وقد شرع في بنائها سنة ٧٥٨ هـ، وقد حكى عَنْها المقريزيُّ أنه: لا يُعْرَفُ ببلادِ الإِسْلامِ مَعْبَدٌ من معابدِ المُسْلِمِين يَحْكِي هذه المدرسة في كِبَرِ قَالبِها وحُسْنِ هنْدامِها، وضخامة شَكْلِها" (^٥). وقد قامَتِ العمارةُ فيها ثلاثَ سِنِين لا تتوقَّف يومًا. وقد عُرِفَتْ بجامعِ النَّاصِرِ حَسَنٍ، ويقال: إِنَّه أكبر من إِيوانِ كسْرَى بخَمْسَة أذْرُع، وبها أربع مدَارِسَ للمذاهِب الأرْبَعَة (^٦).
_________________
(١) السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٤١٧ - ٤١٨، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٣٥٣.
(٢) حسن المحاضرة ١/ ٤٦٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٥٧، النجوم الزاهرة ٨/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية ٦/ ٤٢.
(٥) المقريزي: الخطط ٣/ ٢٣١، وما بعدها.
(٦) حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٩، والنجوم الزاهرة ٩/ ١٢٣، وبدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦١.
[ ١ / ٥٢ ]
وقد كانَ هناك مدارسُ أخْرى انتشرتْ في أنحاء البلادِ، حتَّى قال القلقشنديُّ: "ابتنى أكابرُ الأمراءِ وغيرهم من المدارِسِ ما ملأ الأخطاط وشحَنَها" (^١)، منها المدرسةُ البرقوقيَّة، ومدرسةُ سرياقُوس، والمدرسةُ المحمُودية، وهذه الأخيرةُ قال عنها المقريزيُّ: "مِنْ أحْسَنِ مدارِس مصْرَ" (^٢).
وأختم بالحديثِ عن المدْرَسَة الحجَازيَّة: وقد أنشأتْها الستُّ خوندتتر الحجازية بنْت المَلِك النَّاصرِ محمَّدِ بنِ قلاوُون، وزَوْجَة بكتمر الحجازيِّ، وإِلَيْه نُسِبَتْ. وكان إِنشاؤها سنة إِحدى وستِّين وسبعمائة (^٣).
وقد ذكر المقريزيُّ: "أن صاحبتها جعلَتْ بها درسًا للشافعيَّة والمالكيَّة، ومنبرًا لخطبة الجمعة والعيدين، وإِمامًا للصَّلواتِ الخَمْس، وخزانة كتبٍ، وجعلَتْ بها مكتبًا فوق السبِيلِ فيه عدَّة من الأَيْتَام، ورَتَّبَتْ لهم مؤدِّبًا يعلِّمهم القرآن الكَرِيمَ .. " (^٤). وقد أجرتْ عليهم أرزاقَهُم من كلِّ يوم، وكان لا يلي نَظَر هذه المدرسة إِلا الأُمَرَاء، ثم وليها الخُدَّام وغيرهم … ومع ذلك، فهِيَ من أبْهَج مدارس القاهِرة (^٥). وقد رتَّبَتْ فيها شَيْخَ الإِسْلام البلقينيَّ مدرِّسًا بها للفقه الشافعيِّ: وهو سراج الدِّين أبو حفص عمرُ بنُ رسلانَ بْنِ نصرِ بْنِ صالح الكنانيُّ، العسْقلانيُّ الأصلِ، ثمَّ البُلْقِينيُّ المصريُّ الشافعيُّ: مجتهدٌ حافظٌ للحديثِ، ولدَ في بُلْقِينَة بمحافظة الغَرْبية سنة ٧٢٤ هـ، وطلب العلم حتَّى بَلَغ فِيهِ الغايَة، ثمَّ ولِيَ قضاء الشَّام سنة ٧٦٩ هـ، وقد صنَّف المصنَّفاتِ المُفِيدَة، في الفِقْه كـ"التَّدريب" في فِقْه الشَّافعيَّة، و"محاسِنِ الاصْطِلاح" في الحديث، وغير ذلك، تُوُفِّيَ سنة ٨٠٥ هـ (^٦).
وقد جَرَت العادةُ عِنْدَ الفَراغِ مِنْ إِنْشَاء مدرسةٍ من المدارس في عَصْر المماليك أن يُحْتَفَل بافْتِتَاحِها احتفالًا كبيرًا يحضرُه كبارُ رجالِ الدَّوْلة والفُقَهاءُ والأعيانُ والقُضاة، ويكونُ فيه ألوان الأطعمةِ والفَوَاكِه والحَلْوى.
قال المقريزيُّ في حديثه عن المدرسة الظاهِرِيَّة: " … وبَعْد تمامِها جلَسَ أهْلُ
_________________
(١) صبح الأعشى ٣/ ٣٦٤.
(٢) الخطط: ٢/ ٣٩٥.
