بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا.
هذا كتاب فيه "رفع النقاب عن تنقيح الشهاب".
مما عني بجمعه الفقيه الجليل: حسين بن علي بن طلحة، الرجراجي نسبًا الشوشاوي (١) لقبًا، عفا الله عنه، وغفر الله لنا وله، وعفا عنا وعنه، وعن والدينا، ووالديه، بفضله وإحسانه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا) (٢).
(الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين) (٣).
نص: (الحمد لله ذي الجلال الذي لا تدركه الغايات، والجواد الذي لا تلحقه النهايات، الذي أنزل الرسالة المشتملة على الخيرات الدنيويات، والأخرويات، وأيدها بالمعجزات الباهرات، وجعلنا أهلًا لشرف ذلك الاقتضاء، وجميل تلك المناجاة، وفضلنا بها وفيها على سائر الفرق والعصابات، وصلواته الطيبات الزاكيات، على أفضل المخلوقات، محمد
_________________
(١) في ز (الشفشاوي) والمثبت من ط وهو الصواب.
(٢) المثبت من ز، وفي ط: "صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، "رفع النقاب عن تنقيح الشهاب" مما جمعه العبد العاصي يرجو عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه بمنه وفضله: الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته آمين".
(٣) ما بين القوسين ساقط من ط.
[ ١ / ٧ ]
المبعوث بأفضل المناهج والبينات، صلى الله عليه وعلى آله، وعترته، وأصحابه، وأزواجه، ومحبيه، صلاة تُبَلِّغهُم أفضل الدرجات ونحوز بها أفضل المقامات، في الحياة وبعد الممات" (١).
شرح: وفي هذا الصدر (٢) عشرة مطالب: لم خطب؟ ولم لم يشرع (٣) في مقصوده من غير خطبة؟ ولم خصت الخطبة بالحمد دون غيره من الأذكار؛ كالشكر، والمدح، والرضى، ونحوها (٤) من الأذكار الجميلة؟ وما معنى الحمد؟ وما الفرق بينه وبين الشكر؟ وما الفرق بينه وبين المدح؟ وما معنى الألف واللام في الحمد؟ ولم عدل (٥) عن التعبير بالتنكير إلى التعبير بالتعريف، مع أن التعبير بالتنكير أصل، والتعبير بالتعريف فرع؟ ولم عدل عن التعبير بالفعل إلى التعبير بالاسم؟ ولم عدل عن التعبير بالإضافة إلى التعبير بالألف واللام (٦)؟ ولم أضاف الحمد إلى الله دون سائر أسمائه؟
فأما ابتداؤه (٧) بالخطبة؛ فلجريان العادة به في أول كل مهم مما للناس فيه خوض وعليه منهم إقبال.
وأما اختصاصه بالحمد (٨) دون غيره من سائر (٩) الأذكار (١٠) كالشكر،
_________________
(١) هذا النص من المتن من ز وهو ساقط من ط.
(٢) المثبت من ط، وفي ز: "الفصل".
(٣) في ط: "وهلا شرع".
(٤) في ط: "وغيرها".
(٥) في ط: "ولم عدل المؤلف".
(٦) في ط: "التعريف".
(٧) في ط: "ابتداؤه كتابه".
(٨) في ط: "للحمد".
(٩) "سائر" ساقطة من ط.
(١٠) في ط: "الأذكار الجميلة".
[ ١ / ٨ ]
والمدح وغيرهما؛ فللاقتداء بكتاب الله ﷿ وسائر الكتب المنزلة؛ إذ ما من كتاب من كتب الله تعالى (١) إلا وفي أوله الحمد لله، وللاقتداء برسول الله - ﷺ - في خطبه، ومواعظه، ورسائله - ﷺ -.
وأما معناه (٢). فقيل (٣): الثناء.
وقيل: معناه إشاعة الجميل وإظهاره بالقول (٤).
وقيل: ذكر مجيد مطرب عند سماعه صادر عن رضي النفس وصفاء القلب.
وقيل: غير ذلك.
واعترض بعضهم تفسير الحمد بالثناء بأن قال: هذا الحد غير جامع ولا مانع، أما كونه غير جامع: فلخروج الحمد غير المكرر منه؛ (لأن الثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض، وأما كونه غير مانع: فلدخول الثناء بالشر فيه) (٥)؛ لأن الثناء يكون بالشر كما يكون بالخير.
دليل ذلك قوله ﵇: "من أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار" (٦).
_________________
(١) في ط: "العزيز".
(٢) في ط: "معنى الحمد".
(٣) في ط: "فقيل: معناه".
(٤) "بالقول" ساقطة من ط.
(٥) ما بين القوسين ساقط من ط.
(٦) أخرجه البخاري عن أنس بن مالك في كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت (١/ ٢٣٧). وأخرجه مسلم عن أنس بن مالك قال: مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال =
[ ١ / ٩ ]
أجيب عن قوله: غير جامع بخروج الحمد (١) غير المكرر منه بأن أرباب اللغة (٢) نصوا على أن الثناء هو الحمد (٣) [ولم يستفصلوا بين المكرر وغيره] (٤).
قال صاحب العين (٥): يقال (٦): أثنيت على الرجل إذا مدحته والاسم الثناء (٧).
وقال صاحب الأفعال (٨): أثنيت على الرجل إذا ذكرته بما فيه من
_________________
(١) = نبي الله - ﷺ -: "وجبت وجبت وجبت"، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله - ﷺ -: "وجبت وجبت وجبت، قال عمر: فدىً لك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض". انظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خيرًا وشرًا من الموتى (٣/ ٤٥٣).
(٢) في ط "المدح".
(٣) في ط: "اللغات".
(٤) في ط: "إنما هو".
(٥) ما بين القوسين ساقط من ط.
(٦) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولد سنة (١٠٠ هـ)، وهو نحوي لغوي استنبط علم العروض، وكان ذكيًا فطنًا، من تلاميذه سيبويه والأصمعي، توفي سنة (١٧٥ هـ). انظر: إنباه الرواة ١/ ٣٤١ - ٣٤٦، طبقات النحويين ص ٤٧.
(٧) "يقال" ساقطة من ط.
(٨) انظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي.
(٩) هو أبو بكر: محمد بن عمر بن عبد العزيز الإشبيلي الأصل، والقرطبي المولد =
[ ١ / ١٠ ]
خصال (١) (٢).
وأجيب عن قوله: غير مانع لدخول الثناء بالشر فيه: بأن أرباب اللغة (٣) نصوا على أن الثناء مخصوص (٤) بالخير دون الشر.
قال صاحب تثقيف اللسان (٥): الثناء بتقديم الثاء المثلثة (٦) والمد في الخير خاصة، والنثي بتقديم النون والقصر في الخير والشر (٧).
وأما الجواب عن قوله ﵇: "من أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار":
فقال القاضي أبو الفضل عياض (٨) في الإكمال: إنما ذكر النبي ﵇
_________________
(١) = والدار، المعروف بابن القوطية، وكان أبو بكر من أعلم أهل زمانه بالعربية، مع حفظ للحديث والفقه والأخبار والنوادر والأشعار، توفي سنة ٣٦٧ هـ. من آثاره كتاب الأفعال، وهو أول من صنف فيها، وكتاب المقصور والمدود. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك ٢/ ٥٥٣، بغية الملتمس / ١٠٢، وفيات الأعيان ٤/ ٣٦٨.
(٢) في ط: "خصائل السوء".
(٣) يقول صاحب الأفعال: وأثنيت على الرجل: وصفته بخير أو شر. انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية ص ١٣٧.
(٤) في ط: "اللغات".
(٥) في ط: "إنما مخصوص".
(٦) "المثلثة" ساقطة من ط.
(٧) هو أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي، فقيه محدث عالم بالعربية، رحل إلى تونس واستوطنها وولي قضاءها، توفي سنة (٥٠١ هـ). انظر: إنباه الرواة ٢/ ٣٢٩.
(٨) انظر: كتاب تثقيف اللسان ص ٢٣٢.
(٩) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، ولد بسبتة سنة ست =
[ ١ / ١١ ]
الثناء في الشر [في الكلام الثاني] (١) لِذكره في [الكلام] (٢) الأول على طريق المقابلة والمجانسة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَكَرُوا (٤) وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٥).
لأن الثناء بتقديم الثاء والمد خاص بالخير (٦).
وأما الفرق بين الحمد والشكر ففيه خمسة أقوال:
قيل: هما مترادفان، فكل حمد شكر وكل شكر حمد.
وقيل: هما متباينان، فالحمد هو: الثناء على المحمود بما فيه من الخصال
_________________
(١) = وسبعين وأربعمائة (٤٧٦ هـ). ورحل إلى الأندلس سنة ٥٠٧ هـ، وأخذ عن أبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله المازري. والقاضي عياض إمام وقته في الحديث وعلومه، والتفسير وعلومه، فقيهًا، أصوليًا، عالمًا بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، شاعرًا مجيدًا، خطيبًا بليغًا، تولى قضاء سبتة وغرناطة. توفي بمراكش ﵀ سنة أربع وأربعين وخمسمائة (٥٤٤ هـ). من مصنفاته: الشفا، وإكمال المُعْلم شرح صحيح مسلم، وترتيب المدارك. انظر: الديباج تحقيق أبو النور ٢/ ٤٦ - ٥١، الصلة لابن بشكوال ٢/ ٤٥٣، وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣، بغية الملتمس ص ٤٢٥، شذرات الذهب ٤/ ١٣٨، جذوة الاقتباس القسم الثاني ص ٤٩٨.
(٢) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(٣) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(٤) آية رقم ١٤، ١٥ من سورة البقرة.
(٥) في ط: "وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ".
(٦) آية رقم ٥٤ من سورة آل عمران.
(٧) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ص ٢٤٩ مخطوط موجود بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج ٩٣٣.
[ ١ / ١٢ ]
الجميلة كالعلم، والشجاعة (١)، والشكر هو: الثناء على المشكور بما فيه [من الإحسان.
وحرر بعضهم الفرق بينهما بأن قال: الحمد هو الثناء على المحمود بما فيه من المدح، والشكر هو الثناء على المشكور بما] (٢) أولاك من المِنح، فالحمد على هذا من صفات الذات، والشكر من صفات الفعل.
وقيل: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الحمد يقع على السراء والضراء، ويقع على مقابل النعمة، وعلى غير مقابل النعية، والشكر لا يقع إلا على السراء، ولا يقع على الضراء، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٣).
ولا يقع (٤) إلا على مقابل النعمة، ولا يقع على غير مقابل النعمة.
وقيل: الشكر أعم من الحمد، والحمد أخص من الشكر؛ لأن الحمد لا يكون إلا بشيء واحد وهو: القول، كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ﴾ (٥) الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٦)، [وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧)] (٨) وغير ذلك.
_________________
(١) في ط: "والصبر والحياء والشجاعة".
(٢) ما بين القوسين ساقط من ط.
(٣) آية رقم ٧ من سورة إبراهيم.
(٤) في ط: "أيضًا إلا".
(٥) آية رقم ٥٩ من سورة النمل.
(٦) آية رقم ٤٣ من سورة الأعراف.
(٧) آية رقم ١٠ من سورة يونس.
(٨) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط.
[ ١ / ١٣ ]
وأما الشكر فيكون بثلاثة أشياء وهي (١): القول، والفعل، والاعتقاد. مثال كونه بالقول: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢)،
وقوله ﵇: "التحدث بالنعم شكر" (٣).
ومثال كونه بالفعل قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٤) أي عملًا صالحًا، وقوله (٥): ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) أي تمتثلون.
وقوله ﵇: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! " (٧). أي: ممتثلًا.
_________________
(١) المثبت من ط وفي ز "وهو".
(٢) آية رقم ١١ من سورة الضحى.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال النبي - ﷺ - على المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب". انظر: المسند حديث النعمان ابن بشير ج (٦/ ٢٧٨).
(٤) آية رقم ١٣ من سورة سبأ.
(٥) في ط: "وقوله تعالى".
(٦) آية ٥٢ من سورة البقرة، وآية رقم ١٢٣ من سورة آل عمران، وآية رقم ٦، ٨٩ من سورة المائدة، وآية رقم ٢٦ من سورة لأنفال، وآية رقم ٧٨ من سورة النحل.
(٧) أخرجه البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر عن زياد، قال: سمعت المغيرة ﵁ يقول: إن كان النبي - ﷺ - ليقومُ يصلي حتى تَرِمُ قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ". انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد باب قيام النبي - ﷺ - (١/ ١٩٨). وأخرجه الإمام مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم الحديث العام ٢٨١٩، (٤/ ٢١٧١). وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة رقم الحديث ٤١٢، (٢/ ١٣٦). وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في طول القيام في الصلوات =
[ ١ / ١٤ ]
ومنه قول الشيخ أبي محمد (١) في الرسالة: "ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه" (٢).
ومثال كون الشكر بالاعتقاد: قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣).
وقد جمع الشاعر بين هذه الثلاثة - أعني: القول، والفعل، والاعتقاد (٤) في قوله:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجّبا (٥)
_________________
(١) = رقم الحديث العام ١٤١٨، (١/ ٤٥٦). وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج ٤/ ٢٥١، ٢٥٥.
(٢) هو الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي، سكن القيروان، وتفقه على فقهاء بلده وسمع من شيوخها كأبي بكر بن اللباد، وأبي الفضل القيسي، ورحل وسمع من ابن الأعرابي، وابن المنذر، والأبهري، والمروزي، وكان واسع العلم كثير الحفظ ذا صلاح وعفة وورع، لخص المذهب، توفي ﵀ سنة تسع وثمانين وثلثمائة (٣٨٩ هـ). من مصنفاته: النوادر والزيادات على المدونة، والرسالة. انظر: الديباج ص ١٣٧، ١٣٨، مرآة الجنان ٢/ ١٤١، شذرات الذهب ٣/ ١٣١، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٠٠.
(٣) انظر: متن الرسالة لابن أبي زيد (ص ١٣٥) باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب، نشر وزارة الأوقاف بالمملكة المغربية.
(٤) آية رقم ٥٣ من سورة النحل.
(٥) في ط: "القول والاعتقاد والفعل".
(٦) نسب الصاوي هذا البيت لأعرابي أتى علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه درهمًا، فلما استقله ولم يكن عنده غير درع له ناوله إياه فقال هذا البيت. انظر: حاشية الصاوي على شرح الخريدة البهية ص ١١، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد ص ٥.
[ ١ / ١٥ ]
القول الخامس: أن كل واحد من الشكر والحمد (١) أعم من وجه وأخص من وجه.
بيان العموم في الحمد (٢): أنه يكون في (٣) السراء والضراء، ويكون في (٤) مقابل النعمة وفي غير مقابل النعمة، وأما الشكر فلا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل النعمة.
وبيان الخصوص في الحمد: أنه لا يكون إلا بالقول، وأما الشكر فيكون بالثلاثة المتقدمة: القول والفعل والاعتقاد.
وبيان العموم في الشكر: أنه يكون بهذه الثلاثة المذكورة (٥): الفعل، والقول (٦) والاعتقاد، وأما الحمد فلا يكون إلا بالقول.
وبيان الخصوص في الشكر: أنه لا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل (٧) النعمة.
وأما الفرق بين الحمد والمدح ففيه قولان:
[قيل] (٨): هما مترادفان ولا فرق بينهما إلا تقديم بعض الحروف
_________________
(١) في ط: "من الحمد والشكر".
