ممَّا علم بالضرورة من أصول التربية - أن التلميذ يستمد ثقافته من شيوخه، فالشيوخ بالنسبة إِليه - هم القدوة العملية، والصورة الحية لما يتعلمه، بهم يكون تأثره، وعلى أيديهم تتكون شخصيته، وتصنع معارفه، ومنهم يأخذ أخلاقه، وعليهم تتربى ملكاته، يقول ابن خلدون: "إِن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم، وما ينتحلون به من المذاهب والأخلاق تارة علمًا وتعليمًا وإِلقاءً، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة، إِلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا، وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها" (^٣).
وقد تتلمذ شيخنا تاج الدين السبكي على مشايخ عصره، وجهابذة العلم في زمانه،
_________________
(١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٢) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.
(٣) ابن خلدون: المقدمة ص ٦٣٤.
[ ١ / ٧٠ ]
ومن طالع كتابه "الطبقات الكبرى" يرى كثيرًا من مشايخه الذين ترجم لهم، وسمع منهم، قال التاج في ترجمة شيخه حافظ الدنيا أبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ: وقد قدمنا في ترجمة الشيخ الإِمام الوالد أني سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحفظ منه "المزي"، وأنه بلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية، والمزي، وترتيبهم حسبما قدمناه.
وأنا لم أر من هؤلاء الأربعة غير المزي، ولكن أقول: "ما رأيت أحفظ من ثلاثة: المزي، والذهبي، والوالد، على التفصيل الذي قدمته في ترجمة الوالد. وعاصرت أربعة لا خامس لهم: هؤلاء الثلاثة، والبرزالي، فإِني لم أر البرزالي … " (^١).
قلت: وقوله: وأنا لم أر من هؤلاء …، وذلك أن الشيخ ابن دقيق العيد توفي سنة ٧٠٢ هـ، والشيخ الدمياطي توفي سنة ٧٠٥ هـ، وابن تيمية توفي سنة ميلاد السبكي على قول الذهبي، وهي سنة ٧٢٨ هـ.
ويمكن ترتيب شيوخ التاج كما يلي: