نسب التاج السبكي في بعض مصادر ترجمته إِلى "الأنصار"، وكذا إِلى "سبك"، فأما النسبة الأولى، فقد تكلم هو عنها في ترجمته لجده عبد الكافي السبكي، فقال ﵀: "نقلت من خط الجد ﵀ نسبتنا معاشر السبكية إِلى الأنصار ﵃ وقد رأيت الحافظ النسابة شرف الدين الدمياطي (^١) ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإِمام الوالد ﵀: "الأنصاري الخزرجي … ".
قال: " … وقد كانت الشعراء يمدحونه - يعني والده -، ولا يخلون قصائده من ذكر نسبته إِلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى من أن يسكت على ما يعرفه باطلًا. وقد قرأ عليه شاعر العصر ابن نباتة (^٢) - غالب قصائده الَّتي امتدحه بها، وفيها نسبه إِلى الأنصار والشيخ الإِمام يُقِرُّهُ" (^٣).
إِلا أنه وضح أن أباه ما كان يوقع بعد اسمه بـ "الأنصاري"، وما ذلك إِلا شدة ورع منه، ووفور عقل، حيث الجزم بهذه النسبة يتطلب متابعتها عبر القرون، وهو ما لا يتوفر هنا لبُعد الشُّقة، واندراس القرون … قال ﵀: " … ولم يكتب الشيخ الإِمام ﵀ بخطه لنفسه: "الأنصاري" قط وإِن كان شيخنا الدمياطي يكتبها له، وإِنما كان يترك الشيخ الإِمام كتابة ذلك لوفور عقله ومزيد ورعه، فلا يطرق نحوه طعن من المنكرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة خشية أن يكون قد دعا نفسه إِلى قوم وليس منهم .. " (^٤).
وأما نسبته إِلى "سبك" فقد قال السيوطي في "لب اللباب": "بالضم والسكون إِلى سُبْك قرية بـ "مصر" … " (^٥).
_________________
(١) هو الإِمام الحافظ الحجة، شيخ الإِسلام شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشَّافعي، ولد سنة ٦١٣ هـ، وتفقه، وبرع في الحديث، وجمع فأوعى، قال عنه المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان بارعًا في الفقه، توفي سنة ٧٠٥ هـ.
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي بن نباتة المصري. ولد سنة ٦٨٦ هـ، وهو أديب شاعر مشهور. له من التصانيف: "سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون" و"شعار اللبيب"، "والزهر المنثور"، وغير ذلك. توفي بالقاهرة سنة ٧٦٨ هـ.
(٣) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٩١ - ٩٣.
(٤) المصدر نفسه ١٠/ ٩٣.
(٥) والمصدر نفسه ٢/ ٩، وانظر تاج العروس ٧/ ١٤٠، والبيت السبكي ص ٨٥، وما بعدها.
[ ١ / ٥٩ ]
وذكر الأستاذ محمد الصادق حسين في كتابه "البيت السبكي" فصلًا في تحقيق هذه النسبة وتحديد سببها، ويتلخص منه أن هذه النسبة إِلى بلدة "سبك" وهي من أعمال محافظة المنوفية، وهناك بقعتان تسميان بهذا الاسم:
"سبك الضحاك": وهي الَّتي يطلق عليها الآن: "سبك التلات"؛ لأن سوقها الأسبوعية يوم الثلاثاء، أو لأن بها عائلة التلاتية.
و"سبك العويضات": وهي سبك العبيد، أو سبك "الأحد"، وتعرف عند العامة بـ "سبك الحد".
وقد ذهب - في الختام - إِلى أن السبكية "أهل البيت السبكي" هم من سبك العويضات لا من المعروفة بـ "سبك الضحاك"، واستدلّ على ما ذهب إِليه بأمور:
أولًا: بما ورد في "أعيان العصر" لصلاح الدين الصَّفَدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، فقد ذكر عند ترجمته الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي - أنه من أهل سبك العبيد؛ لأن الصفدي - وهو خليل بن عز الدين بن أيبك - كان من تلاميذ الشيخ تقي الدين، وكان كذلك على صلة وثيقة بابن الشيخ، وهو تاج الدين، وبعيد الَّا يكون على علم ببلدة شيخه".
ثانيًا: بما أورده الفيروزآبادي - محمد بن يعقوب بن محمد أبو طاهر مجد الدين - المتوفى سنة ٨١٧ هـ، في كتابه "القاموس المحيط"، في مادة "سبك" (^١) قال: سبك الضحاك قرية بـ "مصر". وسبك العبيد: قرية أخرى بها. منها شيخنا علي بن عبد الكافي".
وما قيل في كلام "الصفدي" يقال هنا مع الفيروزآبادي.
ثالثًا: بما أورده الزبيدي - ٨٤٣ هـ ذكر في مادة "سبك": سبك الضحاك: من أعمال المنوفية ومعروفة بسبك الثلاثاء. ويذكر أنه دخلها، وبات فيها ليلتين.
وسبك العبيد: قرية أخرى من أعمال المنوفية أيضًا، وقد دخلها أكثر من مرة، وتعرف أيضًا بـ "سبك الأحد"، و"سبك العويضات"، وأن منها "السبكية" أولاد تقي الدين.
ثم جزم الأستاذ محمد الصادق حسين بأن: "السبكية المشهورون في دولة المماليك من سبك العويضات ما في ذلك شك" (^٢).
_________________
(١) ترتيب القاموس ٢/ ٥١٥.
(٢) البيت السبكي ص ٩١.
[ ١ / ٦٠ ]