لم يتول الوطاسيون الحكم بعد مقتل آخر ملوك بني مرين سنة ٨٦٩ هـ مباشرة بل كانت هناك فترة بين الدولتين من ٨٦٩ هـ إلى ٨٧٥ هـ.
فقد تولى الحكم في هذه الفترة أبو عبد الله الحفيد نقيب الشرفاء، واسمه محمد بن علي الجوطي الإدريسي العمراني، وهو من أسرة تولت نقابة الشرفاء مدة طويلة، وكان بنو مرين يُجِلُّونهم ويتوددون إليهم (٤)، وقد بايعه
_________________
(١) هو أبو زكريا يحيى بن عمر بن زيان الوطاسي الوزير بمدينة فاس، وكان وزيرًا لعبد الحق، وكان في أيامه الوباء المسمى عند أهل فاس بوباء عزونة سنة ست وأربعين وثمانمائة (٨٤٦ هـ) وأخضع في هذه السنة الشاوية وخرب منازلهم، واتصف بالديانة وضبط الملك والرفق بالرعية والعدل، توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٨٥٢ هـ)، وولى عبد الحق الوزارة من بعده لعلي بن يوسف الوطاسي. انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس ٢/ ٥٣٥، درة الحجال ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) هو الوزير علي بن يوسف الوطاسي قدم على فاس، وهو أحد وزراء عبد الحق بمدينة فاس، توفي بتامسنا سنة ثلاث وستين وثمانمائة (٨٦٣ هـ). انظر ترجمته في: درة الحجال ٣/ ٢٤٩، جذوة الاقتباس ٢/ ٤٦٢.
(٣) هو يحيى بن أبي زكريا "يحيى" بن عمر بن زيان الوطاسي، ولاه عبد الحق المريني الوزارة بعد وفاة علي بن يوسف الوطاسي. انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس ٢/ ٤٦٢، درة الحجال ٣/ ٢٤٩.
(٤) انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس ١/ ٢١١ درة الحجال ٢/ ٢٨.
[ المقدمة / ١١ ]
أهل فاس بالخلافة بعدما خلعوا طاعة المرينيين في ثورتهم التي كانت بقيادة خطيب القرويين عبد العزيز الورياغلي، وذلك في سنة ٨٦٩ هـ وهي السنة التي قتل فيها عبد الحق، وقد اضطربت أحوال المغرب في عهده غاية الاضطراب، فتمردت القبائل الشاوية وهددت كلًا من مكناس وفاس في زحفها شمالًا (١).
وانتهت فترة حكمه بخلعه سنة ٨٧٦ هـ.
وبعد خلع أبي عبد الله الحفيد انتقل الحكم إلى محمد بن الشيخ الوطاسي (٨٧٦ - ٩١٠ هـ).
وقصة توليه الحكم أنه نجا من بطش عبد الحق بن أبي سعيد المريني سنة ٨٦٣ هـ، ومعه محمد الحلو من بني وطاس، وكان محمد الشيخ قد وجه همه منذ البداية إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاحتلال الأجنبي، فاستولى على مدينة أصيلا التي كان البرتغال يطلعون إلى الاستيلاء عليها، ثم خرج من أصيلا زاحفًا نحو فاس سنة ٨٧٢ هـ، فالتقت به جيوش أبي عبد الله الحفيد وهزمته، ثم عاد مرة أخرى وضرب الحصار على مدينة فاس مدة سنتين إلى أن دخلها ظافرًا سنة ٨٧٦ هـ، واستمر حكمه إلى أن توفي سنة ٩١٠ هـ. (٢)
ولقد وقع في عهد محمد الشيخ الوطاسي عدة حوادث أهمها ما يلي:
١ - احتلال البرتغال لمدينة أصيلا سنة ٨٧٦ هـ، فبينما محمد الشيخ يحاصر فاسًا ولم تقم الدولة الوطاسية على قدميها بعد، احتل البرتغال أصيلا بأسطول يتكون من (٣٠٨) باخرة وثلاثين ألف مقاتل، وفور احتلالهم
_________________
(١) المغرب عبر التاريخ ٢/ ٦٤.