(٢) في ط: "أنه".
(٣) في ط: "على".
(٤) "في" ساقطة من ط.
(٥) في ط: "المذكورات".
(٦) في ط: "القول والفعل والاعتقاد".
(٧) في ط: "مقابلة".
(٨) (قيل) لم ترد في ز وط وإثباتها يقتضيه السياق.
[ ١ / ١٦ ]
وتأخيرها، نحو: الجبد والجدب.
وقيل: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يكون بأوصاف موجودة وبأوصاف معدومة (١)، وأما الحمد فلا يكون إلا بأوصاف موجودة (٢).
دليل هذا القول: قوله ﵇: "احثوا التراب في وجوه المداحين" (٣) معناه: خيبوهم من العطاء؛ لأنهم إلى الكذب أقرب، ولم يُروَ عنه قط أنه حثا التراب في وجوه المداحين (٤)؛ لأن أوصافه متحققة موجودة بخلاف غيره، فإن أوصافه متوهمة معدومة.
وها هنا ثلاثة ألفاظ، الحمد، والمدح، والمده، ولا خلاف في (٥) أن المده بالهاء مرادف للمدح بالحاء؛ لأن الهاء مبدلة من الحاء، وإنما الخلاف فيما
_________________
(١) في ط: "موجودات وأوصاف محذوفة".
(٢) في ط: "موجودات".
(٣) أخرجه الإمام مسلم عن همام بن الحارث أن رجلًا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فحثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب". انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (٨/ ٢٢٨). وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، رقم الحديث ٤٨٠٤ (٤/ ٢٥٤). وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية المداحة والمداحين، رقم الحديث ٢٣٩٥ (٧/ ١٢١، ١٢٢). وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج ٦/ ٥.
(٤) في ط: "في وجه من مدحوا".
(٥) "في" ساقطة من ط.
[ ١ / ١٧ ]
بينهما وبين الحمد، وقد تقدم في ذلك قولان.
وأما معنى الألف واللام في الحمد:
فقيل: للعهد، أي الحمد المعهود المتعارف بين الناس.
وقيل: لتعريف الجنس.
وقيل: لاستغراق الجنس.
وأما عدوله عن التنكير (١) إلى التعريف فقال: الحمد (٢) ولم يقل: حمد الله، مع أن التعبير بالأصل أولى من التعبير بالفرع، وإنما (٣) فعل ذلك لوجهين:
أحدهما: الاقتداء بكتاب الله تعالى (٤).
والثاني: أن التعريف عام والتنكير خاص فللأعم مزية على الأخص.
وأما عدوله عن التعريف بالإضافة إلى التعريف بالألف واللام فإنما فعل ذلك لوجهين أيضًا (٥):
أحدهما: الاقتداء بكتاب الله ﷿.
والثاني: أن التعريف بالألف واللام أقوى من التعريف بالإضافة؛ لأن التعريف بالألف واللام يقتضي (٦) العموم والشمول
_________________
(١) المثبت من ط وفى الأصل وز: "النكرة".
(٢) في ط: "الحمد لله".
(٣) في ط: "وإنما".
(٤) في ط: "﷿".
(٥) "أيضًا" ساقطة من ط.
(٦) في ط: "لأن الألف واللام في الحمد تقتضي العموم " إلخ.
[ ١ / ١٨ ]
والاستغراق (١) لجميع صور الحمد [ووجوهه إذ لا تُحصَّل مدائحه] (٢) جل وعلا، وفي الألف واللام (٣) إشارة إلى عدد الحامدين على اختلاف أماكنهم (٤) وتباين (٥) خلقهم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٦) فيؤجر الإنسان إذا سرت (٧) إليه النية، وانبعثت إليه الهمة؛ إذ نية المؤمن أبلغ (٨) من عمله (٩).
وأما عدوله عن الفعل إلى الاسم فقال: الحمد لله، ولم يقل: أحمد الله [أو: نحمد الله، فإنما فعل] (١٠) ذلك لثلاثة أوجه:
أحدها: الاقتداء بكتاب الله ﷿.
والثاني: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالزمان، بخلاف الاسم فإنه لا يقتضي ذلك، بل هو [مطلق] (١١) في كل زمان.
والوجه الثالث: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالمتكلم (١٢) به (١٣) دون غيره، بخلاف الاسم فإنه يقتضي الحمد مطلقًا على كل حال من الحامد وغيره.
_________________
(١) في ط: "والإحاطة والاستغراق".
(٢) المثبت من ط، وفي ز: "ووجو: حامده".
(٣) في ط: "وفي الحمد".
(٤) في ط: "على اختلاف لغاتهم وتباعد مكانهم".
(٥) في ط: "وتباعد".
(٦) آية رقم ٤٤ من سورة الإسراء.
(٧) في ط: "بحسب ذلك إذا سرت".
(٨) في ط: "أفضل".
(٩) في ط: "من عمله وأوسع من علمه".
(١٠) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(١١) في ز وط (منطلق) والمثبت هو الصواب.
(١٢) في ط: "بالتكلم".
(١٣) "به" ساقطة من ط.
[ ١ / ١٩ ]
وأما إضافة الحمد إلى الله دون سائر أسمائه:
فقيل: لأن هذا الاسم معروف (١) عند الملائكة قبل خلق (٢) آدم وذريته.
وقيل: لأن هذا الاسم معروف (٣) عند جميع الخلائق.
وقيل: لأنه الاسم الذي (٤) إذا رفع من الأرض قامت الساعة؛ لقوله ﵇: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" (٥).
وقيل: لأنه الاسم الذي وقع به الإعجاز (٦)؛ لأنه لا يقدر أحد من الجبابرة أن يتسمى به، لقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٧) أي: هل تعلم أحدًا (٨) يتسمى باسمه أي: هل تعلم لهذا الاسم مسمى غير الله؟
وقيل: غير ذلك، وبالله التوفيق.
قوله: (الحمد لله) أي: الحمد ثابت، أو مستقر (٩)، أو كائن
_________________
(١) في ط: "هو المعروف".
(٢) المثبت من ط، ولم ترد: "خلق" في ز.
(٣) في ط: "هو المعروف".
(٤) "إذا" ساقطة من ط.
(٥) أخرجه الإمام مسلم عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقالُ في الأرض: الله الله"، كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان في آخر الزمان (١/ ٩١). وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة رقم الحديث العام ٢٢٠٨، (٦/ ٣٦٢) وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٠٧).
(٦) في ط: "الإعجاز به".
(٧) آية رقم ٦٥ من سورة مريم.
(٨) في ط: "له أحد".
(٩) في ط: "أو كائن أو مستقر".
[ ١ / ٢٠ ]
أو واجب لله ﷿، واللام في (الله) يحتمل: التخصيص، والاستحقاق والملك.
و(١) قوله: (لله) تقديره: على معنى التخصيص: الحمد مختص بالله ﷿، وتقديره على معنى الاستحقاق: الحمد مستحق لله ﷿، وتقديره على معنى الملك: الحمد مملوك لله ﷿؛ إذ هو المالك لجميع الأشياء.
و(٢) قوله: (ذي الجلال) أي، صاحب الجلال، وذو يؤتى به (٣) وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، وهو لازم الإضافة إلى الاسم (٤) الظاهر لفظًا ومعنى، ولا يضاف إلى مضمر وإنما يضاف إلى اسم جنس ظاهر، كقوله (٥): رجل ذو مال، ورجلان ذوا مال، ورجال (٦) ذووا مال.
قوله: (الجلال) يقال: جل يجل جلالًا وجلالة إذا عظم قدره.
وقوله: (الجلال) هذه الصفة هي من الصفات الجامعة لجميع صفات الباري جل وعلا.
قال شهاب الدين في القواعد السنيّة: من صفات الله ﵎ صفات جامعة لجميع صفات (٧) الله تعالى وهي: عزة الله، وجلاله وعلاؤه،
_________________
(١) "الواو" ساقطة من ط.
(٢) "الواو" ساقطة من ط.
(٣) في ط: "وذو اسم به".
(٤) "الاسم" ساقط من ط.
(٥) في ط: "كقولك".
(٦) في ط: "ذوا".
(٧) في ط: "صفاته".
[ ١ / ٢١ ]
وعظمته وكبرياؤه، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: جل الله بكذا، وجل الله عن كذا، فقولك: جل الله بكذا يندرج فيه جميع الصفات الثبوتية، وقولك: جل الله عن كذا يندرج فيه جميع الصفات السلبية، فيقال مثلًا: جل الله بعلمه، وقدرته، وإرادته، وغير ذلك من صفاته القديمة، ويقال أيضًا. جل الله ببدائع مصنوعاته، وغرائب مخترعاته وغير ذلك من الصفات الحادثة، و(١) قولك: جل الله عن الشريك، والصاحبة، والولد، والزمان، والمكان، وغير ذلك من صفات النقصان (٢)
و(٣) قوله: (ذي الجلال) أي الله ﷿ الذي (٤) ثبتت له صفات الجلال، ونعوت الكمال على الإطلاق والإجمال، من صفاته الثبوتية، والسلبية، القديمة، والحادثة عمومًا وشمولًا، سبحانه ﷿.
قوله: (الذي) هو اسم مبهم يؤتى به وصلة إلى اسم المعارف بالجمل؛ لأن الجمل في حكم النكرات لجريها (٥) نعتًا على النكرات كقولك: رأيت رجلًا يضر أخاه، تقديره: ضاربًا أخاه.
قوله (لا تدركه الغايات) يقال: الإدراك هو اللحوق والوصول إلى الشيء؛ لأنك تقول: أدرك فلانًا حاجته إذا لحقها ووصل إليها، ويقال:
_________________
(١) "الواو" ساقطة من ط.
(٢) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: الفروق للقرافي (٣/ ٥٢ - ٥٣) الفرق السادس والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك.
(٣) "الواو" ساقطة من ط.
(٤) "الذي" ساقطة من ط.
(٥) في ط: "بجريها".
[ ١ / ٢٢ ]
الإدراك بمعنى الإحاطة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) و(٢) معناه: لا تحيط بحقيقته الأبصار.
والغايات (٣): جمع غاية، وغاية الشيء حده وطرفه الذي ينتهي إليه ويقف (٤) عنده، والضمير في قوله: لا تدركه الغايات عائد على الإجلال في المعنى وهو الرابط بين الصلة والموصول.
فقوله (٥): (لا تدركه الغايات) تقديره على تفسير الإدراك باللحوق والوصول: جلاله (٦) لا تلحقه ولا تصل إليه الغايات، وتقديره على تفسير الإدراك بالإحاطة: جلاله لا تحيط به الغايات (٧).
وقوله (٨): (لا تدركه الغايات) أي (٩): ليس [لجلاله تعالى حد] (١٠) فيلحق أو يحاط به، فإسناد الإدراك إلى الغايات مجاز في الإسناد، من إسناد المسبب إلى السبب (١١)؛ لأن الغاية هي سبب الإدراك، فإذا انتفت الغاية انتفى
_________________
(١) آية رقم ١٠٣ من سورة الأنعام.
(٢) "الواو" ساقطة من ط.
(٣) المثبت من ط، وفي ز: "الغاية".
(٤) المثبت من ط، وفي ز: "يوقف".
(٥) في ط: "قوله".
(٦) "جلاله" لم ترد في ط.
(٧) في ط تقديم وتأخير بين هذين التقديرين.
(٨) في ط: "فقوله".
(٩) في ط: "معناه".
(١٠) المثبت من ط، وفي ز: "لجلال حد".
(١١) في ط: "مجاز هو من باب إسناد السبب إلى المسبب".
[ ١ / ٢٣ ]
الإدراك، ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: لا تدركه الغايات [على الله تعالى؛ لأن النظر] (١) في ذات الله ﵎ غاية لا تدرك؛ إذ لا يَعْرِفُ كيف هو إلا هو.
[قال في الرسالة:] (٢) "لا يبلغ كنه صفته الواصفون" (٣).
فالمراد بالصفة هنا: الذات [أي: لا يبلغ حقيقة ذاته] (٤) الواصفون.
قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) [يثبت في بعض النسخ بالألف بعد الواو] (٥) المفتوحة الخفيفة على أنه اسم من أسماء الله (٦) [ومعناه: الكثير العطاء] (٧)، ذكره ابن العربي (٨) في أحكام القرآن في
_________________
(١) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(٢) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٣) انظر: الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (ص ٥) ط محمد علي صبيح.
(٤) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٥) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٦) في ط: "لله تعالى".
(٧) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٨) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي، الأندلسي، الإشبيلي، المالكي، ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة (٤٦٨ هـ) في إشبيلية، رحل إلى الشام، والحجاز، وبغداد، ومصر، ثم عاد إلى الأندلس سنة (٤٩٣ هـ)، وقدم إلى إشبيلية وولي قضاءه، ثم انصرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم، وكان مقدمًا في المعارف كلها يجمع إلى ذلك اللين وكرم النفس، وممن أخذ عنه ابن بشكوال. توفي ﵀ سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (٥٤٣ هـ) ودفن في فاس، من مصنفاته: "أحكام القرآن"، "القبس"، "العواصم من القواصم"، وغيرها. انظر: الديباج ص ٢٨١ - ٢٨٣، نفح الطيب ٢/ ٢٥ - ٤٣، شذرات الذهب ٤/ ١٤١ - =
[ ١ / ٢٤ ]
سورة (١) الأعراف (٢).
وذكره أيضًا في سراج المريدين، وقال: ورد في الأحاديث الحسان وصف الله تعالى بأنه جواد لكثرة عطائه، وهو من صفات الفعل، وفي بعض الأحاديث: "إن الله جواد (٣) يحب الجود" (٤) (٥).
_________________
(١) = ١٤٢، جذوة الاقتباس القسم الأول ص ٢٦٠، وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٦.
(٢) في ط: "صورة"، والأولى أن يقول: في تفسير سورة الأعراف.
(٣) يقول ابن العربي في ذكره لأسماء الله تعالى: "الثالث والعشرون بعد المائة: جواد وهو الكثير العطاء" في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ آية ١٨٠ - سورة الأعراف. انظر: أحكام القرآن (٢/ ٨١٤).
(٤) كلمة: "جواد" لم ترد في ط.
(٥) أخرجه الترمذي قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر العقديّ حدثنا خالد ابن إلياس، ويقال: ابن إياس، عن صالح بن أبي حسان قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن الله طيبٌ يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا، أراه قال: أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود". انظر: سنن الترمذي كتاب الأدب، باب ما جاء في النظافة، رقم الحديث العام ٢٨٠٠، (٨/ ٣١ - ٣٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعف. وقال ابن حجر: "خالد بن إلياس أو إياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي متروك الحديث من السابعة". انظر: تقريب التهذيب (١/ ٢١١).
(٦) انظر: سراج المريدين لابن العربي (ورقة ١٧٧/ أ) مخطوط في خزانة ابن يوسف بمراكش رقم ٦٩٧. =
[ ١ / ٢٥ ]
وذكره الغزالي (١) في المقصد (٢) الأسنى (٣)، وفي [الفصل الثالث من] (٤) معراج (٥) السالكين (٦).
وذكره الزجاج (٧) في تفسير (٨) سورة الحشر (٩).
