣) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ٢١٧.
[ ٢٤٥ ]
الْمَسْجِد الْحَرَام، وإخراجهم مِنْهُ، أكبر من مفْسدَة قِتَالهمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام، فتحتمل أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما. فَلَا بَأْس بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْر الْحَرَام فِي تِلْكَ الظروف.
ج - وَيَقُولُونَ: إِذا تَعَارَضَت الْمصلحَة مَعَ الْمفْسدَة روعي الْأَغْلَب مِنْهُمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ ١ فشارب الْخمر يتَعَدَّى على الآخرين بِالضَّرْبِ والشتم وَيَأْتِي بالعظائم والكبائر وَيتْرك الْعِبَادَة وَهَذِه مفاسد عَظِيمَة لَا تقاومها الْمصَالح المزعومة، فَعِنْدَ تعارضهما يُراعى الْأَغْلَب مِنْهُمَا، والمفسدة هُنَا أغلب فغلب جَانبهَا.
د - وَيَقُولُونَ: قد يُفعل الْمَفْضُول وَيتْرك الْفَاضِل للْمصْلحَة. كَمَا ذكر الشَّيْخ الإِمَام ابْن تَيْمِية - ﵀ - وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد وَغَيره أَن يدع الإِمَام مَا هُوَ عِنْده أفضل إِذا كَانَ فِيهِ تأليف الْمُؤمنِينَ، مثل أَن يكون عِنْده فصل الْوتر أفضل بِأَن يسلم فِي الشفع ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَة الْوتر وَهُوَ يؤم قوما لَا يرَوْنَ إِلَّا وصل الْوتر، فَإِذا لم يُمكنهُ أَن يتَقَدَّم إِلَى الْأَفْضَل كَانَت الْمصلحَة الْحَاصِلَة بموافقته لَهُم بوصل الْوتر أرجح من مصلحَة فَصله مَعَ كراهتهم للصَّلَاة خَلفه ٢.
وَقَالَ ﵀ بعد ذكر مَسْأَلَة الْبَسْمَلَة - إِن الإِمَام قد يجْهر بهَا اسْتِحْبَابا قصدا إِلَى تأليف الْقُلُوب بترك الْمُسْتَحبّ إِذا كَانَ من وَرَاءه لَا يرَوْنَ الْإِسْرَار قَالَ: "وَيسْتَحب للرجل أَن يقْصد إِلَى تاليف الْقُلُوب بترك مثل هَذِه المستحبات لِأَن مصلحَة التَّأْلِيف فِي الدّين أعظم من مصلحَة فعل مثل هَذَا"٣.
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ٢١٩.
(٢) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٤/١٩٥ - ١٩٦.
(٣) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٢/٤٠٥ وَمَا بعْدهَا.
[ ٢٤٦ ]
هـ - وَيَقُولُونَ: يجوز ترك وَاجِب لفعل الأوجب أَو السُّكُوت على مفْسدَة لدفع الأفسد عِنْد تعذر تَحْصِيل جَمِيع الْوَاجِبَات أَو دفع جَمِيع الْمَفَاسِد.
من ذَلِك قَول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: "فَإِذا ازْدحم واجبان لَا يُمكن جَمعهمَا فَقدم أوكدهما، لم يكن الآخر فِي هَذَا الْحَال وَاجِبا وَلم يكن تَاركه لأجل فعل الأوكد تَارِك وَاجِب فِي الْحَقِيقَة، وَكَذَلِكَ إِذا اجْتمع محرمان لَا يُمكن ترك أعظمهما إِلَّا بِفعل أدناهما، لم يكن فعل الْأَدْنَى فِي هَذِه الْحَال محرما على الْحَقِيقَة وَإِن سمى ذَلِك ترك وَاجِب، وَسمي هَذَا فعل محرم بِاعْتِبَار الْإِطْلَاق لم يضر وَيُقَال فِي مثل هَذَا ترك الْوَاجِب لعذر وَفعل الْمحرم للْمصْلحَة الراجحة أَو الضَّرُورَة أَو لدفع مَا هُوَ أحرم"١.