(٢) انظر ترجمته وأخباره في: الاستقصاء ٤/ ١٤٠، المغرب عبر التاريخ ٢/ ٦٤، ١٦٩.
[ المقدمة / ١٢ ]
لأصيلا حولوا مسجدها الأعظم إلى كنيسة (١).
٢ - ثورة عمرو بن سليمان السياف (٢) ببلاد سوس، وهذه الثورة من الحوادث والفتن التي حدثت في عهد محمد الشيخ وعاصرها الشوشاوي؛ حيث إنها وقعت في زمنه وفي بلده سوس وتمس الفقهاء.
وقصة هذه الفتنة أنه لما قتل الشيخ محمد بن سليمان الجزولي (٣) سنة ٨٧٠ هـ، وقيل: إنه مات مسمومًا على يد بعض الفقهاء، وكان عمرو السياف أحد تلامذته، فلما سمع بمقتله قام يطالب بثأره ممن سمه من الفقهاء، فانتقم منهم ثم أخذ يدعو إلى الصلاة ويقاتل عليها، ولم يقف عند هذا الحد، بل دعا إلى نفسه وادعى علم الغيب، وربما ادعى النبوة وقاتل كل من ينكر عليه ذلك، وسمى أتباعه بالمريدين ومخالفيه بالجاحدين، واستمرت ثورته هذه عشرين سنة من حين قتل شيخه محمد الجزولي سنة ٨٧٠ هـ إلى أن قتل هو سنة ٨٩٠ هـ، فاستراح الناس من شره.
_________________
(١) انظر: المغرب عبر التاريخ ١/ ١٧١، الاستقصاء ٤/ ١١٠.
(٢) هو عمرو بن سليمان المعيطي الشيظمي المشهور بالسياف، طالب بثأر الشيخ الجزولي وجمع الجيوش بسوس وسفك الدماء واستمر عشرين سنة، قتلته زوجته امتعاضًا لأجل ما كان عليه من الفساد في الأرض سنة تسعين وثمانمائة (٨٩٠ هـ). انظر ترجمته في: الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ٥/ ٥٥، ٥٦.
(٣) هو محمد بن سليمان بن داود بن بشر بن عمران الجزولي المغربي المالكي، ولد سنة ست وثمانمائة (٨٠٦ هـ) بجزولة، ثم رحل إلى مراكش وحفظ القرآن وأقام بها ستة عشر عامًا يشتغل في الفقه والعربية، ورحل إلى فاس وتلمسان وتونس، والقاهرة، ومكهَ والمدينة، وكان بارعًا في الفقه والأصلين متقدمًا في العربية. توفي مسمومًا وهو في الصلاة عام سبعين وثمانمائة (٨٧٠ هـ)، من أشهر مصنفاته: دلائل الخيرات، وقد انتشر في بلاد المغرب الواسعة، وقد أطال صاحب الإعلام بمن =
[ المقدمة / ١٣ ]
ولم يظهر أثر لتدخل محمد الشيخ الوطاسي في هذه الفتنة بالرغم من قوتها وخطورتها (١).
حالة سوس السياسية:
كانت سوس في آخر العهد المريني وفي العهد الوطاسي تعيش حالة من الفوضى والاضطراب السياسي والإداري؛ حيث إنها لم تكن خاضعة للحكم المريني والوطاسي مباشرة، بل أخذت نوعًا من الاستقلال الذاتي، وكان يحكمها مباشرة الأشراف والوجهاء ورؤساء القبائل والقضاة والفقهاء، وقامت في سوس بعض الحروب بين القبائل البربرية والعربية.
ومن أبرز من أعطى صورة للحالة السياسية لسوس الرحالة والمؤرخ حسن الوزان (٢) الذي كان سفيرًا للدولة الوطاسية في سوس، وسنذكر نماذج لوصفه.
