وَإِيضَاحُ هَذَا: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِحَدِيثٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
إمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَالتَّرْكِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ، مَعَ حَاجَتِهِ إلَى الْفُتْيَا أَوْ الْحُكْمِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ -﵃- وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَعَرَّةِ (١) التَّرْكِ شَيْءٌ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا غَيْرَ جَائِزٍ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ الذي قَدْ يَخَافُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَاصِرًا فِي دَرْكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيَقُولُ مَعَ عَدَمِ أَسْبَابِ الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا نَظَرٌ وَاجْتِهَادٌ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ النَّظَرُ نِهَايَتَهُ، مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَسِّكًا بِحُجَّةِ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَادَةٌ، أَوْ غَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ، لِيَنْظُرَ فِيمَا يُعَارِضُ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ الْحَدَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ قَدْ لَا يَنْضَبِطُ لِلْمُجْتَهِدِ.
_________________
(١) المعرة: بفتح الميم والعين والراء المشددة: هي الإثم والأذى والخيانة كما في القاموس (٣\ ١٨٦) هـ ومنه قوله تعالى: (فتصيبكم منهم معرة) سورة الفتح آية (٢٥) اهـ مصحح.
[ ٤٣ ]
وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ يَخَافُونَ مِثْلَ هَذَا، خَشْيَةَ أَلَّا يَكُونَ الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ قَدْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَخْصُوصَةِ.
فَهَذِهِ ذُنُوبٌ؛ لَكِنَّ لُحُوقَ عُقُوبَةِ الذَّنْبِ بِصَاحِبِهِ إنَّمَا تُنَالُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ، وَقَدْ يَمْحُوهَا الِاسْتِغْفَارُ وَالْإِحْسَانُ وَالْبَلَاءُ وَالشَّفَاعَةُ وَالرَّحْمَةُ،
وَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا مَنْ يَغْلِبُهُ الْهَوَى وَيَصْرَعُهُ، حَتَّى يَنْصُرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَوْ مَنْ يَجْزِمُ بِصَوَابِ قَوْلٍ أَوْ خَطَئِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِدَلَائِلِ ذَلِكَ الْقَوْلِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ فِي النَّارِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي النَّارِ، فَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ﴾ (١) .
وَالْمَفْتُونُ كَذَلِكَ. لَكِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا لَهُ مَوَانِعُ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُ بَعْضِ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَحْمُودِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ -مَعَ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ- لَمْ
_________________
(١) رواه أبو داود وابن ماجة عن بريدة أن النبي ﷺ قال: ﴿القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، فجار في حكمه، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار﴾ .. وهو حديث صحيح.
[ ٤٤ ]