_________________
(١) هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي، الفقيه الشافعي، ولد سنة (٤٥٠ هـ) بطوس، رحل إلى الشام وبيت المقدس ومصر، ثم عاد إلى بيته في طوس، واتخذ مدرسة للمشتغلين بالعلم، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن والنظر في الأحاديث والتدريس والتهجد إلى أن توفي ﵀ في سنة خمس وخمسمائة (٥٠٥ هـ) في طوس. من أشهر مصنفاته: "المستصفى"، و"المنخول" في الأصول، و"الوسيط"، و"البسيط"، و"الوجيز" في الفقه، انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٦/ ١٩١ - ٣٨٩، وفيات الأعيان ٤/ ٢١٦، تبيين كذب المفتري ٢٩١ - ٣٠٦، شذرات الذهب ٤/ ١٠، مفتاح السعادة ٢/ ١٩١ - ٢١٠
(٢) في ط: "المفصل".
(٣) لم أجد في المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى المطبوع وصف الله تعالى بأنه جواد.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٥) المثبت من ط، وفي ز: "معارج".
(٦) لم أجد في معراج السالكين المطبوع وصف الله تعالى بأنه جواد.
(٧) هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجّاج، كان يخرط الزجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرِّد، وكان كسبه من الزجاج درهم ونصف في اليوم، ويعطي المبرد أجرة لتعليمه درهمًا لكل يوم إلى أن مات المبرد، ولما أخذ نصيبًا وافرًا من علم النحو بعثه شيخه إلى بني مارقة لكي يدرسهم النحو ولما أصبح القاسم وزيرًا اشتغل الزجَّاج عنده وحصل منه على مال كثير، توفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة (٣١١ هـ)، من مصنفاته: "معاني القرآن"، و"مختصر النحو"، و"الاشتقاق". انظر: بغية الوعاة ١/ ٤١١، ٤١٢، مفتاح السعادة ١/ ١٣٤.
(٨) "تفسير" ساقطة من ط.
(٩) لم أجد كتاب الزجاج.
[ ١ / ٢٦ ]
وذكره إمام الحرمين (١) في الإرشاد (٢).
فالجواد بفتح الجيم وتخفيف (٣) الواو هو: الثابت في اللغة والحديث، وأما بتشديد الواو فيصح [والله أعلم] (٤) على قول [القاضي أبي بكر (٥)] (٦) بأن
_________________
(١) هو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب يوسف ابن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيّوية الجويني، ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة (٤١٩ هـ) تفقه على يد والده، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، ثم رحل إلى بغداد والحجاز، ومكث بمكة والمدينة يفتي؛ ولهذا قيل: إمام الحرمين، ثم عاد إلى نيسابور، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ومن تلاميذه: الغزالي. توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٤٧٨ هـ)، من مصنفاته: "البرهان"، و"الورقات". انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١ - ٣٤٣، طبقات الشافعية ٥/ ١٦٥ - ١٧٢، شذرات الذهب ٣/ ٣٥٨ - ٣٦١، تبيين كذب المفتري ص ٢٧٨ - ٢٨٥، مفتاح السعادة ٢/ ٤٤٠.
(٢) يقول إمام الحرمين في الإرشاد (ص ١٥٣): "فالمجيد يقرب من الجواد، والجواد يمكن حمله على المنعم ويمكن حمله على المقتدر ويمكن حمله على الوجود والإنعام".
(٣) في ط: "بتخفيف الواو وفتح الجيم".
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٥) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ولد سنة (٣٣٨ هـ)، سكن بغداد، وانتهت إليه رئاسة المالكيين في وقته، وكان موصوفًا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب، وأما علم الكلام فكان أعرف الناس به، توفي سنة (٤٠٣ هـ)، من مصنفاته: "التقريب والإرشاد"، و"إعجاز القرآن". انظر: الديباج المذهب ص ٢٦٧، تاريخ بغداد ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٢، وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٩، شذرات الذهب ٣/ ١٦٨.
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
[ ١ / ٢٧ ]
أسماء الله تعالى اشتقاقية، فيسمى [الله تعالى] (١) به مبالغة [في وصفه بالجود] (٢).
ويثبت في بعض النسخ بضم الجيم من غير ألف بعد الواو على أنه مصدر.
والجود في اللغة معناه: السيلان، يقال: جاد المطر يجود جودًا (٣).
قال صاحب العين: يقال: أجاد (٤) الرجل وجود، وجاد جودًا، فهو جواد (٥).
وقال أبو العباس ثعلب (٦) في باب المصادر: رجل جواد بيِّن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٣) انظر: لسان العرب مادة (جود) والقاموس المحيط فصل الجيم باب الدال مادة (جود).
(٤) في ط: "جاد".
(٥) يقول الفراهيدي في العين (٦/ ١٦٩): جاد الشيء يجود فهو جيد، وجاد الفرس يجود جودة فهو جواد، وجاد الجواد من الناس يجود جودًا وقوم أجواد.
(٦) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي المعروف بثعلب، ولد سنة مائتين (٢٠٠ هـ)، سمع ابن الأعرابي والزبير بن بكار، وهو إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر مشهورًا بالحفظ والمعرفة بالعربية، روى عنه الأخفش الأصغر، وابن الأنباري، توفي سنة (٢٩١ هـ)، من مصنفاته: "الفصيح"، "شرح ديوان زهير"، "شرح ديوان الأعشى"، "مجالس ثعلب"، "المصون"، "اختلاف النحويين"، "إعراب القرآن". انظر: إنباه الرواة ١/ ١٣٨ - ١٥١، وفيات الأعيان ١/ ١٠٢ - ١٠٤، تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٤ - ٢١٢، شذرات الذهب ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨، تذكرة الحفاظ ص ٢١٤، معجم الأدباء ٥/ ١٠٢ - ١٤٦، بغية الوعاة ١/ ٣٩٦ - ٣٩٨.
[ ١ / ٢٨ ]
الجود (١).
وقال ابن هشام (٢): الجود: الكرم (٣).
ونسخة المصدر أولى من نسخة الاسم، ليتوافق (٤) التعبير في الجملتين بالمصدر، وأيضًا التعبير بالمصدر أولى من التعبير بالاسم؛ لأن المصدر جنس.
و(٥) قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) (٦) هذه الجملة (٧) مكررة للتي قبلها للتأكيد؛ لأن الإدراك هو: اللحوق، والغايات هو: النهايات.
قوله: (لا تلحقه) الضمير المنصوب عائد على "الذي" وهو: الرابط بين الصلة والموصول، و"الذي" نعت للجود أو للجواد على النسختين
_________________
(١) انظر: فصيح ثعلب، المطبوع ضمن مجموع الطرق الأدبية ص ٢٩.
(٢) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن هشام أبو عبد الله الفهري، الذهبي، يعرف بابن الشواش، أخذ النحو عن الجزولي، وعن أبي عبد الله بن الفراس وغيرهما، وجلس للإقراء والتحديث، ودرس النحو واللغة، وكان إمامًا متواضعًا بارع الخط مستوعبًا للشعر الجاهلي والإسلامي، توفي ﵀ سنة تسع عشرة وستمائة (٦١٩ هـ). من مصنفاته: "شرح الفصيح لثعلب"، "شرح مقصورة ابن دريد" وهو مطبوع، "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان"، "الفصول والجمل في شرح أبيات الجمل". انظر: بغية الوعاة للسيوطي ١/ ٢٨، هدية العارفين ٢/ ٩٧.
(٣) انظر: شرح الفصيح ص ٢٧ مخطوط مصور فلميًا في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم ٢٤١ لغة.
(٤) في ط: "فيتوافق".
(٥) "الواو" ساقطة من ط.
(٦) "لا تلحقه النهايات" لم ترد في ط.
(٧) في ط: "المسألة".
[ ١ / ٢٩ ]
المذكورتين.
قال صاحب الأفعال: يقال: لحقت الشيء لحوقًا ولِحَاقًا وألحقته (١) إذا أدركته (٢).
قوله (٣): (الذي (٤) أنزل الرسالة) أي: الذي (٥) أنزل القرآن العظيم، وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وورد (٦) في القرآن أنزل ونزّل (٧) بالهمزة والتضعيف (٨)، قال الله ﷿ (٩): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١٠)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (١١)، وقال أيضًا (١٢): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (١٣)، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (١٤).
_________________
(١) في ط: "وألحقت".
(٢) انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية/ ص ٩١.
(٣) "قوله" ساقطة من ط.
(٤) في ط: "والذي".
(٥) "الذي" ساقطة من ط.
(٦) في ط: "ورد".
(٧) في ط: "نزل وأنزل".
(٨) في ط: "وبالتضعيف".
(٩) في ط: "قال تعالى".
(١٠) آية رقم ١ من سورة القدر.
(١١) آية رقم ٣ من سورة الدخان، وهي لم ترد في ط.
(١٢) "أيضًا" ساقطة من ط.
(١٣) آية رقم ١ من سورة الفرقان.
(١٤) آية رقم ٢٣ من سورة الزمر.
[ ١ / ٣٠ ]
واختلف العلماء في أنزل ونزل (١).
قيل: بالترادف.
وقيل: معنى أنزل: ما كان دفعة واحدة، ومعنى نزل: ما كان منجمًا مقسطًا؛ وذلك أن الله تعالى أنزله (٢) في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزله بعد ذلك [على النبي ﵇] (٣) منجمًا مقسطًا على قدر (٤) الحاجة (٥)
وقوله (٦): (أنزل (٧) الرسالة) المراد بالإنزال الإدراك والإفهام، وليس المراد به الانتقال من علو إلى سفل؛ لأن نقل ذات الكلام محال لا (٨) في الكلام القديم ولا في الكلام الحادث؛ لأن الكلام القديم صفة الله ﵎، وصفاته (٩) لا تفارق ذاته، ولا يتصور النقل في الكلام الحادث، أيضًا: لأنه عرض من الأعراض، والأعراض لا يصح عليها الانتقال؛ لأن
_________________
(١) في ط: "في نزل وأنزل".
(٢) في ط: "مقسطًا لأنه أنزله".
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٤) في ط: "مقدار".
(٥) يقول القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل ﷺ ينزل به نجمًا، نجمًا، في الأوامر والنواهي، والأسباب، وذلك في عشرين سنة". انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٧).
(٦) "وقوله" ساقطة من ط.
(٧) في ط: "وأنزل".
(٨) "لا" ساقطة من ط.
(٩) في ط: "وصفته".
[ ١ / ٣١ ]
الانتقال من خواص الأجسام.
قال أبو المعالي في الإرشاد: المعنى بالإنزال أن جبريل ﵇ أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سموات، ثم نزل (١) إلى الأرض وأفهم الرسل ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام (٢)، فإذا قال القائل: نزلت رسالة الملك من القصر لم يرد بذلك انتقال أصواته وانتقال كلامه القائم (٣) بنفسه. انتهى (٤).
_________________
(١) في ط: "أنزل".
(٢) يفهم من كلام المؤلف وكلام أبي المعالي: أن الكلام المنزل هو عبارة عن كلام الله، وهذا خلاف مذهب السلف. يقول شارح الطحاوية في بيان مذهب السلف والرد على من قاك: إن المنزل هو عبارة عن كلام الله: "وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو: مكتوب له مرسوم، وهو: حقيقة في هذه الوجوه، لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه. فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارِئ كلام الله، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ولم يقل: حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقة، ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله، أو حكاية كلام الله وليس فيه كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالًا". انظر: شرح الطحاوية ص ١٢٦.
(٣) في ط: "القديم".
(٤) انظر: الإرشاد لأبي المعالي الجويني فصل معنى إنزال كلام الله تعالى (ص ١٣٥).
[ ١ / ٣٢ ]
قوله (١): (المشتملة) (٢) أي: المحتوية على الخيرات، أي: على المصالح والمنافع العاجلة والآجلة، فمثال مصالح الدنيا: المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمنكوحات، وسائر المتمولات، ومثال مصالح الآخرة: كالصلاة، والزكاة، والصدقات، والدعوات، وسائر القربات.
قوله: (الخيرات) مفرده: خيرة، وأصله: خيورة (٣) بتقديم الياء (٤) على الواو نحو ميت وهين.
قاله مكي (٥) في قوله تعالى (٦): ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ (٧) [وأصله] (٨):
_________________
(١) "قوله" ساقطة من ط
(٢) في ط: "والمشتملة".
(٣) في ط: "خيرة".
(٤) المثبت من ط، وفي ز: "الواو".
(٥) هو أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حموش بن محمد بن مختار القيسي النحوي، المقرئ، المالكي، أصله من القيروان، ولد سنة (٣٥٥) هـ، أكمل القراءات سنة ٣٧٧ هـ وتنقل بين مصر والقيروان ومكة، ورحل إليها رحلات متعددة، ثم رحل إلى الأندلس سنة ٣٩٣ هـ واستقر به المقام هناك وجلس للإقراء بجامع قرطبة وخطب به، وكان خيّرًا فاضلًا، ومن أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، توفي ﵀ سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (٤٣٧ هـ)، من مصنفاته: العمدة في "غريب القرآن"، و"إعراب القرآن". انظر: إنباه الرواة ٣/ ٣١٣ - ٣١٥، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٨، الديباج ص ٣٤٦، شذرات الذهب ٣/ ٢٦٠، مرآة الجنان ٣/ ٥٧، معجم الأدباء ١٩/ ١٦٧ - ١٧١، النجوم الزاهرة ٥/ ٤١.
(٦) "تعالى" لم ترد في ط.
(٧) آية رقم ٧٠ من سورة الرحمن.
(٨) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
[ ١ / ٣٣ ]
خيّرات على وزن فيعلات (١) فخفف (٢) (٣).
وقوله (٤): (الدنيويات والأخرويات) هي: [جمع دنيا وأخرى.
وفي] (٥) كيفية (٦) هذا النسب ثلاثة أوجه:
إما قلب ألف التأنيث (٧) واوًا وهو: [المختار.
وإما قلب الألف أيضًا] (٨) واوًا مع (٩) زيادة الألف قبل الواو.
وإما حذف ألف التأنيث [وتباشر الكلمة ياء النسب] (١٠).
قوله: (وأيدها بالمعجزات الباهرات) التأييد معناه: التقوية والنصر (١١)، والضمير (١٢) عائد على الرسالة، قال ﵎: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
_________________
(١) في ط: "فعلان".
(٢) "فخفف" ساقطة من ط.
(٣) انظر: مشكل إعراب القرآن (٢/ ٣٤٧).
(٤) "الواو" ساقطة من ط.
(٥) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٦) في ط: "كيفيات".
(٧) في ط: "الثانية".
(٨) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(٩) "مع" ساقطة من ط.
(١٠) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(١١) قال في القاموس المحيط: "وأيدته تأييدًا فهو مُؤْيدٌ ومؤَيّدٌ قَويّتُه". انظر: القاموس مادة (أيد).
(١٢) "والنصر والضمير" ساقطة من ز، وفي ط: "والضمير في قوله: (وأيدها) عائد على الرسالة".
[ ١ / ٣٤ ]
الْقُدُسِ﴾ (١)، وقال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٢) أي: قويته (٣) وقويتك.
وقوله (٤): (بالمعجزات) جمع (٥) معجزة (٦)، وهو اسم فاعل من أعجز إعجازًا فهو: معجز، والمعجزات والآيات بمعنى واحد.
وحقيقة المعجزة: عبارة عن الفعل الحادث الخارق للعادة الظاهر على يد مدعي النبوة الدال على صدق مدعيها (٧)، وسميت معجزة؛ لأنها أعجزت الخلق عن الإتيان بمثلها.
[وقوله: (بالمعجزات)، أراد] (٨) بالمعجزات (٩): المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة ما في نفس القرآن من وجوه الإعجاز، والمنفصلة [هي: التي انفصلت] (١٠) عن الرسالة (١١) كانشقاق القمر (١٢)،
_________________
(١) سورة البقرة آية رقم (٢٥٣).
(٢) سورة المائدة آية رقم (١١٠)، ولم ترد هذه الآية في ز.
(٣) في ط: "أي قويناه".
(٤) "قوله" ساقطة من ط.
(٥) في ز وط "جمع مفرده معجزة".
(٦) في القاموس المحيط: ومعجزة النبي - ﷺ - ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء للمبالغة. انظر: مادة (عجز).
(٧) انظر: شرح الطحاوية ص ٥٥٨.
(٨) ما بين القوسين ساقط من ط.
(٩) في ط: "وبالمعجزات".
(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(١١) "عن الرسالة" ساقط من ط.
(١٢) قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته. =
[ ١ / ٣٥ ]
ونطق (١) العجماء (٢) وتكثير القليل (٣) ونبع الماء (٤) من بين أصابعه ﵇، وغير ذلك.
_________________
(١) = وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله - ﷺ -: "اشهدوا" رواه البخاري في كتاب التفسير، سورة اقتربت الساعة (٣/ ١٩٤).
(٢) في ز: "ومنطق".
(٣) كما ورد في نطق الذئب، والظبي، والضب، والجمل. انظر تفصيل ذلك في كتاب الشفا (١/ ٣٠٩ - ٣١٦).
(٤) أخرج البخاري في باب علامات النبوة (٢/ ٢٧٥) عن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله - ﷺ - في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله - ﷺ - "أرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام؟ " فقلت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: "قوموا"، فانطلق، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله - ﷺ - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - ﷺ -، فأقبل رسول الله - ﷺ - وأبو طلحة معه، فقال رسول الله - ﷺ -: "هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ " فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله - ﷺ -، ففت وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله - ﷺ - فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوا سبعون أو ثمانون رجلًا".
(٥) الأحاديث التي ورد فيها نبع الماء كثيرة؛ منها: ما رواه مسلم عن أنس "أن النبي - ﷺ - دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه". انظر: صحيح مسلم (٧/ ٥٩).
[ ١ / ٣٦ ]
وقوله: (بالمعجزات)، أي: بالآيات والأفعال التي تعجز (١) البشر عن المعارضة والإتيان بمثلها، ونسبة الإعجاز إلى الآيات والأفعال مجاز؛ لأن المعجز (٢) هو الله ﵎؛ لأنه فاعل المعجزات وخالقها (٣).
وقوله (٤): (الباهرات)، أي: الغالبات القاهرات للكفار؛ لأنهم مغلوبون بها عن معارضتها والإتيان بمثلها، يقال: بهره ويبهره (٥) إذا غلبه، يقال (٦): بهر ضوء القمر (٧) ضوء الكواكب أي: غلبه (٨).
وقوله (٩): (وأيدها) (١٠) بالمعجزات الباهرات)، تقديره: وقوى الله تبارك (١١) وتعالى الرسالة التي (١٢) هي القرآن العظيم بالآيات الغالبات للكفار، كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، [وتكليم الذراع له عليه
_________________
(١) في ط: "يعجز".
(٢) في ز وط: "المعجز في الحقيقة".
(٣) في ز: "فاعل العجز وخالقه"، وفي ط: "فاعل المعجز وخالقه". قد يفهم من قول المؤلف هذا أن القرآن مخلوق؛ لأن المعجزات من القرآن، والأولى أن يقول: فاعل المعجزات ومنزلها.
(٤) "وقوله" ساقطة من ط.
(٥) في ز: "فيبهره".
(٦) المثبت من ز، ولم ترد: "يقال" في الأصل، وفي ط: "ويقال".
(٧) في ز: "على ضوء".
(٨) في القاموس المحيط: "انبهر وبُهرَ كعُنْي فهو مبهور وبهير والبَهْرُ الإضاءة كالبهور والغلبة" إلى أن قال: "وبَهَرَ القمرَ كَمَنَعَ غلب ضَوءُهُ ضَوءَ الكواكب" مادة (بهر).
(٩) "وقوله" ساقطة من ط.
(١٠) في ط: "وأيدها المسألة".
(١١) "تبارك" لم ترد في ط.
(١٢) في ط: "الذي".
[ ١ / ٣٧ ]
السلام] (١) وغير ذلك.
وقوله: (المعجزات (٢) الباهرات)، يقتضي ظاهره (٣): أن هناك (٤) معجزات (٥) غير باهرة (٦)، وليس كذلك، بل كل معجزة غالبة؛ ولأجل ذلك سميت معجزة؛ لأجل إعجازها وغلبها، فيحتمل أن يكون وصف المعجزات بالباهرات: وصف تأكيد لا وصف تقييد، فلا مفهوم له على هذا، ويحتمل: أن ينبه بقوله: (الباهرات): على أن معجزات (٧) النبي ﵇ أبهر وأغلب من سائر معجزات الأنبياء ﵈؛ لكثرة معجزات محمد ﵇ (٨)، وبقاء بعضها إلى يوم القيامة وهو القرآن العظيم؛ إذ معجزات (٩) محمد ﵇ أكثر من سائر معجزات الأنبياء ﵈ (١٠)، والقرآن العظيم من معجزاته، وهو لا يندرس إلى يوم
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٢) "قوله: المعجزات" ساقط من ط.
(٣) "ظاهرة" ساقطة من ط.
(٤) في ز وط: "هناك".
(٥) في ط: "معجزة".
(٦) في ز: "غير باهرات أي: غالبات".
(٧) في ز: "معجزة".
(٨) في ط: "النبي محمد - ﷺ - ".
(٩) في ز: "النبي".
(١٠) قال القاضي عياض بعد ذكره تقسيم المعجزة إلى ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر، وضرب هو خارج عن قدرتهم فقال: "واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا - ﷺ - ودلائل نبوته وبراهن صدقه من هذين النوعين معًا، وهو أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهانًا، وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط، فإن واحدًا منها وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر". انظر: الشفا ١/ ٢٥٣.
[ ١ / ٣٨ ]
القيامة (١)، وأما معجزات سائر (٢) الأنبياء ﵈ فقد اندرست بموتهم.
قوله (٣): (الباهرات) على هذا الألف واللام (٤) فيه من العهدية التي يشار بها إلى معنى (٥) مهم (٦) اختص به المذكور، كقول العرب: لقيت اليوم الخيل، ورأيت الرجال، يريدون أحق الخيل بان تسمى خيلًا، وأحق الرجال بأن يسموا رجالًا، فالاسم في حقهم حقيقي، وفي غيرهم مجازي (٧)، فمعجزات محمد (٨) ﵇ على هذا: هي (٩) أحق بأن تسمى باهرات، [وهي: أولى من أن تسمى غالبات] (١٠).
[وأيد هذه المسألة قول بعضهم: المعجزات المنفصلة لم تثبت (١١) بالتواتر، والقرآن ثابت بالتواتر، فهي (١٢) أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى.
_________________
(١) الصحيح أن القرآن لا يندرس أبدًا، بل يرفع؛ فمنه بدأ وإليه يعود.
(٢) "سائر" ساقطة من ط.
(٣) في ز: "فقوله"، وفي ط: "قوله".
(٤) في ط: "الألف واللام على هذا فيه".
(٥) في ط: "متكلم".
(٦) في ز وط: "مبهم".
(٧) في ط: "مجاز".
(٨) في ز: "النبي".
(٩) "هي" ساقطة من ط، وفي ز: "المعنى".
(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(١١) في ز: "قوله: وأيدها بالمعجزات، قال بعضهم: المنفصلة له لم تثبت " إلخ وفيه خلل.
(١٢) المثبت من ز، وفي ط: "فهو".
[ ١ / ٣٩ ]
فهذا لا نسلمه، أما كونه لم تثبت بالتواتر والقرآن ثابت بالتواتر فهو أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى فهذا لا نسلمه، أما كونه (١) لم تثبت (٢) بالتواتر، فإنها ثبتت بالتواتر المعنوي، وأما قوله: لا يقوي الأضعف الأقوى فلا نسلمه (٣).
فقد قال شهاب الدين - في شرح المحصول -: قولهم: الأضعف لا يقوي الأقوى غير متجه، بل يقوي الظن الحاصل، فالأقوى كما لو شهد أربعة ثم شهد خامس فإن الظن يقوى ويتأكد بالضرورة (٤)] (٥).
قوله (٦): (وجعلنا أهلًا لشرف ذلك الاقتضاء).
[قوله: وجعلنا] (٧) هذه الجملة معطوفة على قوله: (أنزل الرسالة) (٨)، ومعنى (٩) (جعلنا): صيرنا.
قوله (١٠). (أهلًا) أي: مستحقين (١١).
_________________
(١) من قوله: "أما كونه" إلى قوله: "أما كونه" ساقط من ز، والأولى أن يقال: "أما كونها".
(٢) في ز: "قوله لم تثبت".
(٣) في ز: "فلا نسلمه أيضًا".
(٤) لم أجد هذا النقل في النفائس.
(٥) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(٦) في ط: "نص".
(٧) (قوله: وجعلنا) ساقط من ط.
(٨) في أ: "الرسالات".
(٩) في ز وط: "وقوله".
(١٠) في ط: "وقوله".
(١١) في ز: "أي: صيرنا، أهلًا؛ أي: مستحقين " إلخ.
[ ١ / ٤٠ ]
وقوله: (لشرف) أي: لعلو ورفعة ذلك الاقتضاء، أي: ذلك الطلب؛ لأن الاقتضاء افتعال (١) من الطلب؛ لأن الله تعالى طالبنا (٢) من هذه الرسالة بأمرين (٣): بتلاوتها (٤)، والعمل بمقتضاها.
وقوله: (أهلًا) يقال: أهّلك الله للخير أي جعلك له أهلًا أي مستحقًا (٥).
قوله (٦): (لشرف) الشرف (٧) معناه: العلو والرفعة، يقال: شرف الرجل شرفًا (٨) إذا علا في دين أو دنيا (٩).
وقوله (١٠): (ذلك) الإشارة (١١) تعود في المعنى على الرسالة.
وقوله: (الاقتضاء) (١٢) هو: نعت "لذلك" (١٣) أو بدل منه، أو عطف
_________________
(١) في ط: "الافتعال".
(٢) في ز وط: "طلبنا".
(٣) في ط: "أمرين".
(٤) في ط: "تلاوتها".
(٥) قال في القاموس: وهو أهل لكذا مستوجب للواحد والجميع، وأهّله لذلك تأهيلًا وآهله: رآه له أهلًا واستأهله: استوجبه. انظر: مادة (أهل).
(٦) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(٧) في ط: "ولشرف والشرف".
(٨) في ز: "بشرف".
(٩) قال الفيروزآبادي: الشرف محركة: العلو والمكان العالي والمجد. انظر: مادة (شرف).
(١٠) "قوله" ساقطة من ط.
(١١) في ز: "فالإشارة"، وفي ط: "إشارة".
(١٢) في ز وط: "الاقتضاء معناه: الطلب، وهو نعت إلخ".
(١٣) قال ابن يعيش في شرح المفصل (٢/ ٥٧): "وأما أسماء الإشارة فتوصف ويوصف =
[ ١ / ٤١ ]
بيان عليه.
قوله (١): (لشرف ذلك الاقتضاء) هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، تقديره: وجعلنا أهلًا لذلك الاقتضاء الشريف، فالشرف: صفة للاقتضاء (٢)، والاقتضاء: موصوف.
ومثال إضافة الصفة إلى موصوفها (٣) قول الشاعر:
إنّا محيوكِ يا سلمى فحيينا وإن سَقيتِ كِرامَ القومِ فاسْقِينَا (٤)
تقديره: وإن سقيت القوم الكرام.
قوله (٥): (وجعلنا أهلًا لشرف ذلك الاقتضاء) (٦) سبكه: وجعلنا الله
_________________
(١) = بها، فتوصف لما فيها من الإبهام، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا، وأشرت إلى حاضر، وكان هناك أنواع من الأشخاص التي يجوز أن تقع الإشارة إلى كل واحد منها فيبهم على المخاطب إلى أي الأنواع وقعت الإشارة؟ فتفتقر حينئذ إلى الصفة للبيان". فيتبين من كلام ابن يعيش أنه يجوز أن يوصف اسم الإشارة، فعلى هذا يجوز أن يكون الاقتضاء نعت لاسم الإشارة ذلك.
(٢) في ز: "وقوله".
(٣) في ط: "الاقتضاء".
(٤) في ز: "إلى الموصوف".
(٥) قائل هذا البيت هو بشامة بن حَزْن النهشلي، وهو مطلع لقصيدته النونية يقول: إنا مُسَلِّمونَ عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام وسقيتيهم فأجرينا مجراهم، فإنا منهم. الاستشهاد فيه في قوله: كرام الناس، أضاف الصفة إلى الموصوف. انظر: شرح شواهد العيني المطبوع مع خزانة الأدب للبغدادي ٣/ ٣٧٠، وكذلك شرح ديوان الحماسة للمرزوقي تحقيق أحمد أمين، وعبد السلام هارون، القسم الأول (ص ١٠٠).
(٦) "قوله" ساقطة من ط.
(٧) في ط: "وجعلنا أهلًا المسألة".
[ ١ / ٤٢ ]
مستحقين (١) للعمل بمقتضى ذلك الطلب الشريف، أي: بمقتضى الرسالة، أي: بمقتضى (٢) القرآن العظيم.
و(٣) قوله: (وجميل تلك المناجاة):
قال صاحب الأفعال: جمل (٤) الشيء جمالًا أي تم حسنه (٥).
والمناجاة لغة هي: المساررة.
قال صاحب الأفعال: يقال: نجوتُ الرجل نجوًا (٦) أي (٧): ساررته (٨).
ومنه قوله تعالى (٩): ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (١٠)، وقوله (١١): ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١٢)، وقال (١٣):
_________________
(١) في ز: "وجعلنا مستحقين".
(٢) في ط: "الذي هو القرآن العظيم".
(٣) "الواو" ساقطة من ز، "وقوله" ساقطة من ط.
(٤) في ز وط: "يقال: جمل".
(٥) انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية حرف الجيم (ص ٥٠).
(٦) في ط: "نجوت نجوا الرجل".
(٧) "أي" ساقطة من ز وط.
(٨) انظر: المصدر السابق: (ص ١١٥).
(٩) "تعالى" لم ترد في ط.
(١٠) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ..﴾ الآية، سورة المجادلة آية رقم ١٢.
(١١) في ط: "وقوله تعالى".
(١٢) سورة المجادلة آية رقم ٩، وقد وقع خلط بين الآيتين في ز.
(١٣) في ز وط: "وقوله".
[ ١ / ٤٣ ]
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ (١).
فحقيقة المناجاة لغة هي: المساررة، وهي: مكالمة الرجل أخاه بما يُسِره عن غيره.
وحقيقة المناجاة شرعًا: إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكر الله تعالى، وتلاوة كتابه في الصلاة، قاله عياض في الإكمال (٢).
وقيل: حقيقة المناجاة شرعًا: هي القرب من الله تعالى (٣) قرب قبول ورضى ومحبة، لا قرب مسافة وجهة.
وها هنا ثلاثة ألفاظ هي (٤):
المناجاة، والتناجي، والنجوى.
فالمناجاة معناها: المساررة بين اثنين فأكثر من غير تراجع.
