زوج علي نور الدين من فرع عبد الملك بن علي بن تمام الجد الأكبر (^٤).
وبعد فهذا نسب التاج السبكي، وهذه أسرته، وليس لدينا عن نسبه من جهة الأم سوى إِشارة إِلى أن أمه كانت من بيت علم، وذلك أن جده من قبل أمه هو: الخضر بن الحسن بن علي الوزير قاضي القضاة برهان الدين السنجاري (^٥).
إِذًا فأسرة التاج السبكي أسرة علم، وعليه فقد نبت برعم التاج، واشتد عوده في طلب العلم، فبدأ بالقرآن فحفظه، وتعلم العربية والخط والحديث والفقه والأصول والتفسير والعروض، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة أي في سنة ٧٣٩ ولي أبوه قضاء قضاة الشام، فذهب معه إِلى دمشق، وهناك رشف من رحيق علماء الشام أمثال المزي والذهبي على ما سيأتي في تفصيل "شيوخه".
قال ابن حجر العسقلاني: "وأمعن في طلب الحديث وكتب الأجزاء والطباق مع
_________________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٧٠.
(٢) السابق نفسه.
(٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢.
(٤) ينظر فيما سبق: "البيت السبكي" ص ٥٠ وما بعدها.
(٥) البيت السبكي ص ١٥ نقلًا عن الطبقات الكبرى.
[ ١ / ٦٨ ]
ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية حتى مهر وهو شاب" (^١).
وقال السيوطي: "ولازم الاشتغال بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر وهو شاب" (^٢).
وقال ابن العماد: "واشتغل على والده وغيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي، وتخرج به، وطلب بنفسه … " (^٣).
ومن عناية والده به أنه كان يرسل به ليسمع الحديث من المحدثين وهو حدث صغير، ومثال ذلك ما ذكره عن نفسه في الطبقات قال: " … وأخبرناه صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس الأُشْنَوِيُّ قراءة عليه وأنا أسمع في الخامسة بقبة الشَّافعي ﵁ … " (^٤).
وقال في موضع آخر: " … وأخبرنا أحمد بن علي الجزري بقراءتي عليه مرة، وقراءة عليه وأنا أسمع أخرى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إِسماعيل بن أحمد خطيب مَرْدا حضورًا في الخامسة … " (^٥).
وفي موضع ثالث: "أخبرنا أبو الحسن علي بن الإِمام أبي الظَّاهر إِسماعيل بن إِبراهيم بن عبد الرحمن بن قريش المخزومي، قراءة عليه وأنا حاضر أسمع في الرابعة … " (^٦).
وكما دفع الشيخ تقي الدين ابنه في طلب العلم في هذه السن المبكرة، إِلا أنه - إِضافة إِلى هذا - اختار له مشايخه، ودعاه لملازمتهم والأخذ منهم:
وفي ترجمة الحافظ المزي قال التاج: "وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إِليه في كل يوم مرتين، بكرة والعصر، وأما المزي فما كنت أمضي إِليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيّ، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحدًا كمحبته في، وكنت أنا شابًا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا، وأما المزي فكان رجلًا عبوسًا مهيبًا.
_________________
(١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.
(٢) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.
(٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.
(٤) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٠٦.
(٥) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٤٨.
(٦) المصدر نفسه ١/ ١٥٢.
[ ١ / ٦٩ ]
وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحب أن ألازم المزي أكثر من ملازمة الذهبي، لعظمة المزي عنده، وكنت إِذا جئت غالبًا من عند شيخ، يقول: هات ما استفدت، ما قرأت، ما سمعت، فأحكي له مجلسي معه، فكنت إِذا جئت من عند الذهبي، يقول: جئت من عند شيخك، وإِذا جئت من عند الشيخ نجم الدين القحفازي، يقول: جئت من جامع تِنكز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يشغلنا فيه، وإِذا جئت من عند الشيخ شمس الدين بن النقيب، يقول: جئت من الشامية؛ لأني كنت أقرأ عليه فيها، وإِذا جئت من عند الشيخ أبي العباس الأندرشي يقول: جئت من الجامع، لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا، وأما إِذا جئت من عند المزي، فيقول: جئت من عند الشيخ، ويفصح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوته، وأنا جازم بأنه إِنما كان يفعل ذلك ليثبت في قلبي عظمته، ويحثني على ملازمته (^١).
ويستمر التاج السبكي في طلب العلم والتنقل بين أساطينه، حتى مهر وبرع، وعلا صيته، وقد أجازه شمس الدين بن النقيب بالإِفتاء والتدريس، ولما مات ابن النقيب كان عمره ثمان عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنف، وأشغل (^٢).