قبل الحديث عن مدرسة الشوشاوي وتدريسه نحب أن نذكر نبذة عن:
تاريخ المدارس بسوس:
اهتم المرينيون ببناء المدارس، وكان القصد من بناء هذه المدارس إيواء الطلبة، وللمدرسة مسجد في داخلها، وله إمام راتب من الطلبة أو غيرهم، ويتولى الإشراف على المدرسة مشرف يخضع لمراقبة القاضي بعد أن يختاره الطلبة، وكان عليه أن يجمع بين مهام المقتصد والمؤذن والبواب والخادم (١).
وكانت الهدايا والتبرعات من المحسنين تصل هذه المدارس، وكان للطلبة مؤونة يومية، كما تقام على شرف الطلبة مآدب داخل المدرسة بمناسبة احتفال عائلي أو عيد، فكان الطلبة يحظون بعطف سكان الحي، ويقوم بالتدريس في هذه المدارس علماء أجلاء، ولكل مدرسة خزانة علمية.
وقد ازدهرت المدارس وكثرت في عهد بني مرين الذين أنشأوا مدارس (٢)
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن خلدون ٧/ ٤٥٩.
(٢) من أهم المدارس في عهد بني مرين:
(٣) مدرسة الحلفائيين بفاس، وهي أول ما بني من المدارس، أسسها يعقوب المريني سنة ٦٧٩ هـ، ٢ - مدرسة البيضاء بناها أبو سعيد الريني سنة ٧٢٠ هـ، ٣ - مدرسة الصهريج بناها أبو الحسن المريني سنة ٧٢١ هـ ٤ - مدرسة العطارين بنيت سنة ٧٢٣ هـ، ٥ - مدرسة الطالعة بسلا بناها أبو الحسن المريني سنة ٧٢٣ هـ ٦ - مدرسة المصباحية ٧ - المدرسة =
[ المقدمة / ٢٩ ]
كبيرة مشهورة وأغلبها في فاس والمدن الكبيرة.
هذا عن المدارس في العهد المريني، أما في العهد الوطاسي فلم يكن هناك اهتمام من الدولة في بناء الدارس، بل إن بناءها قائم على يد العلماء والأغنياء المحسنين وأغلبها في سوس.
يقول إبراهيم حركات: عرف هذا العهد انتشار المدارس بسوس خاصة، على يد عدد من العلماء والأغنياء المحسنين.
أما الدولة الوطاسية فلم يكن لها نشاط ملموس في بناء المدارس التي كانت في العاصمة قد بلغت الكفاية منذ عهد المرينيين، ولم تكن مدارس سوس ذات بناء نموذجي، وإنما كان انتشارها يدل على مدى الإقبال على العلم بهذه الناحية التي ازداد نشاطها الثقافي (١).
وفي القرن التاسع أزدهرت الحركة العلمية بسوس، وقد وصف هذا الازدهار العلمي المختار السوسي بقوله: فقد جاء التاسع بفاتحة خير وطلع بفجر منير وسفر عن وجه يقطر بشاشة وبشرًا، حقًا كان القرن التاسع قرنًا مجيدًا في سوس، ففيه ابتدأت النهضة العلمية العجيبة التي رأينا آثارها في التدريس والتأليف وكثرة تداول الفنون (٢).
ولقد انتشرت المدارس بسوس انتشارًا واسعًا وهي مدارس أهلية متواضعة لا تتلقى إعانات من الحكومة.
_________________
(١) = البوعنانية بناها أبو عنان المريني سنة ٧٥٧ هـ وهي من أجمل وأكبر مدارس بني مرين. انظر وصف هذه المدارس في: المغرب عبر التاريخ ٢/ ١٣٤ - ١٣٦.
(٢) انظر: المغرب عبر التاريخ ٢/ ٢٢١.
(٣) انظر: سوس العالمة ص ٢٠.