والتناجي معناه (٥): المساررة بين اثنين فأكثر مع التراجع (٦)
_________________
(١) قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ سورة طه آية رقم ٦٢. وقال تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ سورة الأنبياء آية رقم ٣. وفي ز وط: "وقوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ٨٠ من سورة يوسف، وقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ٥٢ سورة مريم".
(٢) انظر: إكمال المُعْلم بفوائد صحيح مسلم للقاضي عياض كتاب الصلاة (ص ١٥٧) وهو مخطوط موجَود بالمكتبة العامة بالرباط برقم ج ٩٣٣.
(٣) "تعالى" لم ترد في ز.
(٤) في ز وط: "وهي".
(٥) في ز وط: "معناها".
(٦) في ط: "المراجعة".
[ ١ / ٤٤ ]
والنجوى معناها (١) المساررة (٢) بين اثنين فأكثر بتراجع أو بغير تراجع.
فالنجوى أعم من [المناجاة والتناجي.
قوله (٣): (وجميل تلك المناجاة) هي (٤) أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما تقدم في الجملة] (٥) التي قبلها، تقديره: وجعلنا أهلًا لتلك المناجاة الجميلة (٦).
وقوله: (المناجاة) نعت لـ "تلك" أو بدل، أو عطف بيان، كم تقدم في الجملة التي قبلها.
وقوله: (٧) (المناجاة) المراد هنا بالمناجاة: تلاوة (٨) القرآن (٩)، أي: وجعلنا أهلًا لتلك التلاوة أو القراءة (١٠) الجميلة.
انظر تقديم جملة الاقتضاء على جملة المناجاة، يحتمل أن يكون المصنف فعل ذلك: تقديمًا للمقصد على الوسيلة؛ لأن التلاوة وسيلة إلى الفهم، والفهم وسيلة إلى العمل بمقتضى الخطاب.
_________________
(١) في ز: "هي".
(٢) في ز: "المسرارة".
(٣) "قوله" ساقطة من ط.
(٤) في ط: "هو".
(٥) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(٦) المثبت من ز وط، ولم ترد كلمة: "الجميلة" في الأصل.
(٧) "قوله" ساقطة من ط.
(٨) في ط: "المراد بها تلاوة".
(٩) المثبت من ز، وفي الأصل: "النبي".
(١٠) في ط: "والقراءة".
[ ١ / ٤٥ ]
[قوله (١): (وفضلنا بها وفيها على سائر الفرق والعصابات):
معنى قوله: (وفضلنا بها) أي: وفضلنا بخطاب (٢) الرسالة، أي: بالمخاطبة بها، أي: بالمطالبة بالعمل بما فيها.
وقوله (٣): (وفيها) أي: وفضلنا أيضًا فيها، أي: في الرسالة، أي: ذكر الله تعالى تفضيلنا في الرسالة، وذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) فنص الله ﵎ في هذه الآية الكريمة على تفضيلنا على سائر الأمم.
قال المؤلف في الشرح (٥): فلو (٦) لم ينزل الله تبارك (٧) وتعالى هذه الآية في القرآن لكنا مفضلين بها لا فيها (٨)] (٩).
قوله (١٠): (وفضلنا بها وفيها) (١١) هو (١٢): تكرار في المعنى
_________________
(١) "قوله" ساقطة من ط.
(٢) في ط: "المخاطب".
(٣) "وقوله" ساقطة من ط.
(٤) آية رقم ١١٠ من سورة آل عمران.
(٥) في ط: "في شرحه".
(٦) في ط: "ولو".
(٧) "تبارك" لم ترد في ط.
(٨) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص ٣.
(٩) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(١٠) "قوله" ساقطة من ط.
(١١) "وفيها" ساقطة من ز وط.
(١٢) "هو" ساقطة من ط.
[ ١ / ٤٦ ]
لقوله: (وجعلنا أهلًا لشرف ذلك الاقتضاء).
وقوله (١): (فيها) إشارة إلى قوله (٢) تعالى (٣): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) هذا على القول بأن المراد بالأمة في الآية: جميع أمة محمد ﵇، وأما القول بأن المراد بالأمة: أمة معينة، وهم: الصحابة رضوان الله عليهم فلا يتجه الاستدلال (٥).
فإذا قلنا: المراد (٦) بالأمة جميع (٧) أمة محمد ﵇ (٨)، فاختلف في "كان" مِنْ (٩) قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾:
قيل: المراد بها كان التي تقتضي الدوام، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٠) أي: لم يزل الله غفورًا رحيمًا.
وقيل: المراد بها أصلها الذي هو: اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، معناه: كنتم في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ خيرَ الأمم.
قوله (١١): (على سائر الفرق والعصابات) (١٢) يحتمل أن يريد
_________________
(١) "قوله" ساقطة من ط.
(٢) في ز: "لقوله".
(٣) "تعالى" لم ترد في ط.
(٤) آية رقم ١١٠ من سورة آل عمران.
(٥) في ز: "فيه الاستدلال"، وفي ط: "بها الاستدلال".
(٦) في ز: "بالمراد".
(٧) في ز: "أمته".
(٨) في ط: " - ﷺ - ".
(٩) في ز: "في".
(١٠) آية رقم ٩٦ من سورة النساء.
(١١) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(١٢) "والعصابات" ساقطة من ط.
[ ١ / ٤٧ ]
بالسائر (١): الباقي، وهو: مأخوذ من السؤر الذي هو بقية الشيء (٢)، ويحتمل أن يريد به: الجميع مأخوذ من سور المدينة (٣)، وهو أنسب لهذا (٤) الموضع.
تقديره على المعنى الأول: وفضلنا بها وفيها على باقي الفرق والعصابات (٥)، وتقديره على الثاني: وفضلنا بها وفيها على جميع الفرق والعصابات.
قوله (٦): (الفرق) (٧) جمع فرقة.
وقوله: (العصابات) (٨) جمع عصابة.
والفرقة أكثر من العصابة، كأنه يقول: وفضلنا بها (٩) على الأمم الكثيرة، والأمم (١٠) القليلة.
_________________
(١) في ز: "بسائر".
(٢) في لسان العرب (٤/ ٣٨٧): "أسأرت سؤرًا أي: أفضلت فضلًا". انظر: مادة (سور).
(٣) السور حائط المدينة، مذكر، انظر: لسان العرب مادة (سور).
(٤) في ز: "بهذا".
(٥) "والعصابات" ساقطة من ط.
(٦) "قوله" ساقطة من ط.
(٧) في ط: "والفرق".
(٨) في ز وط "والعصابات".
(٩) في ز: "بها وفيها".
(١٠) "الأمم" ساقطة من ز.
[ ١ / ٤٨ ]
قال [أبو عبد الله الزبيدي (١)] (٢) - فى مختصر العين -: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة. انتهى (٣).
وقال صاحب فقه اللغة في ترتيب جماعات (٤) الناس وتدريجها من القلة إلى الكثرة: نفر، ورهط، ولُمّة، وشرذمة، ثم جيل (٥)، وعصبة، وطائفة ثم ثبة، وثُلّة، وفوج، وفرقة. انتهى (٦).
فالفرقة إذًا أكثر من العصبة (٧) ومن الطائفة، فمن فسر الفرقة في كلام المؤلف بالطائفة فقد أخطأ الحقيقة، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (٨) فالفرقة أكثر من الطائفة.
_________________
(١) الصواب: "أبو بكر الزبيدي" وهو محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج بن محمد ابن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي، نزيل قرطبة، أخذ العربية عن أبي علي القالي، وأبي عبد الله الرباحي، كان واحد عصره في علم النحو، وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وكان شاعرًا كثير الشعر. توفي ﵀ سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بإشبيلية، من مصنفاته "مختصر العين"، "طبقات النحويين"، "الواضح"، "لحن العامة". انظر: بغيه الوعاة ١/ ٨٤، ٨٥، إنباه الرواة ٣/ ١٠٨، ١٠٩، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ٢/ ٩٢، معجم الأدباء ١٨/ ١٧٩ - ١٨٤، وفيات الأعيان (٤/ ٣٧٢).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٣) انظر: مختصر العين ص ٤١، مخطوط بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم ٨٤٩٨ فلم.
(٤) في ز وط: "جماعة"
(٥) في ط: "قليل ثم عصبة".
(٦) انظر: فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي الباب الحادي والعشرين (ص ٢٢٥).
(٧) في ط: "عصبة".
(٨) سورة التوبة آية رقم ١٢٢.
[ ١ / ٤٩ ]
وقوله (١): (وصلواته (٢) الطيبات الزاكيات على أفضل المخلوقات):
لما ذكر المؤلف الثناء على الله ﵎ شكرًا منه على إنعامه، أردف ذلك بالصلاة على محمد ﵇؛ لأن شأن الخطب (٣) أن يبدأ فيها بالثناء على الله تعالى (٤)، ثم يثنى فيها بالصلاة على محمد ﵇.
والصلاة على محمد - ﷺ - (٥) ها هنا فيها (٦) خمسة مطالب:
ما حكمها؟ و(٧) ما الأصل فيها؟ وما أقسامها؟ وما موضع استحبابها؟ وكراهيتها؟ ومن (٨) الذي يصلى عليه (٩)؟
أما حكمها ففيها (١٠) أربعة مذاهب:
قال مالك (١١): واجبة مرة في العمر، وهي سنة في الصلاة.
_________________
(١) "وقوله" ساقطة من ط.
(٢) في ز: "وصلاته".
(٣) في ز وط: "الخطبة".
(٤) في ز: "﵎".
(٥) في ز: "﵇"، وفي ط: "على النبي ﵇".
(٦) في ط: "في".
(٧) "الواو ساقطة من ز.
(٨) في ط: "وما".
(٩) انظر هذه المطالب في: الشفا للقاضي عياض ٢/ ٦٠ - ٧٨.
(١٠) في ط: "ففيه".
(١١) هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر بن الحارث بن غيمان بن جثيل بن عمرو ابن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، ولد سنة ٩٣ هـ، روى عن ربيعة الرأي، وابن هرمز، وسعيد بن المسيب، وجلس للتدريس وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان متحريًا متورعًا في الفتيا، وكان متبعًا للسنة، كارهًا للبدعة، بلغ عدد الرواة عنه ألف راوٍ، منهم: ابن شهاب الزهري، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وأبو حنيفة، =
[ ١ / ٥٠ ]
وقال الشافعي (١)، وابن المواز (٢) من أصحاب المذهب (٣): واجبة في كل صلاة.
_________________
(١) = وأبو يوسف، والشافعي، وغيره. توفي ﵀ سنة تسع وسبعين ومائة (١٧٩ هـ). انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون ١٧ - ٣٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ٤٢، ٤٣، البداية والنهاية ١٠/ ١٧٤، وفيات الأعيان ٤/ ١٣٥ - ١٣٩، النجوم الزاهرة ٢/ ٩٦، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٧ - ٢١٣.
(٢) هو الإمام أبو عبد الله بن محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد القرشي، المطلبي، الشافعي، لقي جده شافعُ رسولَ الله - ﷺ - وهو مترعرع، ولد سنة خمسين ومائة (١٥٠ هـ) بمدينة غزة على الأرجح، حمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وكتب العلم بها وبالمدينة، والتقى بالإمام مالك، وقرأ عليه الموطأ حفظًا، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني، وحدث عنه: سليمان بن داود الهاشمي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والمزني، وقد اتفق العلماء على ثقته، وأمانته، وعدالته، وزهده، وورعه، وحسن سيرته، وعلو قدره، توفي ﵀ في مصر سنة أربع ومائتين (٢٠٤ هـ). انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٢/ ٥٦ - ٧٣، طبقات الشافعية للسبكي ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، حسن المحاضرة ١/ ١٢١، مرآة الجنان ٢/ ١٣ - ٢٨، معجم الأدباء ١٧/ ٢٨١ - ٣٢٧، النجوم الزاهرة ٢/ ٧٦، تهذيب التهذيب ٩/ ٢٥ - ٣١.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن زياد بن المواز الإسكندراني المالكي، ولد سنة ثمانن ومائة (١٨٠ هـ)، أخذ عن: أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم، وابن الماجشون، انتهت إليه رئاسة المذهب ومعرفة تفريعه ودقائقه، وكان راسخًا في الفقه والفتيا، توفي سنة إحدى وثمانين ومائتين (٢٨١ هـ)، له كتاب كبير في الفقه. انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص ٢٣٢، ٢٣٣، الوافي بالوفيات للصفدي ١/ ٢٣٥، ٢٣٦، مرآة الجنان ٢/ ١٩٤، شذرات الذهب ٢/ ١٧٧، طبقات الفقهاء للشيرازي ١٥٤.
(٤) في ز: "مالك".
[ ١ / ٥١ ]
وقال أبو حنيفة (١): واجبة عند كل سماع ذكره، هذه المذاهب الثلاثة مشهورة (٢).
المذهب الرابع: يجب الإكثار من الصلاة عليه من غير تحديد، ما لم تبلغه المشقة في ذلك، [هذه المذاهب ذكرها القاضي عياض في الشفا (٣)] (٤).
وأما الأصل فيها: فالكتاب والسنة والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).
والأمر ها هنا محمول (٦) على الوجوب باتفاق.
_________________
(١) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، ولد أبو حنيفة سنة ثمانين للهجرة (٨٠ هـ) وأدرك أربعة من الصحابة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ونافعًا مولى ابن عمر، وكان عالمًا عاملًا زاهدًا ورعًا تقيًا كثير الخشوع. روى عنه: عبيد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد ابن الحسن الشيباني، توفي سنة خمسين ومائة (١٥٠ هـ) ببغداد. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣، مرآة الجنان ٣٠٩ - ٣١٢، شذرات الذهب ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨، البداية والنهاية ١٠/ ١٠٧، النجوم الزاهرة ٢/ ١٢ - ١٥، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٦٧.
(٢) في ط: "مشهورات".
(٣) ذكر القاضي عياض هذه المذاهب ما عدا المذهب الثالث، وهو مذهب أبي حنيفة القائل: إن الصلاة على النبي واجبة عند كل سماع ذكره. انظر كتاب: الشفا للقاضي عياض (٢/ ٦١ - ٦٤).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ط، وورد محله: "انظر الشفا".
(٥) سورة الأحزاب آية رقم ٥٦.
(٦) "محمول" ساقطة من ز.
[ ١ / ٥٢ ]
ودليل السنة: قوله ﵇: "البخيل ثم البخيل من ذكرت عنده فلم (١) يصل عليّ"، وفي بعضها: "البخيل ثم البخيل (٢) من سمع بذكري ولم يصل عليّ" (٣). وقوله ﵇ (٤): "رغم أنف رجل ذكرت (٥) عنده فلم يصل عليّ" (٦). [ومنه قوله ﵇ (٧): "لا صلاة لمن لم يصلِّ عليّ (٨) " (٩).
_________________
(١) في ط: "ولم".
(٢) "البخيل ثم البخيل" لم ترد في ط.
(٣) هذا الحديث رواه الترمذي ونصه: عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل عليّ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انظر: سنن الترمذي (٩/ ١٩٨) أبواب الدعوات، رقم الحديث ٣٥٤٠. وأخرجه الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب بهذا اللفظ (المسند ١/ ٢٠١).
(٤) "﵇" لم ترد في ط.
(٥) في الأصل: "رغم الله أنف من ذكرت"، والمثبت من ز وط وهو الأولى.
(٦) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة". قال عبد الرحمن: وأظنه قال: "أو أحدهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. انظر: سنن الترمذي (٩/ ٩٧) أبواب الدعوات، باب رقم ١١٠، رقم الحديث ٣٥٣٩. وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٥٤) عن أبي هريرة بهذا اللفظ.
