عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ.
تَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ، مِثْلَ لَفْظِ "الْمُزَابَنَةِ" (٢) وَ"الْمُخَابَرَةِ" (٣) وَ"الْمُحَاقَلَةِ" (٤)
_________________
(١) = إليكم لأجل حملكم على طلاقها، فإذا لم تفعل شيئًا يبيح لكم ذلك، فبأي وجه تستحلون أخذ شيء من مالها؟!.
(٢) انظر "البداية والنهاية" (ج ٧/٢٤٠) للحافظ ابن كثير، فإنه قد رواه عن أبي يعلى، والبيهقي، وعبد الرزاق، من طرق.
(٣) المزابنة: هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن، وهو الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزيد صاحبه عن حقه بما يزداد منه، وإنما نهى عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة "نهاية".
(٤) المخابرة: قيل هي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما "نهاية".
(٥) المحاقلة: مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسرًا في الحديث، وهو الذي يسميه الزارعون المحارثة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نهي عنها لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد إلا مثلًا بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر.
[ ٢٥ ]
وَ"الْمُلَامَسَةِ" (١) وَ"الْمُنَابَذَةِ" (٢) وَ"الْغَرَرِ" (٣)؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهَا.
وَكَالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: ﴿لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ﴾ (٤) فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا "لْإِغْلَاقَ"بِالْإِكْرَاهِ، وَمَنْ يُخَالِفُهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ.
وَتَارَةً لِكَوْنِ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِ وَعُرْفِهِ، غَيْرَ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ فِي
_________________
(١) الملامسة: هي أن تقول: إذا لمست ثوبي، أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه، ثم يوقع البيع عليه. نهي عنه، لأنه غرر، أو عدول عن الصيغة الشرعية. وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعًا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم، وهو غير نافذ "نهاية".
(٢) المنابذة: هي أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب، أو أنبذه إليك ليجب البيع، وقيل: هي أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع، فيكون البيع معاطاة من غير عقد ولا يصح "نهاية".
(٣) الغرر: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الأزهري: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتابايعان من كل مجهول "نهاية". وأما الأحاديث التي ذكرت فيها هذه الألفاظ، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. وأخرج أهل "السنن" إلا ابن ماجة، وصححه الترمذي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة. وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخابرة والملامسة والمنابذة والمزابنة.
(٤) رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة ﵂، =
[ ٢٦ ]
لُغَتِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللُّغَةِ.
كمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ آثَارًا فِي الرُّخْصَةِ فِي "النَّبِيذِ" فَظَنُّوهُ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ؛ لِأَنَّهُ لُغَتُهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا يُنْبَذُ لِتَحْلِيَةِ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ.
وَسَمِعُوا لَفْظَ "الْخَمْرِ" فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاعْتَقَدُوهُ عَصِيرَ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ خَاصَّةً، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ "الْخَمْرَ" اسْمٌ لِكُلِّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ (١) .
_________________
(١) = وصححه الحاكم وضعفه الذهبي ومعنى الإغلاق: الإكراه، روي ذلك عن أبي قتيبة والخطابي وغيرهما. وقال أبو عبيدة: الإغلاق: التضييق. واستدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يصح طلاق المكره، وبه قال جماعة من أهل العلم. وقال آخرون بوقوعه. وقال ابن القيم: قال شيخنا: الإغلاق: انسداد باب العلم والقصد عليه، فدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والغضبان الذي لا يعقل ما يقول. لأن كلًا من هؤلاء أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به، والله أعلم. وقال أبو داود: الإغلاق أظنه الغضب.
(٢) في "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. وروى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب. وفي "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ قال: (إن الخمر حرمت والخمرُ يومئذ البسر والتمر) . وفي لفظ قال: حرمت الخمر عينا حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب قليلًا، وعامة خمرنا البسر والتمر. رواه البخاري. وفي لفظ: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما في المدينة شراب إلا من تمر. رواه مسلم. =
[ ٢٧ ]
وَتَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرِكًا، أَوْ مُجْمَلًا؛ أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ؛ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْآخَرَ.
كَمَا حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ "الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ" عَلَى الْحَبْلِ (١) .
وَكَمَا حَمَلَ آخَرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ عَلَى الْيَدِ إلَى الْإِبِطِ (٢) .
_________________
(١) = وعن أنس ﵁ قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها. متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة) رواه مسلم وأصحاب "السنن". فالخمر ما خامر العقل من أي شراب كان، وما أسكر كثيره فقليله حرام، ولو سمي بغير اسم الخمر، كالأشربة المستحدثة في زماننا، وقد قال رسول الله ﷺ: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه أحمد وأبو داود.
(٢) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت. فقال: (إن وسادك لعريض؛ إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل) رواه أحمد والبخاري ومسلم.
(٣) سورة النساء الآية ٤٣
[ ٢٨ ]
وَتَارَةً لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ مِنْ النَّصِّ خَفِيَّةً.
فَإِنَّ جِهَاتِ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي إدْرَاكِهَا، وَفَهْمِ وُجُوهِ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مِنَحِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَمَوَاهِبِهِ،
ثُمَّ قَدْ يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ، وَلَا يَتَفَطَّنُ لِكَوْنِ هَذَا الْمَعْنَى دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْعَامِّ.
ثُمَّ قَدْ يَتَفَطَّنُ لَهُ تَارَةً ثُمَّ يَنْسَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ.
وَقَدْ يَغْلَطُ الرَّجُلُ، فَيَفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا.