مِمَّا لا شكَّ فِيه عند جميع النَّاس أن الإنْسَانَ خَلَقَهُ الله سُبْحَانَهُ مَدَنيًّا بِطَبْعه، وحبَّب إِلَيْه الأُلْفَة والجماعَةَ، فَلا يُرى أحَدٌ يَنزَوِي عن جماعة النَّاس إلَّا لِعِلَّة شدِيدَة دَفَعَتْهُ إلَى إتيانِ غَيْر مَا جَبَلَ اللهُ عَلَيْه بَنِي آدَم.
بَلَ إنَّهُ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ النَّاسَ طبَقَاتٍ متعددةً، وكلُّها لا تَخْلُو عن صفة التأثير والتأثُّر، فهذه سمةُ الحياةِ: "طبيبٌ، ومريضٌ"، "حطَّاب ونجَّار"، "بَائِعٌ ومشترٍ"، إلخ …
إن كلَّ حيٍّ في الوجود يتأثَّرُ بالجو الذي يستنشقُ مِنْه هواءه، وبالبيئة الَّتى يَنْمُو بين أحْضَانِهَا، فإن البيئة تؤثِّر في النَّفْسِ الإنسانيَّةِ تأثيرًا بالغًا، دونَهُ تأثيرُ أيِّ مؤثِّر آخَر.
وَعَلَيْه، فإنَّ العَصْر الَّذِي يَحْيَى فِيهِ عَالِمٌ من العلماء لا شَكَّ أن لَهُ تأثيرًا فعَّالًا عَلَيْه، إلَّا أن التأثير يختلفُ من شخْصٍ لآخَر.
"وهكَذَا، فَإنَّه لَم يخرجْ عن أحكام البيئاتِ الضالَّة - إلَّا الأنبياءُ والرُّسُل - عليهم الصَّلاة والسلام - وكذلك المصلِحُون والمجدِّدون، الذين ثارُوا على ما توارثه عصْرُهم من عاداتٍ وتقاليد لَيْسَتْ من الحقِّ في شيءٍ (^١).
ثمَّ إنَّ معرفة أخبارِ أهْلِ العِلْمِ، والاطلاع عَلَى أحْوالِ نَشْأتهمْ وظُروفِ بِيئتِهِمْ، اعتبره
_________________
(١) د. محمد يوسف موسى في كتابه: "ابن تيمية" ص ٧.
[ ١ / ٢٧ ]
كثيرٌ من العلماءِ مِنَ الأُمُورِ المُستَحبَّة؛ لما فيه من المعاني المستخْرَجَة من الأحداثِ الَّتي تمرُّ بهم.
قال العلَّامة السخَاويُّ في "الإعْلان بالتَّوْبِيخ": "ويُنْتَفَع به - يَعْنِي التَّاريخ - فِي الاطِّلاع على أخبار العلماءِ والزهَّاد والفُضَلاء والخُلَفاء والمُلُوك والأُمَراء والنُّبَلاء، وسيرهم ومآثِرِهم في حَرْبهم وسِلْمهم، وما أبقى الدَّهْرُ من فضائلهم أو رذائِلِهم، بَعْد أن أبادهم الحَدَثانِ، وأبْلى جديدَهم المَلَوانِ" (^١).
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ: [الطويل]
إِذَا عَلِمَ الإنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى … تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ
وَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ عُمْرِهِ … إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الجَمِيلَ مِنَ الذِّكْرِ
فَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِمًا … حَلِيمًا كَرِيمًا فَاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العُمْرِ
وحيث إنَّنا نتحدَّث عن الإمام تاج الدِّين السُّبْكيِّ، فَلَنْ نفهم تكْوينَه الفكريَّ، ونستجلي مدَاخِلَ شخصيته، ما لم نتعرَّض - بإطْنَابٍ - لدراسة أحوال عصْره الذي نَشَأ فيه.
ودراسَتُنا هذه تُوجِبُ عَلَيْنَا أن نُلْقِي الضَّوْء عَلَى:
١ - الحالة السياسيَّة، وما حوته من أحباب جِسَامٍ.
٢ - الحالةُ الاجتماعيَّة، بمختلف مكوناتها.
٣ - الحالةُ الاقتصاديّة، من شتى مظاهرها.
٤ - الحالةُ الثقافيَّة، بكلِّ جَنَبَاتِهَا الفكريَّة والعلميَّة.
وقبْل الدُّخول في شيءٍ من وصْف الحالات الأَرْبَع، يحْسُن بنا أنْ نحدِّدَ العصر الذي عاش فيه "تاج الدين السبكيُّ"، والمعلومُ أن التاج قد عاشَ منْ سنة ٧٢٧ - ٧٧١ هـ.
ويَعْنِي هذا أن شَيْخَنَا قَدْ وُلدَ وَنَشَأَ ثُمَّ مَاتَ فِي عَصْرِ السَّلاطين المَماليكِ، وإنْ شِئْنَا التحديدَ قلْنا: في عصر المماليكِ البَحْريَّة، والذين امتدَّت مدَّةُ حكمهم من سنةِ ٦٤٨ - ٧٨٤ هـ (^٢).
_________________
(١) ص ٨٥.
(٢) ينظر: خطط المقريزي ٣/ ٩٨، الخطط التوفيقية ١/ ٧٩، ١٠٩ - ١١٠.
[ ١ / ٢٨ ]