(٧) "﵇" لم ترد في ط.
(٨) في ط: "عليّ فيها".
(٩) أخرجه ابن ماجه قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - =
[ ١ / ٥٣ ]
وقوله ﵇ (١): "كل صلاة لم يصل عليّ فيها فهي غير مقبولة" (٢)] (٣).
ومنه قوله ﵇ (٤): "أيما مجلس اجتمع (فيه) (٥) قوم ولم يصلوا عليّ إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة" (٦). وفي بعضها: "إلا كان ذلك
_________________
(١) = قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار" في الزوائد: ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن. انظر: سنن ابن ماجه كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء، رقم الحديث العام ٤٠٠، (١/ ١٤٠). وأخرجه الدارقطني بلفظ: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه - ﷺ - " وذكر أن في سنده عبد المهيمن ليس بالقوي، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي (٢/ ٣٥٥). وقال ابن حجر: عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، الأنصاري، المدني، ضعيف، من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة. انظر: تقريب التهذيب (١/ ٥٢٥).
(٢) "﵇" لم ترد في ط.
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٥٥) من حديث أبي جعفر عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا على أهل بيتي لم تقبل منه"، وذكر أن في سنده جابرًا وهو ضعيف، وقد اختلف فيه. وذكر نور الدين القارئ أن في سنده انقطاعًا؛ حيث إن أبا جعفر ولد سنة عشر ومائة وأبا مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، فلم يدرك جعفر أبا مسعود. انظر: شرح الشفا لنور الدين القارئ ٣/ ٧٤١.
(٤) المثبت بين المعقوفتين من ز ولم يرد في الأصل.
(٥) في ز وط: "وقال ﵇".
(٦) المثبت من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(٧) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ =
[ ١ / ٥٤ ]
المجلس أنتن من جيفة" (١).
والإجماع منعقد على مشروعية الصلاة على محمد ﵊ (٢).
وأما أقسامها فهي ثلاثة أقسام:
الصلاة من الله، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله (٣) على من صلى عليه معناها: الرحمة.
والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه معناها: الدعاء والاستغفار.
والصلاة من العباد (٤) على محمد ﵇ (٥): عبادة (٦).
_________________
(١) = من غير وجه، ومعنى قوله: "ترة" يعني: حسرة وندامة، كتاب الدعوات، باب القوم يجلسون ولا يذكرون الله، رقم الحديث ٣٣٧٧، (٩/ ٩٧). وذكر السيوطي أن هذا الحديث قد أخرجه البيهقي في الشعب، وسعيد بن منصور، انظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا للسيوطي ص ٧٠. وانظر: كشف الخفاء رقم الحديث ٢٧٣٣، جـ ٢/ ٤١٧.
(٢) عن جابر عنه - ﷺ -: "ما جلس قوم مجلسًا ثم تفرقوا على غير صلاة على النبي - ﷺ - إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة" الشفا (٢/ ٧٨).
(٣) في ز: "﵇"، وفي ط: "محمد وآله".
(٤) في ز: "من الله ﷿".
(٥) "من العباد" ساقطة من ز.
(٦) في ط: " - ﷺ - ".
(٧) الصلاة على النبي - ﷺ - من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله نوعان: أحدهما: سؤاله حوائجه. الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه وتكريمه، فالمصلي عليه - ﷺ - قد صرف سؤاله إلى محاب الله ورسوله وآثر ذلك على طلب حوائجه ومحابه هو. انظر: جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام لابن القيم ص ٤٥٤.
[ ١ / ٥٥ ]
ومنهم من جعل الصلاة ها هنا على أربعة أقسام:
الصلاة من الله على محمد ﵇ (١)، والصلاة من الله على غير محمد ﵇ (٢)، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله على محمد ﵇ تشريف وزيادة (٣) تكرمه.
والصلاة من الله على غير محمد ﵇: رحمة (٤).
_________________
(١) "﵇" لم ترد فى ط.
(٢) "﵇" لم ترد في ط.
(٣) "زيادة" ساقطة من ط.
(٤) اختلف العلماء في معنى الصلاة من الله على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها رحمته، ونسبه ابن القيم لكثير من المتأخرين. القول الثاني: أن صلاة الله مغفرته. القول الثالث: أن صلاة الله هي ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وتكريمه وإظهار شرفه وفضله، وهو الذي رجحه ابن القيم. أما القول الأول والثاني فضعفهما ابن القيم ورد عليهما فذكر خمسة عشر وجهًا منها:
(٥) أن الله سبحانه فِرق بينِ صلاته على عباده ورحمته كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧].
(٦) أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة.
(٧) أن أحدًا لو قال عن رسول الله - ﷺ - "﵀" بدل - ﷺ - لبادرت الأمة إلى الإنكار عليه وسموه مبتدعًا، ولو كانت الصلاة من الله رحمة لم يمتنع شيء من ذلك.
(٨) أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة بمعنى الرحمة أصلًا. والمعروف عند العرب من معناه الدعاء. انظر تفصيل هذه الأوجه وغيرها في: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم ص ١٥٨ - ١٦٨.
[ ١ / ٥٦ ]
والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه: دعاء واستغفار.
والصلاة من العباد على من صلوا عليه (١) عبادة.
وأما موضع استحباب الصلاة على محمد ﵇ (٢):
فقال القاضي (٣) عياض: تستحب الصلاة على النبي ﵇ في ثمانية مواضع:
في أول الدعاء، وفي آخره (٤)، وبعد البسملة، وآخر (٥) الآذان، وعند دخول المسجد، وعند ابتداء الكتاب، وعند تمامه، وفي يوم الجمعة (٦).
وقال القاضي عياض أيضًا: وتكره الصلاة على النبي ﵇ في ثمانية مواضع:
عند الذبح، وعند التعجب، وعند العثار، وعند إبراز السلع للبيع، وعند الجماع، وعند العطاس، [وعند قضاء الحاجة] (٧)، وعند إشهار السلاح (٨).
_________________
(١) "على من صلوا عليه" ساقطة من ط.
(٢) في ط: "على النبي - ﷺ -".
(٣) "القاضي عياض" لم ترد في ط.
(٤) في ط: "وفي آخر الدعاء".
(٥) في ز وط: "وعند".
(٦) انظر: كتاب الشفا (٢/ ٦٤ - ٦٩).
(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(٨) ذكر القاضي عياض ثلاثة من مواطن كراهية الصلاة على النبي - ﷺ -، وهي: عند الذبح، وعند التعجب، وعند العطاس، ولم يذكر الخمسة الباقية التي ذكرها المؤلف. انظر: كتاب الشفا ٢/ ٦٦.
[ ١ / ٥٧ ]
وأما الذي يصلى عليه ففيه أربعة أقوال:
أحدها: النبي ﵇ (١) خاصة (٢)، قاله ابن عباس (٣) ﵁، دليله قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٤).
القول الثاني: الأنبياء كلهم خاصة، قاله سفيان (٥) ﵁.
_________________
(١) في ط: "النبي محمد - ﷺ - ".
(٢) في ز: "أحدها خاصة".
(٣) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي، الهاشمي، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له رسول الله - ﷺ - بالفقه في الدين، وكان عمر بن الخطاب يحبه ويقربه، واستعمله علي بن أبي طالب على البصرة، وشهد مع علي ﵄ الجمل، وصفين، والنهروان، وروى ابن عباس عني النبي - ﷺ -، وعن عمر، وعلي،، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وروى عنه: عبد الله ابن عمر، وأنس بن مالك، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، توفي ﵀ بالطائف سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). انظر ترجمته في: الإصابة ٤/ ١٤١ - ١٥٢، الاستيعاب ٣/ ٩٣٣ - ٩٣٩، أسد الغابة ٣/ ١٩٢ - ١٩٤.
(٤) آية ٦٣ من سورة النور.
(٥) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله، يصل نسبه إلى ملكان الثوري، ولد سنة (٩٧ هـ)، كان إمامًا في الحديث، أجمع الناس على دينه، وورعه، وزهده، وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، سمع الحديث من أبي إسحاق السبيعي، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك بن عميرة، والأعمش، ورحل إلى بغداد وبخارى، سمع منه الأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، ووكيع، وابن المبارك. توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة للهجرة (١٦١ هـ). انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٩/ ١٥١ - ١٧٤، وفيات الأعيان ٢/ ٣٨٦ - ٣٩٠، طبقات الشيرازي ص ٢٣، تهذيب التهذيب ٤/ ١١١، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٠٣ - ٢٠٦.
[ ١ / ٥٨ ]
القول الثالث: تجوز الصلاة على كل أحد، قاله يحيى بن يحيى (١).
دليله قوله (٢): ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٣) (٤).
وقوله ﵇ (٥): "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٦).
القول الرابع: بالتفصيل بين الابتداء والاتباع، فتجوز في الاتباع ولا تجوز في الابتداء، فتجوز [الصلاة على هذا القول على غير النبي إذا كان تابعًا في الكلام للنبي، ولا تجوز على غير النبي (٧) ابتداء، وهو مذهب مالك والحنفيين (٨).
_________________
(١) هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال أبو محمد الليثي الأندلسي المالكي، روى الموطأ عن الإمام مالك إلا يسيرًا، سمع يحيى مالكًا، والليث، وابن القاسم، وقدم الأندلس بعلم كثير، وإليه انتهت الرئاسة في العلم والفتوى بالأندلس، وكان ثقة عاقلًا حسن الهدى والسمت، توفي سنة (٢٣٤ هـ). انظر ترجمته في: الديباج المذهب، تحقيق د. أبو النور ٢/ ٣٥٢ ترتيب المدارك للقاضي عياض ٢/ ٥٣٤، تهذيب التهذيب ١١/ ٣٠٠ - ٣٠١، شذرات الذهب ٢/ ٨٢، مرآة الجنان ٢/ ١١٣.
(٢) في ز وط: "قوله تعالى".
(٣) سورة الأحزاب، آية رقم ٤٣.
(٤) هذه الأقوال الثلاثة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا (٢/ ٨١).
(٥) في ط: " - ﷺ -".
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ونص الحديث: حدثنا مسلم، حدثنا شعبة عن عمرو: سمعت ابن أبي أوفى ﵄: كان النبي - ﷺ - إذا أتاه رجل بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبي فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٠٣). وأخرجه أبو داود في كتاب الزكاة (٢/ ١٠٦).
(٧) "ابتداء" ساقطة من ز.
(٨) في ز: "والمحققين".
[ ١ / ٥٩ ]
فنقول] (١) على هذا القول: اللهم صل على محمد وعلى آله (٢)، ولا يجوز (٣) أن نقول: اللهم صل على آل محمد أو صل على فلان أو على آل فلان.
دليله قوله ﵇: "اللهم صل على محمد وعلى آل (٤) محمد" (٥) ولم يقل: اللهم صل على آل محمد ابتداء (٦) [من غير اتباع.
وقال بعضهم: لا خلاف في جوازها على غير الأنبياء إذا كانت على وجه الاتباع، وإنما الخلاف في جوازها على الانفراد.
قال القاضي أبو الفضل عياض] (٧): الصحيح أن الصلاة خاصة بالأنبياء دون غيرهم تشريفًا لهم وتعظيمًا لهم على غيرهم، كما خُص الله بالتسبيح، وأما غير الأنبياء فليلتمس لهم (٨) الأقوال الحسنة من الرضى، والغفران، وغير ذلك (٩)
واختلف هل يدعى له (١٠) ﵇ بالرحمة أم لا؟
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٢) في ز: "وآله".
(٣) في ز وط: "ولا يجوز على هذا القول أن نقول".
(٤) في ط: "وعلى آله".
(٥) أخرجه البخارى في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - (٤/ ١٠٦). وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - (٢/ ١٦).
(٦) في ز: "في الابتداء".
(٧) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(٨) "لهم" ساقطة من ز.
(٩) نقل المؤلف ها هنا بالمعنى انظر: كتاب الشفا ٢/ ٨٢.
(١٠) في ز وط: "للنبي".
[ ١ / ٦٠ ]
فمنعه (١) أبو عمر بن عبد البر (٢).
وأجازه ابن أبي زيد؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: "وارحم محمدًا".
[قال القاضي عياض: لم يأت ذلك في حديث صحيح (٣).
قوله] (٤): (وصلواته (٥) الطيبات الزاكيات) إنما صور (٦) المصنف (٦) - ﵀ - هذه الألفاظ بصورة الجمع دون صورة المفرد: مبالغة في معناها؛ لأن الجمع أبلغ في المعنى من المفرد.
وقوله: (الطيبات الزاكيات) مترادفات (٧)؛ لقوله تعالى (٨): ﴿سَلَامٌ
_________________
(١) في ز وط: "منعه".
(٢) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النحري القرطبي، ولد سنهَ ثمان وستين وثلاثمائة (٣٦٨ هـ) حافظ مكثر، عالم بالقراءات، وبالخلاف في الفقه، من شيوخه: خلف بن القاسم، وأحمد بن عبد الله الباجي، وأبو الوليد الفرضي، طلب العلم في قرطبة، وجال في غرب الأندلس وشرقها، وتولى قضاء الأشبونة. توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة (٤٦٣ هـ) بمدينة شاطبة، من أشهر مصنفاته: "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، و"الكافي" في الفقه المالكي، و"الاستيعاب في معرفة الأصحاب". انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٧/ ٦٦ - ٧٢، بغية الملتمس ص ٣٧٤، الديباج المذهب ص ٣٥٧، ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٨، شذرات الذهب ٣/ ٣١٤، مرآة الجنان ٣/ ٨٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ٣٠٦.
(٣) انظر: كتاب الشفا (٢/ ٧٣ - ٧٤).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٥) في ط: "وصلواته المسألة".
(٦) في ط "إنما صدر المصنف" وفي ز "إنما صور المؤلف".
(٧) "مترادفات" ساقطة من ز.
(٨) "تعالى" لم ترد في ط.
[ ١ / ٦١ ]
عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (١).
قال الفراء (٢): معناه (٣): زكوتم (٤).
ففسر الطيب بالزاكي، والزكاة في اللغة هي: الزيادة والنمو (٥)، يقال: زكا الشيء إذا زاد ونما.
فقوله على هذا: (وصلواته الطيبات الزاكيات) معناه: وصلوات الله التي تزيد أجورها وثوابها، على أفضل المخلوقات، ويحتمل أن يكونا متباينين؛ فتكون الطيبات بمعنى الصالحات، لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٦)
_________________
(١) سورة الزمر آية رقم ٧٣.
(٢) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي، المعروف بالفراء؛ لأنه كان يفري الكلام، ولد سنة أربع وأربعين ومائة (١٤٤ هـ)، أخذ عن: أبي الحسن الكسائي، وقيس بن الربيع، وابن عياش وغيرهم، وكان فقيهًا عالمًا بالخلاف وبأيام العرب، متكلمًا يستعمل في تصانيفه ألفاظ الفلسفة، توفي ﵀ سنة (٢٠٧ هـ). أغلب مصنفاته في اللغة والنحو، منها: "الحدود" في النحو، "اللغات"، "مشكل اللغة الكبير"، "معاني القرآن". ترجمته في: معجم الأدباء ٢٠/ ٩ - ١٤، شذرات الذهب ٢/ ١٩، بغية الوعاة للسيوطي ٢/ ٣٣٣، وفيات الأعيان ٦/ ١٧٦ - ٢٨٢، طبقات النحويين للزبيدي ص ٣١ - ٣٣، تاريخ بغداد ١٤/ ١٤٩ - ١٥٥، مرآة الجنان ٢/ ٣٨
(٣) في ط: "ومعناه".