(٣) الخطط التوفيقية ٦/ ١٢.
(٤) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧ وما بعدها.
(٥) السابق.
(٦) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٩، خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧، والزركلي: الأعلام ٥/ ٤٦.
[ ١ / ٥٣ ]
الدروسِ مِنْ كلِّ طائفة في إِيوان، ثمَّ مُدَّتِ الأسمطَة، فأكَلُوا، وأُنْشِدَتْ بَعْضُ قَصَائِدَ، ثمَّ أفيضت عليهم الخِلَع، وكان يومًا مشْهُودًا" (^١).
وقد جرتِ العادةُ على تَعْيين مُعِيدٍ أو أكثر لكلِّ مدرِّس يُدرِّس في تِلْك المَدَارِس؛ وذلك ليعيدِ للطلبة ما ألْقَاهُ عليهم المدرِّس ليفهموه ويُحْسِنُوه، كما يَشْرَح لهم ما يحتاج إِلى الشرح (^٢).
وقد ينوب المُعيدُون عن المدرِّسين في التدريس إِذا خَلَتِ المدرسةُ من الآخرين، فقد حكَى السُّيوطيُّ - في حديثه عن المدرسة الصَّلاحِيَّة (^٣) -: "أنها خلتْ مِنْ مدرِّس ثلاثينَ سنةً، واكتُفِيَ فيها بالمُعِيدِينَ" (^٤).
وأمَّا الطَّلبة فقد تمتَّعوا بحرية اختيارِ الموادِّ الَّتِي يدرسُونها بحيث لا يمنع فقيهٌ أو مستفيدٌ من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعيَّة … فإِذا أتمَّ الطالبُ دراستَه وتأهَّل للفُتيا والتَّدْرِيسِ أجاز له شيخُه ذلك، وكَتَب له إِجازةً يُذْكَر فيها اسْمُ الطالبِ وشَيْخهِ ومَذْهَبه، وتاريخ الإِجازة وغير ذلك، ولا شكَّ في أن قيمة هذه الإِجازة كانَت تتوقَّف على سُمْعَة الشَّيْخِ الَّذي صَدَرَتْ عنه ومكانَتِه العِلْمِيَّةِ (^٥).
ومهما يَكُنْ، فقد كان إِنشاءُ المدارسِ سَبَبًا في كثْرة التأْليف، وكَثْرَة التَّحْصيل، واطِّلاع طالب العِلْمِ والشادِي فيه على عدَّةٍ من فُرُوع العِلْم، فقد صار طالبُ العِلْم يجدُ في المدْرَسَة علومَ العَقْل وعلوم النَّقْل، كَعُلُومِ الفِقْه والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ واللُّغَة، فينهل منها جميعًا، ويتثقَّف بها ثقافةَ عامَّةً، ثم يخصِّصه اتجاهُه ونزعتُه في أحَدِهِما فينظر فيه (^٦).
وأما المكتبات، فَلَمْ تَكُن العنايةُ بها أقلَّ من العناية بالمدَارِس والجَوَامِع في عصر المماليك، فَكَانَتْ مُنْتَشِرَةً تَحوى أمهاتِ الكُتُب، مثل ما حدث من إِنشاء خزانة للكُتُب الجليلة القَدْر، وجعلوها في قَلْعة الجبل. وكذلك حرَصَ السُّلْطانُ المَنْصُور قلاوُون عَلَى أن يُزَوِّد مكتبةَ المَدْرَسَة المنصورية بالكثير من "كتب التَّفْسير والحَدِيث والفقْه واللُّغَة والطِّبِّ
_________________
(١) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٠.
(٢) د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٣٤٤.
(٣) انظر أخبارها عند: النعيمي: الدارس في أخبار المدارس ١/ ٢٥٠.
(٤) حسن المحاضرة ٢/ ٢٥٧.
(٥) العصر المماليكي ص ٣٤٤.
(٦) أبو زهرة: ابن تيمية ص ١٥٧.
[ ١ / ٥٤ ]
والأدَبيَّاتِ ودواوين الشعر، وكذلك المدرسة النَّاصِرِيَّة الَّتي أقامَهَا السُّلطانُ النَّاصِر مُحمَّد؛ إِذْ أنشأ بها خزانة كُتُب جليلةٍ" (^١).
ولَمْ تَكُن المدارِسُ العلميَّة، ومكتباتُها هِيَ المَظْهَر الوحيدَ لازْدِهَار الحَالَة الثَّقافِيَّة فِي عَصْرِ سَلاطِين المماليكِ، فقد وُجِدَ - إِلى جانب ذلك - المكاتبُ الَّتِي يُعلَّم فيها الناشئة وأيتامُ المسِلِمينَ كتابَ الله تعالى، مع الإِنفاقِ عَلَيْهِم ورعايَتِهِمْ.
