ثارَ النَّاسُ على بيبرس الجاشنكير، مُطالِبينَ بالنَّاصر قلاوونَ، فكانَ لَهُم ما أرادُوا، وعادَ النَّاصرُ إلى سَلْطَنَتِه لِلْمَرَّة الثَّالِثة، ثمَّ قُبِضَ على بيبرس، فَحُمِل مُقيدًا إلى المَلِكِ النَّاصِرِ، فَسَجَنَهُ حَتَّى مات.
وقد اتَّسَمَتْ هذهِ الفَتْرَةُ الثَّالِثَةُ بِتَعلُّق النَّاس بِقَلاوُون، وتَمَسُّكِهِم به بسبب ما عانَوْه من كثرة الاضْطِرَاباتِ، على أن الملكَ النَّاصر أحْكَم قبضَتَه على زمامِ الأُمُور، وأزالَ الظُّلْم الواقِع، وبَلَغَتِ السلْطنةُ المملوكيَّة أوْجَ قوّتها في عَهْدِهِ، فكانَتْ دِرْع العالَمِ الإسْلاميِّ آنذاك.
ولم يَزلِ الملكُ النَّاصر قائِمًا على سرير مُلْكِه إلى أنْ وافته منيَّته، وذلِك سنة إحْدى وأربعين وسبعمائة، وكانَتْ مدَّته الأولى والثَّانية نَحْوًا من ثلاثٍ وأربعين سنة (^٢).
وبِمَوْت النَّاصِر قلاوُونَ دخَلَتِ الدَّولةُ المملوكيَّة مرحلةً جديدةً على النقيض مما سبق، إذْ إن المدَّة السابقة - ٦٤٨ - ٧٤١ هـ - هي الفترة الذهبية لدولة المماليك، وَأَمَّا فترة أولادِ النَّاصر قلاوُونَ وأحفاده وهي ما بين سنة ٧٤١ - ٧٨٤ هـ فقد كانَتْ مضطرمة بالصراعِ على السُّلْطة، ولذلك فقد تولَّى بعد النَّاصرِ سبعةُ سلاطينَ مِنْ أبنائه، يتولَّى هذا ويُعْزَل هذا، وهكَذَا دَوَالَيْكَ.
ولقد رُزِيءَ العالمُ الإسلاميُّ - على كثرة اضطراباته وأحداثه الجسَام - بحدثٍ جللٍ، زاد من همومه وأشجانه، ألا وهو "الحملة الصليبيَّة الكبْرَى" على مدينة "الإسكندرية"، وذلك سنة ٧٦٧ هـ - ١٣٦٥ م، حيث قام بها ملكُ قُبْرس بُطْرُس الأوَّلُ لوزجنان بَعْد أن مهَّد لحملته تِلْك برحلة واسعةٍ يستنهِضُ فيها عزائم الأوروبيين، ويشحنهم ضد الإسلام
_________________
(١) تنظر تفاصيل هذه الفتنة في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠ - ٤٢١، والنجوم الزاهرة ٨/ ١٧٦ وما بعدها، ود. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص ١١٧، وما بعدها.
(٢) نزهة الأساطين ص ٨٧.
[ ١ / ٣٥ ]
والمسلمين، وقد نَجَحَتْ دعوتُه في اسْتِقْطاب كثيرٍ من المُساعدات والإمْدادات البَشرية والحَرْبيَّة والمادِّيَّة، ثمَّ اجتمع كلُّ هذا الحَشْد في جزيرة "رُودِسَ" (^١) تمهيدًا لاختيار أصْلَحَ نقْطَة يُمْكِنُهم من خلالها تَوْجِيهُ ضَرْبةٍ قاصمةٍ لبلادِ الإسْلام، ووقع اخْتيارُهُمْ على ثغر الإسكندرية، ولمَّا كانَت دَوْلَةُ المماليكِ تعانِي خَللًا واضِحًا، فقد لاءَمَتْ هذهِ الظُّروفُ هوى الصليبيِّين، فَتَمكَنوا من إنْزال قوَّاتهم على شاطئ الإسكندرية، فاحتلُّوها في يوم الجمعة العاشِر من أكتوبر من السَّنة ذاتها، وانسابَتْ قوَّاتُهم في شوارع المدينة يُحرِّقون المَساجدَ ويُخَرِّبُون الخاناتِ، ويُدمِّرُون المنازلَ، ويعتدُون على كل من صادفهم من النِّساءِ والأطْفالِ والشُيوخ، ويَنْهَبُون كل ما وصَلَت إليهِ أيْديهِمْ مِن بَضائِعَ وأمْوَالٍ (^٢).
وهكذا قَضَى الصَّلِيبيُّون في الإسْكَنْدرية نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أيَّامٍ كانَتْ من أسْود الأيَّام في تاريخِ الثَّغْر، ولم يُغادِروها إلى سُفُنِهم إلَّا بَعْد أن أحَسُّوا بِقُرْب جيوشِ المَماليك الَّتي أسْرَعَتْ من القاهِرَة لإنْقَاذ الإسْكندرية، ويقالُ: إن السُّفُن الصَّليبيَّة حَمَلَت مَعَها عِنْدَ رَحِيلها خَمْسَة آلافِ أسِيرٍ "منهم المُسْلِم والمُسْلِمَةُ واليَهوديُّ واليهوديَّةُ والنصرانيُّ والنصرانيَّةُ … " (^٣).
وبَعْد، فَمِن خِلالِ هذِه الجَوْلَة تَبيَّن لنا أن الحالة السِّياسِية لِهذهِ الفَتْرة كانَتْ غَيْر مُسْتَقِرَّة، ولَمْ يَكُن الأمْرُ في الشَّام - التبعية - أحْسَنَ حالًا مِمَّا كانَتْ تمرّ بِهِ مِصْر، فَكان لَهُ نَصِيبٌ مِن تِلْكَ الفَوْضى الَّتي عَمَّت بِلادَ الإسْلام.
ونَكْتَفِي بِهذا القَدْر مِنْ بَيان حالَةِ العَصْر السِّياسيَّة، والَّتِي صوَّرت الأحداث الَّتي أثَّرت في التَّاج السُّبْكيِّ، وتقلَّب فيها.
_________________
(١) قال القاضي عياض: هو بضم أوله، وغيره يقول بفتحها، والدال مكسورة باتفاق، وكلهم قالوا بسين مهملة، وفي كتاب أبي داود من طريق الرَّمْليِّ: بالشين المعجمة، وهي جزيرة ببلاد الروم، تقابل الإسكندرية. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٦٤٠.
(٢) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ١٣٨.
(٣) المصدر السابق نقلًا عن المقريزي: السلوك.
[ ١ / ٣٦ ]