وهنا قد تثار مسألة هامَّة جدًّا، وهي كيف ساغ لمملوك أن يرتقي منبر الحكم، مع أنه شرط في الخليفة أن يكون حرًّا؟
ونقول: نعم قد اشترط الأئمَّة فيمن يقوم بأمر الخلافة الحرية؛ لأن الرق نقص ومهانة فالعبد مستحقر في أعين الناس لا يهاب ولا يخشى، فلا يمتثل أمره، ولا يطاع قولُه، مشغولٌ بخدمة سيده وقضاء حوائجه لا يفرغ لهذا الأمر.
ولكن:
نحن إذا تقصينا النصوص الشرعية، وإجماع الأمَّة علمنا أن الشَّريعة الإسلاميَّة اعتبرت الخلافةَ على شكلين متضادين:
أحدهما: أصلي ومطلوب.
والثاني: اضطراري.
_________________
(١) "إغاثة الأمة" ص ٧٢ - ٧٥.
[ ١ / ٣٨ ]
فالشكل الأصلي المطلوب هو انتخاب الأمة خليفتها بحيث تجتمع آحادها وأهل الحل والعقد والرأي والبصيرة منها، فيتباحثون ويتشاورون ثم ينتخبون الخليفة مراعين فيه شروط الخلافة الشرعية ومقاصدها الأساسية غير ناظرين إلى الوجاهة الذاتية والجنسية النسبية بل يرجحون كفاءته من أي بيت منهم كان؛ إذ الشريعة تعتبر في الانتخاب شورى الأمة لا جنسية الخليفة وعشيرته ونسبه، وقد تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس الجمهوري، فانتخاب الخلفاء الأربعة كان انتخابًا شرعيًا وجمهوريًا، ولم ترع فيه الجنسية والقبيلة والعهد ألبتة، ولو روي فيه شيء من هذا لبقيت الخلافة في بيت الخليفة الأول، ولم تخرج منه إلى آخر الدهر، ولكن لم يكن شيء من ذلك.
وأما الشكل الثاني: وهو ما إذا تغلب متغلب بقوته وعصبيته، فهجم على كرسي الخلافة - وهذا عين ما حدث هنا -، ولم يترك مجالًا للانتخاب، فحينئذ ماذا يجب على الأمة إذا كان المتغلب غير أهل لها، مظالمًا وفاقدًا لشروطها؟
هل يجب عليها أن تخرج عليه وتقاتله؟ أم يجب عليها أن تطيعه وتنقاد له، وتؤدي إليه الزكاة، وتقيم وراءه الجمعة والجماعة؟
ولما كانت هذه المسألة من أهم المسائل الحيوية والأساس الاجتماعي لحياة الأمة لم تكن الشريعة لتغفل عن هذا الشكل من الخلافة، وتترك الأمة فيه بلا هداية ولا بصيرة، ولذا نجدها قد اهتمت بها أشد الاهتمام، وبينتها بيانًا وافيًا بعبارات واضحة، ونصوص صريحة.
فإذا استولى مسلم بقوته وشوكته وعصبيته على الخلافة، وتمكن فيها وقامت حكومته، وقوي أمره - وجب على الأمة أن تطيعه وتسمع له وتخضع لخلافته مثل لو كان أصابها بحق، ولا يجوز لأحد الخروج عليه، ومن يفعل ذلك يقاتله المسلمون، ويعينوا الخليفة عليه مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وكفاية؛ لأنه مفارق للجماعة، وخارج على السلطان".
وهذا الشكل الثاني لتولي الخلافة أو الحكم وهو - "الغلبة" - حدث لدولة المماليك، فقد قفزوا على كرسي الحكم، وذلك على أنقاض دولة بني أيوب بعد ضعفها، وخورها، ومع هذا فقد كان للمماليك مآثر يفخرون بها أمام التاريخ، يكفيهم ذبهم عن بلاد الإسلام، ودجرهم خطر المغول والصليبيين - بغض النظر عن كونهم - المماليك - عبيدًا أو أحرارًا.
