فقد انتشرتْ مجاعاتٌ وجَدْبٌ شديدانِ، وسَبَبُ ذلك انحباسُ الأمطار عَنْ أرض الشام، وذهابُ مياه نَهْر النيل، ثم ما كان يَحْدُثُ من سَلْبٍ ونَهْبٍ تسَّببَ عن كثرة أعدادِ المُعْدمِين وأشْبَاههم كما قدَّمنا.
وقد تَتَابَعَتْ نوباتُ القَحْطِ والمجاعاتِ في مصْرَ والشَّام، وأرض الجزيرة، روى المقريزيُّ في أحداث سنة ٦٩٥ هـ أن مجماعةً شديدةً أكَلَ النَّاسُ بسببها المَيْتَة منَ المَوَاشِي والكِلاب، وكَثُرَ مَوْت النَّاس، وصاروا يَدْفِنُون المَوْتَى دُون غُسْلٍ ولا كَفَنٍ، قال: ولم يقتصر الأمْرُ على مصْرَ، بلْ شمِلَ الشَّام أيْضًا؛ إذ دخل الشتاء، ولم يقع المطَر، فأجدبتِ
[ ١ / ٤٨ ]
الأرض، وجفَّ العُشْب، وارتفعت الأثمان، كما شملتْ هذه المجاعةُ بلادَ الحِجَازِ أيضًا (^١).
بل يحكي ابنُ كَثيرٍ عن مجاعة عام ٧١٨ هـ، أن النَّاسَ باعُوا أولادَهُمْ وأهْلِيهِمْ (^٢). وفي سنة ٧٤٩ هـ حصَل طاعونٌ عامٌّ وفناءٌ عظيمٌ عمَّ ديار مصْر وغَيْرها، وقيل: "إنه لم يَسْبقْ مثلُه، فخرَّب أكثر البلادِ ومصْر والقاهرة، وتعطَّل الزَّرْع بسَبَب مَوْت الفلَّاحِين، ولم يَكُن المَوْتُ قاصرًا عَلى الآدَميين، بل شمل الطَّاعُونُ أيضًا الجِمَال والخيْلَ والحَمِيرَ والوُحُوشَ والطُّيور، وحصَلَ الغلاءُ … " (^٣).