ويُضَاف إِلى ما سَبق انتشارُ التصوُّف في عَصْر سلاطين المَمَاليك، ويعلِّل الباحثون هذه الظَّاهرة بِكَثْرة مَنْ وفَدَ عَلَى مصْر فِي ذلكَ العَصْر مِن مشَايخِ الصُّوفيَّةِ المَغارِبَةِ والأندلسيِّين، وقد قامَتْ حياةُ الصوفيَّة في الأصْل على أساسِ التقشُّف في المَلْبَس والمأْكَل، حتَّى بالغ بعضهم في ذلِك فَلَبِسُوا المُرَقَّع من الثِّياب، وصَبروا عَلى الجُوع والعَطَش بضْعَة أيَّام.
وقد استتبع انتشارُ التَّصوُّف وكثرةُ معتنقيه في عصْر المماليك انتشارَ خَلَواتٍ يقيمون بها، أُطْلِقَ عليها خانقاواتٌ وربطٌ وزوايا، وأجرى السلاطينُ عليهم الأرزاقَ الَّتي تسهِّل لهم الحياة، وقد ذكر المقريزيُّ: "أن النَّاصِر رَكِبَ كَعَادته للصَّيْد، وبينما هُوَ في الطريقِ، إِذ انتابَهُ ألمٌ شديدٌ كاد يقْضِي عليه، فنزَل عن فَرَسِه، ولكنَّ الألم تزايَدَ عَلَيْه، فنَذَر إِن عافاه الله أن يَبْنِي في هذا المَوْضِع مكانًا يتعبَّد فيه النَّاس. ولما عاد إِلى قَلْعَة الجَبَل، وقد شفَاه الله مِنْ مرضه سار بِنَفْسِه إِلى الموضع الَّذي انتابه فيه المَرَض، وصَحِبَهُ جماعةٌ من المهندسين، واختَطَّ هذه الخانقاه في سنة ٨٢٣ هـ، وجعل فيها مائة صوفيٍّ، وبنى بجانبها مسجدًا تقام فيه الجمعة، وبنى بها حَمَّامًا ومَطْبَخًا" (^٢).
إِلا أن حياة الصوفيَّة لم تلبثْ أن تغيَّرتْ أواخرَ عَصْر المماليك، فتغيَّر وضعهم من الصَّلاح إِلى الفَسَاد، وتخلَّوْا عن النُّظُم والآدابِ الَّتي عُرِفُوا بها بَيْن النَّاسِ ممَّا أثارَ استنكار المُعَاصِرِين (^٣).
ونتاجًا لكُلِّ ما تقدَّم، فقد ازدهرتِ الحياةُ الثقافيَّة في عَصْر المماليكِ، ورأينا جمعًا
_________________
(١) ينظر: العصر المماليكي ص ٣٤٦،
(٢) أبو زهرة: ابن تيمية ص ٢٠٧.
(٣) ينظر: د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٥٣.
[ ١ / ٥٥ ]
غفيرًا من المجتَهدينَ والفقهاء وأصْحاب اليَد العُلْيا في عُلُوم الشَّرْع الحنيف. أمثال:
عزُّ الدِّين بْنُ عبْدِ السَّلام، ومحيي الدِّين النوويّ، وابنُ دقيق العيدِ، والشَّرفُ الدِّمْياطِيّ، وابنُ مالكٍ، وأبُو حيَّان، وابنُ عقيلٍ النحويون، وابنُ تيميَّة وابنُ القَيِّمِ، وابنُ الرِّفْعَةِ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ سَيِّد النَّاسِ، والذهبِيّ، والمِزِّيّ، والبرزاليُّ، وتقيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ وولَدُه، وابن رجَب الحنبليّ، والقموليُّ، والكمالُ ابن قاضي شُهْبَة، وابنُ الزملكانيِّ، والصَّفَدِيُّ، وابن خَلِّكان، والتقيُّ ابنُ الصَّائغ، والتَّاجُ المراكشيّ، وابن الوَرْدِيِّ، وابنُ اللَّبَّان، ومغلطاني، وابنُ جماعة الكنانيّ، والإِسنويُّ، وابنُ نُبَاتَة، والسَّعْدُ التَفْتَازَانِيّ، والبَدْرُ الزركشيّ، والسِّرَاجَانِ: ابنُ الملقَّن والبُلْقِينيّ، والزَّيْنُ العراقيّ، وعن المؤرخين: المقريزيُّ، وابن تَغْرِي بَرْدِي، ومن الحفَّاظ: ابن حجر العَسْقلانيُّ والسَّخاويُّ، وذِكْرُ هؤلاءِ الأئمَّةِ يطول، وتحتاج تراجمهُم إِلى مجلَّدات، فَنُحيل على كُتُب التَّراجم، الَّتي عدَّدتْ مصنَّفاتِهِمْ وآثارَهُمْ في إِثراءَ الحياة الثقافيَّة في ذلك العَصْر.
[ ١ / ٥٦ ]