قال علي باشا مبارَك: "ومِنْ أهمِّ ما وقع بها زلْزَلَةٌ هائلةٌ، ابتدأتْ في شهر ذي الحجَّة سنة اثنتين وسبعمائة، وأقامَتْ تعاود النَّاسَ مدَّة عشرين يومًا، فهدمتْ بالإسكندرية المَنارَ، وكثيرًا من الأبْراجِ والأسْوَارِ، وفاضَ ماءُ البَحْرِ حَتَّى غرَّقَ البساتينَ، وهُدِمَتْ بالقاهرةِ عدَّةُ مدارسَ وجوامعَ ومساجِدَ، وتشقَّق الجبل المقطَّم، وسقطتِ الدُّورُ على النَّاسِ، ومات كثيرٌ من أهْلها تَحْت الرَّدْم، وخافَ النَّاس، وخَرَجُوا إلى الصَّحراء، واتَّصلَتْ هذه الزلزلةُ بأغْلَب بلادِ الشَّام" (^٤).
وقد أعْقَبَ هذا الزلزالَ ريحٌ سوداءُ تلْفَح الوُجُوه، وظنَّ النَّاسُ أن السَّاعة قد اقتربَتْ، وأنْشَدَ بَعْضُهم: [السريع]
زُلْزِلَتِ الأَرْض، فَخَافَ الوَرَى … وابْتَهَلُوا إلَى العَزِيزِ الحَكِيمْ
فَلْيَذْكُرُوا مَعْ خَوْفِهِمْ قَوْلَهُ: … زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ (^٥)
وبَعْد، فقد كانتِ الحالَةُ الاقتصاديَّة مزعزعةً مضطربةً، عانَى النَّاسُ من ويْلاتِ الفَقْر والجوعِ حتَّى قال المقريزيُّ: "وأدركتُ أنا والنَّاسُ من أهل ثغْر الإسكندرية، وهُمْ يجْعلُون في مقابلة الخضرة والبُقُول، ونحو ذلك كِسَر الخُبْزِ لِشراء ما يُرَاد مِنْه، ولم يَزَلْ ذلك إلى نحو السبعين وسبعمائة .. " (^٦).
_________________
(١) المقريزي: السلوك ١/ ٢/ ٣٠٦.
(٢) البداية والنهاية ١٤/ ٧٦.
(٣) الخطط التوفيقية ١/ ١٠٢.
(٤) السابق ١/ ٩١.
(٥) ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٧.
(٦) المقريزي: إغاثة الأمة ص ٤٧، وما بعدها.
[ ١ / ٤٩ ]