وَإِذا تقرر هَذَا فَإِن الْمصلحَة أَو الْحِكْمَة قد تكون مَنْصُوصا عَلَيْهَا فِي كَلَام الشَّارِع وَقد لَا تكون مَنْصُوصا عَلَيْهَا فيهتدي إِلَيْهَا الْعَالم بِنور الله: بالفهم الَّذِي يؤتاه الرجل فِي الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ المعنيّ بالحكمة فِي قَوْله ﷾: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء﴾ ٢ يَعْنِي: - وَالله أعلم - الْإِصَابَة فِي الْفَهم والسداد فِي القَوْل وَالْعَمَل وحسبك بهما نعْمَة.
فَمن أَمْثِلَة الْقسم الأول:
- شرعت الصَّلَاة لذكر الله تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣.
- شرع الْجِهَاد لإعلاء كلمة الله وَإِزَالَة الْفِتْنَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٤.
- شرع الْقصاص زاجرًا عَن الْقَتْل كَمَا قَالَ جلّ وَعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ٢٦٩.
(٢) سُورَة طه آيَة:١٤.
(٣) سُورَة الْأَنْفَال آيَة: ٣٩.
(٤) سُورَة الْبَقَرَة آيَة: ١٧٩.
[ ٢١٨ ]
- حرمت الْخمر لِأَنَّهَا تصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١.
- حرم الزِّنَا لِأَنَّهُ فَاحِشَة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢.
نهى عَن الْجمع بَين الْمَرْأَة ومحارمها منعا من القطيعة كَمَا قَالَ ﷺ: "إِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك قطعْتُمْ أَرْحَامكُم" ٣ وأمثلة هَذَا الْقسم كَثِيرَة مَعْلُومَة فِي الْقُرْآن وَالسّنة كَمَا تقدم من كَلَام ابْن الْقيم.
وَمن أَمْثِلَة الْقسم الثَّانِي:
- شرع البيع لمصْلحَة الِانْتِفَاع بالمعقود عَلَيْهِ.
- شرعت الْإِجَارَة لسد حَاجَة النَّاس إِذْ لَو لم يشرع لدخل على النَّاس حرج شَدِيد.
- رخص فِي بيع (الْعَرَايَا) دفعا للْحَاجة وَرَحْمَة بِالْمُسْلِمين مَعَ أَن فِيهِ معنى الرِّبَا لِأَن الرطب إِذا جف نقص وَزنه.
_________________
(١) سُورَة الْمَائِدَة آيَة: ٩٠، ٩١.
(٢) سُورَة الْإِسْرَاء آيَة: ٣٢.
(٣) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير ١١/٣٣٧، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي الدِّرَايَة ٢/٥٦: صَححهُ ابْن حبَان ا؟، وَهُوَ فِي صَحِيح ابْن حبَان ٩/٤٢٦ لكنه أعله بِأبي حريز عبد الله بن الْحُسَيْن قَاضِي سجستان فَقَالَ: ضَعِيف واهي.
[ ٢١٩ ]
- شرعت الشُّفْعَة لدفع ضَرَر الشّركَة عَن الشَّرِيك، فَإِذا أَرَادَ بيع نصِيبه كَانَ شَرِيكه أَحَق من الْأَجْنَبِيّ، وَهُوَ يصل إِلَى غَرَضه من الْعِوَض من أَيهمَا كَانَ فَكَانَ الشَّرِيك أَحَق بِدفع الْعِوَض من الْأَجْنَبِيّ وَيَزُول عَنهُ ضَرَر الشّركَة، وَلَا يتَضَرَّر البَائِع لِأَنَّهُ يصل إِلَى حَقه من الثّمن.
- شرعت الْعُقُوبَات فِي الْجِنَايَات لحكمة الردع والزجر، ليرتدع النَّاس عَن الظُّلم وَالْبَغي والعدوان ويقتنع كل إِنْسَان بِمَا آتَاهُ الله مَالِكه وخالقه.
- أعْطى لكل من الزَّوْجَيْنِ حق خِيَار فسخ النِّكَاح إِذا وجد فِي الآخر عَيْبا يَسْتَحِيل مَعَه تَحْقِيق الْمَقْصُود من النِّكَاح كالعُنة والجبّ والخصاء فِي الزَّوْج والرتق والقرن فِي الزَّوْجَة، أَو الْجُنُون والجذام والبرص وَنَحْوهمَا - عَافَانَا الله وَالْمُسْلِمين مِنْهَا - فِي أَحدهمَا كَمَا هُوَ مَذْهَب الجماهير غير الظَّاهِرِيَّة مَعَ خلاف فِي بعض الْعُيُوب - وَالْحكمَة من ذَلِك: أَن مَقْصُود النِّكَاح لَا يتَحَقَّق مَعَ وجود هَذِه الْعُيُوب وَمن ثمَّ لَا يُوجد (السكن) بَين الزَّوْجَيْنِ بِمَا تشمله كلمة السكن من مَعَاني الشُّعُور بالأمن والراحة والمتعة، وتبادل الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة، فَإِذا اسْتَحَالَ تَحْقِيق هَذِه الْغَايَة كَانَ هَذَا مسوغا كَافِيا لحل عقدَة النِّكَاح. قَالَ ابْن الْقيم: " وَالْقِيَاس أَن كل عيب ينفر الزَّوْج الآخر مِنْهُ وَلَا يحصل بِهِ مَقْصُود النِّكَاح من الرَّحْمَة والمودة يُوجب الْخِيَار وَمن تدبر مَقَاصِد الشَّرْع فِي مصادره وموارده وعدله وحكمته، وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْمصَالح لم يَخْفَ عَلَيْهِ رُجْحَان هَذَا القَوْل وقربه من قَوَاعِد الشَّرِيعَة"١.
وأمثلة هَذَا الْقسم كَثِيرَة لَا حصر لَهَا، لَا سِيمَا فِي بَاب الْمُعَامَلَات.
_________________
(١) زَاد الْمعَاد فِي هدى خير الْعباد ٥ / ١٨٣.
[ ٢٢٠ ]
ونظرًا لِأَن الْمصلحَة وَالْحكمَة فِي هَذَا الْقسم إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالاستنباط وَالنَّظَر فَلَا بُد - إِذا - من مُرَاعَاة قَوَاعِد التَّعْلِيل وضوابطه ومسالكه وحدوده حَتَّى لَا يكون مُعَللا بذوقه وتخمينه وهواه، كَمَا أَنه لَا يحسن الْمُبَالغَة فِي التنقير عَن الحكم والمصالح - وَلَا سِيمَا فِي الْأَحْكَام التعبدية - أدبا مَعَ الله وخشية الْوُقُوع فِي التَّكَلُّف والتمحل وَالْقَوْل بِغَيْر علم وَحَتَّى لَا يتَكَلَّف التَّعْلِيل بِمُجَرَّد الذَّوْق والوجدان من غير دَلِيل وبرهان.
إِن عدم إِدْرَاك الْعقل الإنساني الْقَاصِر حِكم بعض الْأَحْكَام لَا يَعْنِي - قطعا - أَنَّهَا عِروٌ وخِلْو من الْحِكْمَة والمصلحة، لِأَن عدم الْعلم لَيْسَ علما بِالْعدمِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي قُصُور الْعقل الإنساني وعجزه، فرحم الله امْرأ وقف عِنْد حَده وَلم يَتَعَدَّ طوره، وَللَّه در أبي الْعَلَاء المعري مَا أصدق قَوْله:
وروم الْفَتى مَا قد طوى الله علمه يعد جنونا، أَو شَبيه جُنُون
[ ٢٢١ ]