[ المقدمة / ٣٠ ]
يقول المختار السوسي في وصفها: وهي مدارس شعبية يقوم بها الشعب بجهوده الخاصة، ولم تعرف قط إعانة حكومية، وكثيرًا ما تكون في كل قبيلة مدرسة أو مدارس متعددة، وإن كانت القبيلة كثيرة الأفخاذ، فتبني كل فخذ مدرستها على حدة، وهذه المدارس تسمى مدارس علمية ليكون فرق بينها وبين كتاتيب القرآن التي لا تخلو منها كل قرية وإن صغرت (١).
وبيَّن السوسي موارد هذه المدارس المالية فقال: وأما المدارس التي تقرأ فيها القراءات السبع أو فنون العلوم، فإن لها نظامًا؛ إذ تشارط القبيلة الأستاذ الفقيه على أجرة معلومة من محصولهم: حبوبًا وإدامًا: زيتًا أو سمنًا أو هما معًا.
ومؤونة الطلبة تكون من مخزن المدرسة الذي يجمع فيه ثلث الأعشار من أصحاب المدرسة (٢).
وكان لأستاذ المدرسة منزلة كبيرة في المدرسة والمجتمع.
يقول المختار السوسي: أما إدارة المدرسة والتكلم في شئون الطلبة فإنها في يد الأستاذ الذي يحترم احترامًا كبيرًا، وهو مفتي القبيلة وقاضيها الطبيعي (٣).
ويدرس بهذه المدارس القراءات والحديث والتفسير والفقه والنحو وغير ذلك من الفنون، ولكن مدارس سوس اشتهرت بالقراءات.
يقول المختار السوسي: وفن القراءات وإتقانه والقيام عليه من الفنون
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ص ١٥٤.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ١٥٤.
(٣) انظر: المصدر السابق ص ١٥٥
[ المقدمة / ٣١ ]
السوسية التي سايرت عصرهم العلمي من قديم، وهو فن شريف مؤسس على قواعد علمية (١).
ثم ذكر المؤلفات المعتمدة في هذا الفن (٢) ومؤلفات السوسيين (٣) وأبرز العلماء السوسيين (٤) المبرزين في هذا الفن (٥).
وسبب اهتمام سوس بعلم القراءات واشتهارها به: اعتناء أهالي سوس بحفظ القرآن وتربية أولادهم على ذلك، وعنايتهم بالمساجد وجعلها هي المقر لتحفيظ القرآن.
يقول المختار السوسي: للقرآن من نواحي فنونه الشتى اعتناء متفاوت من السوسيين وما سبب ذلك إلا لقيامهم بمساجد القرى أتم قيام بنظام خاص محافظ عليه.
ثم نجد كثيرًا في كل القرى من يحرص على أن يحفظ ولده القرآن بكل ما أمكن فيبذل جهده في ذلك إما بالرضا وإما بالرغم، وهذا هو السبب الباعث على تلك السيول الجرارة المتموجة من حفظة القرآن، وقلما نجد قرية في غالب نواحي سوس إلا وكان ربع سكانها أو ما يقرب من ذلك من حفظة
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ص ٣٢.
(٢) ذكر مؤلفات الشاطبي وابن الجزري وابن بري والخراز وأمثالهم.
(٣) مثل شرح مورد الظمآن للشوشاوي، وشرح الدر واللوامع في قراءة نافع ليحيى بن سعيد الكرامي.
(٤) منهم حسين الشوشاوي، وموسى الوسكاري، وأحمد بن يحيى الرسموكي ومحمد ابن علي الجزولي، وغيرهم.
(٥) انظر تفصيل الكلام حول علماء سوس ومؤلفاتهم في: سوس العالمة ص ٣٢، ٣٣.
[ المقدمة / ٣٢ ]
القرآن، وقد كانت مساجد للقرى مواضع حفظ القرآن وفي كبرياتها مواضع لإتقان رسمه المصحفي يرتحل إليها، ثم هناك مدارس كثيرة للمرتبة الثالثة وهي تعاطي فن القراءات السبع (١).