دَلَالَةُ النُّصُوصِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى لِلنُّصُوصِ دَلَالَةٌ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إنَّمَا هُوَ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ.
وَإِنْ قِيلَ: يُحْتَجُّ بِهِ إذْ لَا يُعْلَمُ وُجُودُ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ مُبْطِلًا لِدَلَالَةِ النَّصِّ.
وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَبُطْلَانُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِي شُمُولِ الْخِطَابِ اعْتِقَادُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِلتَّحْرِيمِ، أَوْ يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ -حَتَّى النَّاشِئِينَ بِالْبَوَادِي الْبَعِيدَةِ وَالدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ- قَدْ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ.
وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ بَلْ وَلَا عَاقِلٌ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَذَا الشَّرْطِ مُتَعَذَّرٌ.
وَإِنْ قِيلَ: يُكْتَفَى بِاعْتِقَادِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ.
قِيلَ لَهُ: إنَّمَا اشْتَرَطْت إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَشْمَلَ الْوَعِيدُ لِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ دَلِيلَ التَّحْرِيمِ مِنْ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ مَحْذُورَ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا كَمَحْذُورِ شُمُولِ اللَّعْنَةِ لِهَذَا.
[ ٦٦ ]
وَلَا يُنَجِّي مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَّةِ وَفُضَلَاءِ الصِّدِّيقِينَ، وَهَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأُمَّةِ وعامتها، فَإِنَّ افْتِرَاقَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَا يَمْنَعُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَمَا غَفَرَ لِلْمُجْتَهِدِ إذَا أَخْطَأَ، غَفَرَ لِلْجَاهِلِ إذَا أَخْطَأَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمُ، بَلْ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْعَامَّةِ مُحَرَّمًا لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ؛ أَقَلُّ بِكَثِيرِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ إحْلَالِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لِمَا قَدْ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِهِ.
وَلِهَذَا قِيلَ: احْذَرُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، فَإِنَّهُ إذَا زَلَّ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄-:وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنْ الْأَتْبَاعِ.
فَإِذا كَانَ هَذَا مَعْفُوًّا عَنْهُ -مَعَ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ فِعْلِهِ- فَلِأَنْ يُعْفَى عَنْ الْآخَرِ -مَعَ خِفَّةِ مَفْسَدَةِ فِعْلِهِ- أَوْلَى. نَعَمْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذَا اجْتَهَدَ فَقَالَ بِاجْتِهَادِ، وَلَهُ مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ وَإِحْيَاءِ السُّنَّةِ مَا تَنْغَمِرُ فِيهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَثَابَ الْمُجْتَهِدَ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَثَابَ الْعَالِمَ عَلَى عِلْمِهِ ثَوَابًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ ذَلِكَ الْجَاهِلُ، فَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْعَفْوِ، مُفْتَرِقَانِ فِي الثَّوَابِ. وَوُقُوعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ مُمْتَنِعٌ، جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا.
[ ٦٧ ]