وَمن هَذَا الْبَاب مَا قَالَه سُلْطَان الْعلمَاء وبائع الْأُمَرَاء الْعِزّ بن عبد السَّلَام: - رَحمَه الله٢: "إِذا تفاوتت رتب الفسوق فِي حق الْأَئِمَّة قدمنَا أقلهم فسوقًا مثل إِن كَانَ فسق أحد الْأَئِمَّة بقتل النُّفُوس وَفسق الآخر بانتهاك حُرْمَة الأبضاع وَفسق الآخر بالتعرض للأموال قدمنَا المتعرض للأموال على المتعرض للدماء والأبضاع فَإِن قيل: أَيجوزُ الْقِتَال مَعَ أَحدهمَا لإِقَامَة ولَايَته وإدامة تصرفه مَعَ إعانته على مَعْصِيَته؟ قُلْنَا: نعم، دفعا لما بَين مفسدتي الفسوقين من التَّفَاوُت ودرءًا للأفسد فالأفسد "وَيطول سرد الْأَمْثِلَة إِذا تتبعناها٣ وَلَكِن نكتفي فِي نِهَايَة هَذِه الْأَمْثِلَة بالتذكير بالقاعدة الْعَامَّة فِي ذَلِك كَمَا قَالَ الإِمَام ابْن تَيْمِية – ﵀: "وجماع ذَلِك دَاخل فِي الْقَاعِدَة الْعَامَّة فِيمَا إِذا تَعَارَضَت الْمصَالح والمفاسد والحسنات والسيئات أَو تزاحمت فَإِنَّهُ يجب تَرْجِيح
_________________
(١) الْمرجع السَّابِق ٢٠/٥٧.
(٢) قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/٨٦ وَمَا بعْدهَا.
(٣) انْظُر هَذِه الْأَمْثِلَة وَغَيرهَا فِي علام الموقعين ٣/١٤٩ وَمَا بعْدهَا.
[ ٢٤٧ ]
الرَّاجِح مِنْهَا، فِيمَا إِذا ازدحمت الْمصَالح والمفاسد، وتعارضت الْمصَالح والمفاسد، فَإِن الْأَمر وَالنَّهْي وَإِن كَانَ متضمنا لتَحْصِيل مصلحَة وَدفع مفْسدَة فَينْظر فِي الْمعَارض لَهُ، فَإِن كَانَ الَّذِي يفوت من الْمصَالح أَو يحصل من الْمَفَاسِد أَكثر، لم يكن مَأْمُورا بِهِ، بل يكون محرما إِذا كَانَت مفسدته أَكثر من مصْلحَته"١.
وَبعد، فَهَذِهِ الْأُمُور أَو الشُّرُوط الْخَمْسَة يجب أَن تنضبط بهَا الْمصلحَة حَتَّى تكون مصلحَة شَرْعِيَّة مُعْتَبرَة يسوغ الْعَمَل بهَا، وَإِلَّا كَانَت ملغاة غير مُعْتَبرَة لِأَن الشَّارِع لم يَعْتَبِرهَا بل نَص على إلغائها لكَونهَا مُخَالفَة لنَصّ كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس صَحِيح.
وَمن أَمْثِلَة هَذَا النَّوْع:
- مَا قد يرَاهُ بعض خبراء الاقتصاد وَالتِّجَارَة من أَن الرِّبَا لابد مِنْهُ لتنشيط الْحَرَكَة التجارية والنهوض بهَا فَهُوَ مُخَالف لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢.
- مَا يَقُوله بعض المهتمين بِعلم النَّفس والتربية من أَن الْجمع بَين الجنسين فِي مرافق الْمُجْتَمع من مدارس ومكاتب وَنَحْوهمَا يهذب من الْخلق ويخفف من شَره الْميل الجنسي، فَهَذَا متصادم مَعَ الْقُرْآن وَالسّنة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ٣ وَقَالَ ﷺ: "مَا خلا رجل بِامْرَأَة إِلَّا كَانَ الشَّيْطَان ثالثهما" ٤.
_________________
(١) وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ص ٤٠ - ٤١ نقلا عَن الْأَدِلَّة على اعْتِبَار الْمصَالح ص ٣٨.
(٢) سُورَة الْبَقَرَة آيَة:٢٧٥.
(٣) سُورَة النُّور آيَة:٣٠، ٣١.