نعود إلى الحديث عن وصف طبقات المجتمع المملوكي في ذلك العصر:
[ ١ / ٣٩ ]
ونبدأ بطبقة "أهل الحكم":
كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، فلم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الأصل أو الدم أو الجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الأحيان بروح العطف والتجاوب، لذلك فقد نظروا إلى الرعية على أنهم أقل درجة، وأجدر ألَّا يشاركوا في الحياة العسكرية، أو النيابة الحكومية.
ولما كان السلطان في الأصل مملوكًا، فقد نظر إلى بقية المماليك على أنهم إخوانه، فاهتم بهم، وحرص على تربيتهم تربية خاصة، تقوم على إعدادهم بدنيًا، وفكريًّا، فإذا اشترى السلطان عددًا منهم خصص لهم أماكن يعيشون فيها، ويتردد عليهم فقهاء يعلمونهم الدِّين الإسلامي وعلومه، فإذا شب المملوك عن الطوق، وبلغ سن البلوغ بدأ تعليمه فنون الحرب والفروسية، فإذا ما انتهت مرحلة التعليم خرج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الخدمة السلطانية، ثم هكذا رتبة بعد أخرى حتى يصبح أميرًا أو "سلطانًا مختصرًا" على قول القلقشندي (^١).
ولما كان المماليك ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية، فلم يحدث أن تزوجوا من سكان مصر والشام، واختاروا زوجاتهم وجواريهم من بنات جنسهم اللَّائي جلبن عن طريق التجار، بل حذرت حكومة المماليك من انتقال مملوك من المماليك عن طريق البيع إلى "كاتب أو عامي" أي إلى أحد من غير طبقة المماليك، ومن خالف ذلك التحذير تعرض للأذى والعقوبة (^٢).
ومع كل هذه العزلة، فقد رأينا بعض سلاطين المماليك يستعين ببعض المصريين، فجعل منهم أمراء مقدمين، بدلًا من المماليك، وكان ذلك في فترة حكم السلطان الناصر حسن بن محمد، واعتذر عن ذلك بقوله: "إن هؤلاء مأمونو العاقبة، وهم في طي علمي، وحيث وجهتهم إليه اتجهوا، ومتى أحببت عزلهم أمكنني ذلك بسهولة، وفيهم رفق بالرعية، ومعرفة بالأحكام" (^٣).
_________________
(١) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٢٢، نقلًا عن القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٦٠.
(٢) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٩/ ٩٢.
(٣) المصدر السابق ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠.
[ ١ / ٤٠ ]
ولكن سرعان ما ثار عليه بقية الأمراء المماليك فقتلوه، ولم يسمحوا لأحد بعد ذلك من المصريين بأن يتولى مناصب في الجيش.
وخلاصة الأمر أن المماليك قد وجدوا الرعاية والرفاهية من سلاطينهم، بإغداق الأموال والأرزاق، وتخصيص أشهى الأطعمة، وأفخر الملابس. إلا أن أمراء المماليك لم يقفوا موقف المتفرجين، فكانوا يدسون أنوفهم في أمر السلطنة، حتى تخلوا - في نهاية المطاف - عن كثير من صفاتهم الحربية، وانغمسوا في الفتن والمفاسد، وتمادوا في الاعتداء على الناس.
وبالجملة فقد عاش المماليك - على اختلاف طبقاتهم - عيش الرغد والنعيم، وفي قصور تجمع كل أسباب الترف، يزخرفون سقوفها بالذهب، ويهتمون بنظامها، وحسن إدارتها، على العكس من الطبقات اللاحقة التي عاش معظمها عيش الذل والهوان.
قال تاج الدِّين السبكيّ: "ومن قبائحهم ما يذهبونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرمها اللّه ﷿ وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين، وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلا الله تعالى" (^١).