(٤) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٢٥.
(٥) في ز: "في اللغة: النمو والزيادة".
(٦) سورة فاطر، آية رقم ١٠.
[ ١ / ٦٢ ]
أي: الصالح (١)، وتكون (٢) الزاكيات [بمعنى الزيادات (٣) الناميات، فالزاكيات على هذا أبلغ من الطيبات.
وقوله: الطيبات الزاكيات (٤)] (٥) من باب الأوصاف التأكيدية، وليست (٦) من الأوصاف التقييدية، وإنما فعل ذلك مبالغة في تأكيد الصلاة على محمد ﵇ (٧).
وقوله (٨): (على أفضل المخلوقات) أي: على أجمل وأكمل وأحسن المخلوقات قولًا وفعلًا، خُلُقًا وخَلْقًا.
وقوله (٩): (المخلوقات) يقتضي العموم؛ لأنه جمع محلى بالألف واللام، فيقتضي أنه ﵇ أفضل من جميع المخلوقات، من الملائكة والأنبياء.
قال ابن عباس - ﵁ -: إن الله ﷿ فضل نبينا محمدًا - ﷺ - على أهل السماء (١٠) وعلى (١١) الأنبياء صلوات الله عليهم.
_________________
(١) في ز: "الصالح من العمل".
(٢) في ز: "ويكون".
(٣) في ز: "الزائدات".
(٤) في ز: "الزاكيات الطيبات".
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٦) في ز: "وليس".
(٧) في ز: " - ﷺ -".
(٨) "قوله" ساقطة من ط.
(٩) "الواو" ساقطة من ز.
(١٠) في ز: "السموات".
(١١) "على" ساقطة من ط.
[ ١ / ٦٣ ]
وقوله: (محمد) سُمي محمدًا، لأجل المبالغة فى حمده، إما لكثرة حمده لله تعالى، وإما لكثرة حمد الناس له، وإما لكثرة حمد الملائكة له (١)، وإما لكثرة محامده الحسنة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وإما لاجتماع (٣) ذلك كله، فهو ﵇ أحمد الحامدين وأحمد المحمودين.
وقوله: (المبعوث) أي: المرسل؛ لأن البعث هو الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (٤).
وقوله (٥): (بأفضل المناهج والبينات) أي: بعثه الله ﷿ مصحوبًا بأفضل وأكمل وأجمل وأحسن المناهج والبينات.
والباء (٦) في قوله: (بأفضل) للمصاحبة، كالباء في قوله تعالى (٧). ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (٨)، وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ (٩) أي. مصحوبًا بالهدى (١٠).
وقوله: (المناهج) جمع مفرده: منهاج أو منهج (١١)، يقال للطريق
_________________
(١) "له" ساقطة من ز.
(٢) سورة القلم، آية رقم ٤.
(٣) في ط: "وإما لأجل اجتماع".
(٤) سورة النحل، آية رقم ٣٦.
(٥) "الواو" ساقطة من ط.
(٦) في ز: "فالباء" وفي ط: "الباء".
(٧) "تعالى" لم ترد في ط.
(٨) سورة البقرة آية رقم ١١٩، وفي ز وط: "أي: مصحوبًا بالحق".
(٩) سورة الفتح آية رقم ٢٨.
(١٠) "بالهدى" ساقطة من ز.
(١١) في ط: "جمع منهج أو منهاج".
[ ١ / ٦٤ ]
الواضح (١) البين الظاهر: مِنْهَاجٌ ومَنْهَجٌ، ونَهْجٌ ومَهْيَعٌ، وكلها مترادفة بمعنى واحد، وهي صفات (٢) للطَريق الواضح الظاهر، وليس كل طريق كذلك؛ إذ لا يُسَمّى الطريق كذلك (٣) إلا إذا كان واضحًا ظاهرًا مستمرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤)؛ فالشرعة والشريعة هي: الطريقة (٥) الموصلة إلى النجاة (٦) من النار (٧).
والمنهاج: هو الطريق المستمر الظاهر، قال (٨) حسان (٩) بن ثابت (١٠)
_________________
(١) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: "النهج الطريق الواضح كالمنهج والمنهاج". انظر: مادة (نهج).
(٢) في ز وط: "وهو صفة".
(٣) في ز وط: "بذلك".
(٤) سورة المائدة، آية رقم ٤٨.
(٥) في ط: "الطريق".
(٦) في ط: "للنجاة".
(٧) "من النار" ساقط من ز وط.
(٨) في ز: "وقال".
(٩) هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك الأنصاري، وقد عاش في الجاهلية، وهو متقدم الإسلام، وفُضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي - ﷺ - في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، روى عن النبي - ﷺ -، وروى عنه سعيد بن المسيب، والبراء بن عازب، توفي سنة (٤٠ هـ)، وقيل: (٥٤ هـ)، وقيل: (٥٥ هـ)، وله من العمر (١٢٠) سنة. انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٧، ٢٤٨)، الإصابة (١/ ٣٢٥)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٣٠٥)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٢٢٧).
(١٠) "ابن ثابت" لم ترد في ط.
[ ١ / ٦٥ ]
[الأنصاري ﵁] (١):
إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق (٢) المهيع
وإذا اصطنعت (٣) صنيعة فاقصد بها الله أو في (٤) ذي القرابة (٥) أودع (٦)
قال صاحب العين: نهج الأمر وأنهج إذا: وضح (٧).
قوله: (بأفضل المناهج) أراد بالمناهج: الشرائع (٨).
وقوله (٩): (البينات) أراد بها (١٠) الآيات لقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ (١١).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(٢) في ز "الطريق".
(٣) في ز: "صنعت".
(٤) "في" ساقطة من ز.
(٥) في ط: "قرابة".
(٦) هذه الأبيات وردت في ديوان حسان بهذا اللفظ: إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها لله أو لذوي القرابة أودع انظر: ديوان حسان تحقيق د. وليد عرفات (١/ ٤٩٣) رقم القصيدة ٣٢٩.
(٧) في ط: "أوضح"، وانظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ٣/ ٣٩٢.
(٨) في ز وط: "أراد به الشرائع".
(٩) "قوله" ساقطة من ط.
(١٠) "بها" ساقطة من ز، وفي ط: "به".
(١١) آية رقم ٢٥ من سورة فاطر.
[ ١ / ٦٦ ]
قال الهروي (١): أي: بالآيات (٢) الفاصلة بين الحق والباطل (٣).
وقال المهدوي (٤): معنى البينات (٥) أي: البراهين (٦) [البينات على حذف المصوف: أي: بالبراهين الواضحات (٧).
وقوله: البراهين معناها (٨): المعجزات.
ومعنى قوله الزبر: الكتب وهو جمع زبور (٩) ويقال: زبرت أي:
_________________
(١) في ط: "المهدوي"، والهروي هو: أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي، الهَرَوي، الفاشاني، والهروي نسبة إلى "هراة" إحدى مدن خراسان، وكان أعلم الناس في الأدب واللغة، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطابي، وأبو منصور محمد الأزهري، توفي سنة (٤٠١ هـ)، من مصنفاته: كتاب "الغريبين غريبي القرآن والحديث" وكتاب: "ولاة هراة". انظر ترجمته في: معجم الأدباء ٤/ ٢٦٠، بغية الوعاة ١/ ٣٧١، وفيات الأعيان ١/ ٩٥، والبداية والنهاية ١١/ ٣٤٤، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٢٨، مرآة الجنان ٣/ ٣، شذرات الذهب ٣/ ١٦١.
(٢) في ط: "أي الآيات".
(٣) انظر كتاب: الغريبين: غريبي القرآن والحديث للهروي (١/ ٢٣٥) باب الباء مع الياء.
(٤) هو أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، المغربي، رحل وقرأ على محمد بن سليمان، وعلى جده لأمه مهدي بن إبراهيم، دخل الأندلس سنة (٤٣٠ هـ)، وكان عالمًا بالقراءات والآداب متقدمًا فيها، فهو نحوي، لغوي، مفسر، توفي ﵀ سنة أربعين وأربعمائة (٤٤٠ هـ)، من مصنفاته: "التفصيل والتحصيل" في التفسير. انظر: الصلة لابن بشكوال ١/ ٨٦، ٨٧، بغية الوعاة ١/ ٣٥١، إنباه الرواة ١/ ٩١، ٩٢، معجم الأدباء ٥/ ٣٩.
(٥) في ز وط: "معنى قوله: بالبينات".
(٦) في ز: "أي بالبراهين".
(٧) في ط: "الواضحة".
(٨) في ط: "معناه".
(٩) "الواو" ساقطة من ط.
[ ١ / ٦٧ ]
كتبت] (١).
وقوله (٢): (- ﷺ -) أعاد الصلاة عليه - ﷺ - مبالغة في التأكيد للصلاة عليه، ﵇.
وقوله: (على (٣) عترته) العترة (٤) بالتاء (٥) المهملة: أقرباؤه (٦).
قال (٧) في مختصر العين في باب التاء (٨) المهملة: "عترة الرجل أقرباؤه" (٩) (١٠)، وقيل: عترته ﵇: بنو عبد المطلب.
وقيل: بنو هاشم.
وقيل: أهل بيته الأقربون والأبعدون؛ لقول أبي بكر ﵁:
_________________
(١) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(٢) "قوله" ساقطة من ط.
(٣) في ز: "وعلى"
(٤) العترة: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه. وقيل: عترة الرجل: أقرباؤه من ولد وغيره، وقيل: هم رهطه وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر. انظر: لسان العرب مادة (عتر).
(٥) الصواب: "بالعين المهملة".
(٦) في ز: "قرباؤه".
(٧) في ز: "وقال".
(٨) الصواب: "في باب العين المهملة".
(٩) في ط: "أقاربه".
(١٠) انظر: مختصر العين ص ٥٥ مخطوط بمكتبة جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية رقم ٨٤٩٨ فلم.
[ ١ / ٦٨ ]
"نحن عترة رسول الله - ﷺ - وبيضته تَفَقْأت (١) عنه (٢) "
قوله (٣): (وأصحابه) جمع مفرده: صاحب.
واختلف في معنى أصحابه ﵇ على ثمانية أقوال:
قيل: كل من ولد في زمانه.
وقيل: من ولد في زمانه وبلغ في زمانه.
وقيل: من رآه ولو مرة واحدة.
وقيل: من روى عنه ولو حديثًا واحدًا.
وقيل: من رآه وطالت صحبته معه.
[وقيل: من رآه وروى عنه وطالت صحبته معه (٤)] (٥).
وقيل: كل من غزا معه غزوة (٦) أو غزوتين، أو قعد معه سنة أو سنتين (٧)
_________________
(١) في ط وز: "التي تفقأت عنه".
(٢) لم أجد هذا الأثر مسندًا وقد ذكره الزركشي في المعتبر (ص ١٠٤) بلفظ: "نحن عترة رسول الله - ﷺ - وبيضته التي تعقل عنه". وورد بلفظ: "تفقأت" في النهاية لابن الأثير ٣/ ١٧٧، وغريب الحديث للخطابي ٢/ ١٩١، والفائق في غريب الحديث ١/ ١٧٠، لسان العرب (٤/ ٥٣٨) مادة (عتر).
(٣) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(٤) "معه" ساقطة من ز.
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٦) في ز: "ولو غزوة واحدة".
(٧) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أو بسنتين".
[ ١ / ٦٩ ]
قاله سعيد بن المسيب (١) ﵁.
وقيل: أصحابه هم الملازمون له (٢) المهتدون بهديه حتى فاضت عليهم أنواره، وظهرت عليهم بركته (٣) وأسراره - ﷺ -، قاله شهاب الدين (٤).
قوله (٥): (وأزواجه) جمع (٦)، مفرده: زوج أو زوجة (٧)، ولكن الأفصح: زوج بإسقاط التاء، وهو الوارد في القرآن، قال الله تعالى (٨): ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٩)، وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (١٠).
_________________
(١) هو أبو محمَّد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزون القرشي، المدني، والمسيَّب بفتع الياء المشددة. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وهو أحد الفقهاء السبعة، وسيد التابعين، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة. أخذ عن زيد بن ثابت وجالس ابن عمر، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وسمع عثمان، وعليًا، وصهيبًا، وجُلّ روايته عن أبي هريرة، وامتحن وضرب في خلافة عبد الملك بن مروان. توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين للهجرة (٩١ هـ). انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٥٦، طبقات الشيرازي ص ٢٤، تهذيب التهذيب ٤/ ٨٤ - ٨٨، وفيات الأعيان ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨.
(٢) "له" ساقطة من ز.
(٣) في ط: "بركاته".
(٤) هو شهاب الدين القرافي، وقد سبقت ترجمته.
(٥) "قوله" ساقطة من ط.
(٦) "جمع" ساقطة من ز وط.
(٧) في ط: "وزوجة".
(٨) "تعالى" لم ترد في ط.
(٩) سورة البقرة، آية رقم ٣٥.
(١٠) سورة الأحزاب، آية رقم ٣٧.
[ ١ / ٧٠ ]
قوله (١): (ومحبيه) (٢) هذا عام يندرج فيه كل ما تقدم من عترته، وأصحابه، وأزواجه، وغيرهم، وهو من باب الإتيان بالعام بعد الخاص (٣)، ويسمى عند أرباب البديع بالتعميم.
ومحبته - ﷺ - واجبة على كل أحد (٤)؛ لقوله ﵇: "لا يؤمن (٥) أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٦).
وعلامة محبته - ﷺ -: الاقتداء به (٧)، واستعمال سنته قولًا وفعلًا، والتأدب بآدابه، قال الله ﷿ (٨): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩).
قوله: (١٠) (صلاة (١١) تبلغهم أفضل الدرجات) أي: صلاة توصلهم إلى أرفع الدرجات.
_________________
(١) في ط: "وقوله".
(٢) في ط: "ومحبته".
(٣) في ز: "بالأعم بعد الأخص".
(٤) في ز: "واحد".
(٥) في ز: "يؤمنن".
(٦) أخرجه الإمام البخاري بهذا اللفظ عن أنس بن مالك، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان (١/ ١٢). وأخرجه الإمام مسلم بهذا اللفظ عن أنس بن مالك في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة الرسول - ﷺ - أكثر من الأهل والولد (١/ ٤٩).
(٧) "به" ساقطة من ز.
(٨) في ط: "قال الله تعالى".
(٩) سورة آل عمران آية رقم ٣١.
(١٠) "قوله" ساقطة من ط.
(١١) في ط: "وصلاة".
[ ١ / ٧١ ]
والدرجات (١) هي: الطبقات النفيسة، والمنازل الشريفة في الجنة، قال رسول الله - ﷺ -: "الجنة مائة درجة أعلاها الفردوس، منها تتفجر (٢) أنهار الجنة وعليها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" (٣).
قال (٤) ابن رشد (٥) في جامع البيان:
_________________
(١) في ز: "ومعنى الدرجات".
(٢) في ط: "تنفجر".
(٣) أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة". انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء (٤/ ٢٨١). وأخرجه الترمذي في أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، حديث رقم (٢٦٥٠) (٤/ ٨٢). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب صفة الجنة، رقم الحديث العام (٤٣٣١) (٢/ ١٤٤٩). وأخرجه النسائي في كتاب الجهاد، باب درجة المجاهدين في سبيل الله (٦/ ٢٠).