يقول الحسن الوزان عن بلاد حاحه: لا يوجد في هذه البلاد أي مظهر من مظاهر القضاء ولا سيما في الجبل؛ حيث لا يوجد أمير ولا موظف، ويتمكن
_________________
(١) = حل مراكش وأغمات من الأعلام، في ترجمة الجزولي والنقل عمن ترجم له، والثناء عليه وعلى كتابه. انظر: ج ٥/ ٤٠ - ١٠٣.
(٢) انظر: ثورة عمرو السياف في: الاستقصاء ٤/ ١٢٢، ١٢٣، جذوة الاقتباس ١/ ٢٤١، المغرب عبر التاريخ ٢/ ١٧٠، ١٧١.
(٣) هو الحسن بن محمد الوزان، ولد في غرناطة وهاجر منها صغيرًا مع أبيه إلى فاس فتعلم بها حتى ذاع صيته وعرف فضله، فانتدب لبعض الوساطات السياسية حتى وقع في أسر الفرنج وتنصر وبقي في إيطاليا، ويقال: إنه رجع إلى تونس وعاد إلى الإسلام، توفي سنة ٩٥٧ هـ، من أشهر مصنفاته: كتاب وصف أفريقيا وهو من أنفس الكتب عن أفريقيا. انظر ترجمته في: الإعلام ٢/ ٢١٧.
[ المقدمة / ١٤ ]
النبلاء الوجهاء من الاحتفاظ بشبه سلطة في داخل المدن، وهذه المدن نادرة (١).
ويقول عن مدينة تاكوليت إحدى مدن حاحه: وفي الزمن الذي قصدت فيه هذه البلاد كان يقوم فيها وجيه منزلته كمنزلة رئيس الوزارة، وكان يقوم بجميع مهام الإدارة (٢).
ويقول عن مدينة تارودانت: ويحكم تارودانت وجهاؤها؛ إذ يتسلم أربعة منهم سويًا السلطة التي لا يحتفظون بها أكثر من ستة أشهر (٣).
وأما وصفه للحروب الأهلية القائمة بين قبائل سوس فيقول عن بلاد حاحه: بأن سكانها في حالة حرب لا تهدأ، ولكنها حرب أهلية لا تحمل أي أذى للأجانب (٤).
ويقول عن مدينة تيوت من بلاد السوس: إنهم يعيشون باستمرار في حالة حرب فيما بينهم، ومن النادر أن يقيموا في سلام (٥).
هذه النماذج لوصف حسن الوزان لبعض مدن سوس تعطي صورة عن الحالة السياسية والإدارية لسوس، وأنها تتمتع بشبه استقلال عن الحكومة المرينية والوطاسية في فاس، لكنه استقلال اتسم بالفوضى الإدارية؛ حيث لا يوجد حاكم موحد يسيطر على البلاد وينظم شؤونها ويخمد الفتن والحروب القائمة بين الأهالي.
_________________
(١) وصف أفريقيا للحسن الوزان ص ١١٠.
(٢) المصدر السابق ص ١١٢.
(٣) المصدر السابق ص ١٢٩.
(٤) المصدر السابق ص ١٠٩ - ١١٠.
(٥) المصدر السابق ص ١٢٨.
[ المقدمة / ١٥ ]
ومن العوامل التي ساعدت على وجود هذا الوضع لسوس ما يلي:
١ - ضعف الدولتين المرينية والوطاسية وانشغالهما بالاعتداءات الخارجية من الأسبان والبرتغال عن تنظيم الوضع الداخلي للبلاد.
٢ - بُعد منطقة سوس عن عاصمة الدولة فاس، وهذا الوضع لسوس هيأ ومهد لقيام الدولة السعدية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى شعور الأهالي بضرورة تغيير الأوضاع وضرورة حمل السلاح لتحرير الأراضي التي سقطت في أيدي المحتلين النصارى، وقد اتخذ السعديون تارودانت عاصمة لهم، وبدأ نفوذهم في سوس مع وجود الدولة الوطاسية في فاس (١).
_________________
(١) انظر تفصيل الكلام عن تأسيس السعديين لدولتهم في سوس في: كتاب المغرب الكبير ٣/ ٢٢، ٣٣، ٣٥.
[ المقدمة / ١٦ ]