أما أهل الذمة فهم أهل الكتاب ومن في حكمهم - من الأقليات الأجنبية - ممن يعيشون بين ظهراني المسلمين، حيث دخلوا في ذمتهم، وخضعوا لسلطان دولتهم، وقبلوا جريان أحكام الإسلام عليهم، واكتسبوا بذلك التبعية لدار الإسلام، أو ما يشبه الجنسية بلغة عصرنا.
وقد وجد في المجتمع المملوكي كثير من الجنسيات الأخرى مثل: الجركس، والمغول، والصين، والإسبان، والألمان، وغير ذلك من الجنسيات الأخرى.
وكان أهل الذمَّة يعيشون في طبقة خاصَّة مستقلة، وقد قدر عددهم في مدينة القاهرة وحدها - وقتذاك - بعشرين ألفًا، نصفهم من الأقباط، والآخر من اليهود (^٢).
وكانوا على احتفاظ بجميع طقوسهم وطرق حياتهم، إلا أنهم ما كانوا يجدون متنفسًا في ظل دولة المماليك، مما كان يحنقهم، ويجعلهم يقومون بأعمال انتقامية. قال علي مبارك: "وفيها - سنة ثمان وتسعين وستمائة - أمر اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس العمائم الزرق، والسامرية بلبس العمائم الحمر تمييزًا لهم عن المسلمين" (^٣).
ومما دفع أهل الذمة - تحت السلطة المملوكية - إلى القيام بالثورات والفتن، ومناوءة حكم السلاطين - ما لاقاه الصليبيون في الشام من هزائم وطرد عن ديار المسلمين، فكان
_________________
(١) ينظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٨.
(٢) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٧ وما بعدها.
(٣) الخطط التوفيقية ١/ ٩١.
[ ١ / ٤٤ ]
ذلك دافعًا للتعاطف مع أبناء دينهم والقيام بنصرتهم.
على أن المماليك لم يقبلوا هذا التحدي السافر من المسيحيين، فقرروا طردهم من كل الوظائف التي يعملون بها، وطهروا تلك الوظائف منهم، وصدر مرسوم بذلك عام ٧٥٥ هـ. وسرعان ما تخمد هذه الفتن وتندحر، ويعود الأمر إلى ما كان عليه (^١).
وأما الأقليات الأجنبية فقد كانوا جاليات مستقلة حسب جنسياتهم، وكانوا يقيمون في فنادق تغلق مساء كل يوم ووقت صلاة الجمعة، كما ضيق المماليك عليهم في اللباس وركوب الخيل (^٢).