(٤) رَوَاهُ أَحْمد ١ / ١٨، ٢٦ وَالتِّرْمِذِيّ ٢ / ٣٩١.
[ ٢٤٨ ]
- الدعْوَة إِلَى التَّسْوِيَة بَين الذّكر وَالْأُنْثَى فِي الْمَوَارِيث، بل إِلَى تَفْضِيل الْمَرْأَة على الرجل لِأَنَّهَا أَضْعَف وأحوج من الرجل، فَهَذَا الْمَعْنى ملغى بقوله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ١.
- الدعْوَة إِلَى جعل الطَّلَاق بيد الْمَرْأَة اسْتِقْلَالا أَو اشتراكًا على الْأَقَل لِأَن النِّكَاح حصل بِاتِّفَاق الزَّوْجَيْنِ، فَهَذَا الْمَعْنى ملغى بِحَدِيث النَّبِي ﷺ: "إِنَّمَا الطَّلَاق لمن أَخذ بالساق"٢.
- الزَّعْم بِأَن الْمصلحَة تَقْتَضِي التَّحَلُّل من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لمواكبة الحضارة العصرية والانفتاح عَلَيْهَا من غير التقيد بالقيود الشَّرْعِيَّة. فَهَذَا وَأَمْثَاله من قبيل الْمصَالح الملغاة الَّتِي رفضها الشَّارِع وَلم يعوّل عَلَيْهَا أَلْبَتَّة بِسَبَب أَنَّهَا مرجوحة من حَيْثُ الصّلاح، ومغلوبة من حَيْثُ النَّفْع، وبالنسبة لما ستؤول إِلَيْهِ من مفاسد عظمى ومهالك مُحَققَة، فَهِيَ - وَإِن تَضَمَّنت فِي بعض الأحيان فِي الظَّاهِر - بعض الصّلاح النَّادِر وَقلة من النَّفْع العابر وَلكنهَا لَا تقوى على مزاحمة الْمصَالح الْمُعْتَبرَة وَالْمَنَافِع الْغَالِبَة والمقاصد المقررة، فالتشبث بهَا اتِّبَاع للشهوات وتصيّد للشبهات وتحيّل لتحليل الْمُحرمَات، بل تحلّل من أَحْكَام الشَّرِيعَة، والتعلق بِمثل هَذِه الشَّهَوَات الْفَاسِدَة والشبهات الكاسدة بِدَعْوَى الْمصلحَة المزعومة ومواكبة التطور والحضارة المنهارة قرمطة وسفسطة، ومسايرة للهوى ومجانبة للهُدى، لِأَن هَذِه الْمصلحَة المزعومة فِي الْحَقِيقَة شَهْوَة نفسانية أَو شُبْهَة شيطانية، لَا مصلحَة إنسانية وَلَا حِكْمَة ربانية وَلَا مَقَاصِد شَرْعِيَّة ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ٣.
_________________
(١) سُورَة النِّسَاء آيَة: ١١.
(٢) رَوَاهُ ابْن ماجة فِي الطَّلَاق (٢٠٨١) وَفِي سَنَده ابْن لَهِيعَة وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات وَقد قوي باعتضاده بِالْقُرْآنِ وبالعمل.
(٣) سُورَة النِّسَاء آيَة: ٢٧.
[ ٢٤٩ ]
إِن ميزَان الْمصَالح فِي التشريع الإسلامي ميزَان دَقِيق ومضبوط. وَهُوَ علم جليل لَهُ شُرُوطه وآدابه وأصوله وضوابطه، وَيخْتَص بِهِ أَهله وأربابه من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين الربانيين، وَهُوَ لَيْسَ متروكًا للهوى والتشهي ومفوضًا لكل من هَب ودب من أدعياء الْمصلحَة بِلَا قيد وَلَا ضَابِط١ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢.
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم.
_________________
(١) انْظُر الْمصلحَة الملغاة فِي التشريع الإسلامي للدكتور نور الدّين الخادمي. مجلة الدعْوَة، الْعدَد ١٦٥٩. ٢٦ جُمَادَى الأولى ١٤١٩؟.
(٢) سُورَة آل عمرَان آيَة: ٧.
[ ٢٥٠ ]