كانَ لعلماءِ ذلكَ العَصْر هَيْبَةٌ عظيمةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ، عند المماليك، ولِمَ لا، وهم أربابُ العِلْم وحُفَّاظُه، وبِهمْ عَرَفَ المماليكُ دينَ الإسْلام، وفي بَرَكتهم عَاشُوا (^٢)؛ ولذلكَ فقد احترم المماليكُ هذه الطَّبقة مِنَ النَّاس، ومِنْ جهةٍ أخرى، فقد رأينا للعلماء وقَفَاتٍ حاسمة تجاهَ سلاطين المماليكِ، حتَّى وجدنا السلطاد النَّاصرَ محمَّد بْنَ قلاوونَ يقول: "إنِّي لا أخافُ أحدًا إلا شَمْسَ الدِّينِ الحريريَّ قاضِي قضاة الحنفيَّة" (^٣).
عَلَى أنَّ هذِه الطَّبقة - كَانَتْ محبوبةً لدَى عامَّة الشَّعْب، فَكَانُوا يَلْجَئُون إليهم لقَضَاء
_________________
(١) ينظر: التاج السبكي: معيد النعم ومبيد النقم ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) المقريزي: السلوك، نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٣.
(٣) رحلة ابن بطوطة ٢/ ٨٨.
[ ١ / ٤١ ]
حوائجهِمْ لدى الجهات الحاكِمة، بلْ كانَ النَّاس - لإجْلالِهِمْ لَهُم - يقدِّمُونَهم في زحام الأسْواق على أنْفُسِهم في البَيْع والشِّراء.
وقد كَانَتْ هذهِ الطَّبقةُ عَلَى طائِفَتَيْن:
طائِفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تميلُ إلى السَّلاطين والحُكَّام، وتجاهِرُ بالحقِّ ولا تخشى في اللّه لومةَ لائِمٍ، وأخرى ترْكنُ إلى حياةِ الدَّعَةِ والمناصِبِ، والجَرْي وراءَ الثَّرَواتِ والأمْوال الطَّائلة. إلَّا أن هذا التبْجِيل والاحْتِرام لأهْل العِلْم أو "المُعَمَّمِينَ" لم يكن من كلِّ الطْبقات، بل وجدنا أمراءَ من المماليكِ يَحْقِدُون على العُلَماء، ويتعرَّضون لهم بالنَّقْد والتَّهكُّم، حتَّى بَلَغَ بِهمُ الحالُ إلى استصْدار مرْسُومٍ من السلاطين بالمُناداة في طُرُقات القاهِرَة ألا يركب مُتَعمِّمٌ فَرَسًا!!
ثمَّ مَا لَبِثَ الأمْرُ أنِ أنْجَلَى، واستَرَدَّ العُلماءُ مكانَتَهم، وَرَكِبُوا خُيُولهم (^١).