(٤) "قال" ساقطة من ط.
(٥) هو أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد المالكي، ولد سنة (٤٥٠ هـ)، زعيم فقهاء وقته بالأندلس والمغرب، بصيرًا بالأصول والفروع والفرائض، ولي القضاء بقرطبة، وممن أخذ عنه: القاضي الجليل أبو الفضل عياض، توفي ﵀ سنة عشرين وخمسمائة (٥٢٠ هـ)، وهي السنة التي ولد فيها حفيده محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد، من مصنفاته: "كتاب البيان والتحصيل"، و"المقدمات لأوائل كتاب المدونة". انظر ترجمته في: الديباج ٢/ ٢٤٨ - ٢٥٠ تحقيق د. محمَّد أبو النور، الصلة ٢/ ٥٤٦، بغية الملتمس ص ٤٠، وفيات ابن قنفذ ص ٢٧٠.
[ ١ / ٧٢ ]
الاختيار (١) للداعي إذا دعا الله ﷿ أن يسأله أرفع المنازل؛ لأن الله ﷻ جواد كريم.
وهكذا فعل المؤلف ها هنا.
قوله (٢): (ونحوز بها أفضل المقامات في الحياة وبعد الممات) أي: وننال ببركتها أفضل الحالات في الحياة، وأفضل الحالات في الممات، أي: وننال ببركتها (٣) أفضل الحالات في الدنيا والآخرة (٤).
وأفضل (٥) الحالات في الدنيا: ملازمة التقوى، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٦).
وأفضل الحالات في الآخرة هي: الدرجات العُلى في الجنة، نسأل الله تعالى أن يجود علينا بالدرجات العُلى (٧) في حياتنا ومماتنا (٨) بمنه وفضله.
قوله (٩): (أما بعد): لما أثنى المؤلف (١٠) ﵀ (١١) على الله
_________________
(١) "الاختيار" ساقطة من ط، وفي ز: "المختار".
(٢) في ز: "وقوله"، وفي ط: "نص".
(٣) في ط: "بها".
(٤) في ز وط: "وأفضل الحالات في الآخرة".
(٥) في ز وط: "فأفضل".
(٦) آية رقم ١٣ من سورة الحجرات.
(٧) "العلى" ساقطة من ط.
(٨) في ط: "وبعد مماتنا".
(٩) في ط: "نص".
(١٠) في ز وط: "المصنف".
(١١) في ز: "رحمه الله تعالى".
[ ١ / ٧٣ ]
تعالى (١) بما هو أهله، وصلى على رسوله - ﷺ -، وأراد الشروع في مقصوده، أتى بكلمة تقتضي الاستئناف، وهي: أما بعد، وكان النبي ﵇ يستعملها في خطبه، ومواعظه، وكذلك الخطباء قبله وبعده (٢).
وها هنا خمسة مطالب، وهي:
ما معنى: أما بعد؟ وما العامل في هذا الظرف؟ ولِمَ بني؟ ولم بني على الحركة؟ ولم اختص بتلك الحركة؟
فأما معناها: فهي كلمة موضوعة للفصل بين الكلام المضاد (٣) والخوض في المراد (٤).
قيل: أول من نطق بها: داود ﵇، قالوا: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٥).
وقيل: أول من نطق بها: سحبان (٦) وائل، الذي تنسب إليه الفصاحة،
_________________
(١) "تعالى" لم ترد في ط.
(٢) في ز: "الخطباء بعده".
(٣) في ط: "والكلام".
(٤) في ط: "والمراد".
(٥) سورة ص، آية رقم ٢٠.
(٦) هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، خطيب مفصح يضرب به المثل في البيان، كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف، ولا يقعد حتى يفرغ، أدرك الجاهلية، وأسلم، وعده ابن حجر مع المخضرمين الذين أسلموا في زمن النبي - ﷺ - ولم يجتمعوا به، قدم وفد على معاوية ﵁، وطلب منه أن يتكلم، فقام سحبان فتكلم من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقف، =
[ ١ / ٧٤ ]
ويضرب به المثل في البلاغة، وهو القائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها (١)
وقيل: أول من قالها: قس بن ساعدة الإيادي (٢).
وهو: أول من كتب من فلان إلى فلان، وهو: أول من خطب بعصا، وهو أول من أقر (٣) بالبعث من غير (٤) سماع، وكان يضرب به المثل في ذكاء
_________________
(١) = فما زالت تلك حالته حتى أشار إليه معاوية بيده، فقال سحبان: لا تقطع كلامي، فقال معاوية: الصلاة، فقال: هي أمامك، ونحن في صلاة وتحميد ووعد ووعيد، فقال معاوية: أنت أخطب العرب، فقال سحبان: والعجم والإنس والجن، توفي سنة ٥٤ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب ابن عساكر ٦/ ٧٦، خزانة الأدب للبغدادي ٤/ ٣٤٦.
(٢) ذكر هذا البيت البغدادي في خزانة الأدب ونسبه إلى سحبان وائل، والشاهد في هذا البيت: قول سحبان: إذا قلت: أما بعد، وهي كلمة يبتدئ بها كثير من الخطباء والكتّاب كلامهم، كأنهم يستدعون بها الإصغاء لما يقولونه، ولذلك فخر بها سحبان في هذا البيت، وكثيرًا ما تأتي عقب الحمد لله، وتسمى حينئذ: فصل الخطاب، كأنها فصلت بين الكلام الأوّل والثاني، وتأتي عقب البسملة، وتأتي ابتداء كأنها عقب الفكر والروية. انظر: خزانة الأدب ٤/ ٣٤٦، ٣٤٧، تهذيب ابن عساكر ٦/ ٦٧.
(٣) هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك الإيادي، وإياد حي من معد بن عدنان. وهو خطيب العرب وشاعرها وحليمها، وحكيمها في عصره، يقال: إنه أول من علا شرفًا، وخطب عليه، وأول من قال في كلامه: أما بعد. أدركه رسول الله - ﷺ - قبل النبوة ورآه بعكاظ يخطب، توفي قبل بعثة الرسول - ﷺ - وهو من المعمرين. انظر ترجمته في: خزانة الأدب للبغدادي ٢/ ٨٩ - ٩١، الأغاني ١٤/ ٤٠ - ٤٢، البيان والتبيين للجاحظ ١/ ٢٧ - ٣١.
(٤) في ط: "قد".
(٥) في ز: "في الجاهلية من غير سماع".
[ ١ / ٧٥ ]
العقل وكان في الفترة التي بين (١) عيسى ومحمد ﵉ (٢).
وفيه قال النبي (٣) ﵇: "يبعث يوم القيامة أمة وحده" (٤).
وذكر ابن سبع (٥) في كتاب الشفا في شرف النبي المصطفى (٦):
_________________
(١) في ط: "كانت بين".
(٢) في ز: "صلى الله عليهما وسلم".
(٣) في ط: "وفيه قال - ﷺ - ".
(٤) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية هذا الحديث في قصة طويلة أذكرها باختصار: "عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبدي نصرانيًا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، أنه قدم واحدًا في رجال من عبد القيس ذوي آراء، قال: فأدناه النبي - ﷺ - وقرب مجلسه، وقال له: "يا جارود، لقد تأخر الموعد بك وبقومك " ثم رغبه الرسول - ﷺ - في الإِسلام فأسلم وأسلم معه أناس من قومه، ثم قال الرسول: "أفيكم من يعرف قس بن ساعدة؟ "، فقال الجارود: كلنا نعرفه، وإني من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره، كان قس يا رسول الله سبطًا من أسباط العرب عمر ستمائة سنة ثم أخذ يصفه وساق خطبته فقال رسول الله - ﷺ -: "مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفًا على جمل أحمر يخطب الناس"، ثم ساق الرسول - ﷺ - خطبته وروى أبو بكر الصديق شعره قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "رحم الله قسًا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده". قال ابن كثير: وهذا الحديث غريب جدًا من هذا الوجه، وهو مرسل إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود، وأشار ابن كثير إلى روايات أخرى لهذا الحديث، فقد رواه البيهقي وابن عساكر من وجه آخر. ثمَّ قال: وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٦.
(٥) لم أجد ترجمته.
(٦) لم أجد هذا الكتاب ولم يذكره صلاح الدين المنجد في كتابه معجم ما ألف عن رسول الله - ﷺ -.
[ ١ / ٧٦ ]
أنه عاش سبع مائة سنة (١).
وقد رآه النبي ﵇ قبل (٢) بعثه بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يعظ الناس وهو (٣) يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات (٤)، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحور (٥) تهور (٦)، أما بعد: فإن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا [مالي] (٧) أرى الناس يموتون ولا يرجعون (٨)، أرضوا بالإقامة فأقاموا (٩)؟ أم تركوا كما هم فناموا؟ أقسم بالله قس، قسمًا لا يخاف فيه حنثًا ولا إثمًا، أن لله دينًا أرضى من دينكم (١٠).
وأما العامل في هذا الظرف الذي هو "بعد" فهو محذوف، وهو: صفة مبتدأ محذوف تقديره: أما القول المقول بعد ما تقدم ذكره: (فإِن هذا كتاب)، وخبر هذا المبتدأ المحذوف هو: جواب "أما" الذي في قوله: (فإِن هذا
_________________
(١) انظر هذا القول وغيره من الأقوال في: خزانة الأدب للبغدادي ٢/ ٩١.
(٢) "قبل" ساقطة من ز.
(٣) "هو" ساقطة من ز.
(٤) "مات" ساقطة من ط.
(٥) في ز: "وبحار".
(٦) في ط: "تمور".
(٧) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(٨) في ط: "فلا".
(٩) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "فقاموا".
(١٠) وردت هذه الخطبة بلفظ نحو هذا في: صبح الأعشى للقلقشندي ١/ ٢١٢، الأغاني ١٤/ ٤٢، البيان والتبيين للجاحظ ١/ ١٦٨، العقد الفريد لابن عبد ربه ٤/ ١٢٨.
[ ١ / ٧٧ ]
كتاب)؛ لأن الجواب يغني عن الخبر لقيامه مقامه.
وأما لِمَ بُني؟
فقيل: لقطعه عن الإضافة التي هي أصل الظروف.
وقيل: لخروجه عن النظائر في قطعه عن الإضافة.
وقيل: لتضمنه معنى الحرف (١) وهو لام الإضافة.
وأما لِمَ بُني على الحركة؟
فقيل: لالتقاء الساكنين.
وقيل: لأن بناءه عارض (٢) وليس بلازم؛ إذ (٣) إعرابه أكثر من بنائه؛ لأنه يعرب في ثلاثة مواضع ويبنى في موضع واحد (٤).
فالثلاثة التي يعرب فيها:
أحدها: إذا صُرح بالمضاف إليه.
الثاني: إذا لم يصرح بالمضاف إليه [ونُوي (٥) لفظه ومعناه.
الثالث: إذا لم يُصرح بالمضاف إليه، ولم ينو أصلًا لا لفظه ولا معناه.
_________________
(١) في ط: "بمعنى الحروف".
(٢) "الواو" ساقطة من ط.
(٣) في ز: "لأن".
(٤) انظر مواضع إعراب وبناء بعد في كتاب: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام ٢/ ٢١١ - ٢١٦.
(٥) في ز: "وينوى".
[ ١ / ٧٨ ]
والموضع (١) الذي بُني فيه: إذا لم يصرح بالمضاف إليه] (٢) ونوى معناه، فهذا هو (٣) الذي بني (٤) على الضم، كما فعل المؤلف ها هنا في قوله: (أما بعد)، فبناه على الضم؛ لأنه قطعه عن المضاف إليه (٥) ونوى معناه: لأن تقديره: أما بعد الحمد لله والصلاة على محمَّد ﵇.
وأما لم اختص بتلك الحركة؟
فقيل (٦): لأنها (٧) حركة لا تكون للكلمة في حال إعرابها.
وقيل: لتخالف حركة بنائه حركتي إعرابه.
وقوله (٨): (فإِن هذا (٩) كتاب (١٠» الإشارة في قوله: (هذا) تعود على هذا الكتاب المسمى بالتنقيح.
وهذه الإشارة تقتضي أن المصنف - رحمه الله تعالى - وضع هذه الخطبة بعد الفراغ من التأليف، وذلك أن المصنف - ﵀ - جعل هذا الكتاب المصنف في الأصول مقدمة كتاب الذخيرة المؤلَّف في الفروع، ليخرِّج بذلك الفروع على الأصول؛ إذ كل فرع لم يخرّج على أصل فليس بشيء، ولم يذكر
_________________
(١) في ز: "والموضع الرابع".
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٣) "هو" ساقطة من ز.
(٤) في ط: "يبنى".
(٥) في ز: "عن الإضافة".
(٦) "فقيل" ساقطة من ز.
(٧) في ز: "فلأنها".
(٨) "الواو" ساقطة من ط.
(٩) في ز: "فهذا".
(١٠) في ط: "الكتاب".
[ ١ / ٧٩ ]
المصنف (١) ﵀ (٢) لهذه المقدمة في الذخيرة خطبة خاصة بها.
قال المصنف (٣) في الشرح: لما رأيت جماعة رغبوا في إفراد هذا الكتاب عن (٤) الذخيرة واشتغلوا به، فلما رأيت كثرة المشتغلين (٥) به، رأيت أن أضع لهم شرحًا يكون عونًا لهم على فهمه وتحصيله، وأبين فيه مقاصد لا تكاد (٦) تعلم إلا من جهتي؛ لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها غموض، وأوشح (٧) ذلك (٨) إن شاء الله بقواعد جليلة [وفوائد جميلة (٩).
قوله] (١٠): (فإِن (١١) هذا كتاب جمعت فيه مسائل المحصول) (١٢):
معناه: فإن هذا الكتاب المفروغ منه المسمى بالتنقيح: كتاب مجموع فيه المسائل المذكورة في الكتاب (١٣) المسمى بالمحصول، وهو تصنيف: الإمام فخر الدين،
_________________
(١) في ز: "المؤلف".
(٢) "﵀" لم ترد في ط.
(٣) في ط: "المؤلف".
(٤) في ط: "على".
(٥) في ط: "واشتغلوا به وكثر المشتغلون".
(٦) "تكاد" ساقطة من ز وط.
(٧) في اللسان: "الوشاح والإشاح حلي النساء، وتوشَّح الرجل بثوبه وبسيفه، وثوب موشح لوشي فيه" .. انظر مادة: (وشح).
(٨) "ذلك" ساقطة من ز.
(٩) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص ٢.
(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(١١) في ط: "وبأن".
(١٢) في ط: "كتاب المحصول".
(١٣) في ز: "فيه مسائل الكتاب".
[ ١ / ٨٠ ]
واسمه: محمَّد بن عمر الرازي (١)، وله تفسير للقرآن العظيم (٢) في خمسين سفرًا.
قوله (٣): (وأضفت (٤) إِليه مسائل كتاب (٥) الإِفادة للقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب المالكي):
الضمير (٦) في قوله: (إليه) عائد إلى (٧) المحصول، أي: فأضفت (٨) إلى (٩)
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري، القرشي، الطبرستاني الأصل، الرازي المولد، الملقب فخر الدين، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، أخذ عن والده، والكمال السمعاني، وفخر الدين فريد عصره، فاق أهل زمانه في علم الكلام، والأوائل، والتفسير، والفقه، والأصول. وتمنى أنه لم يشتغل في علم الكلام، ومن شعره في هذا: نهاية إقدام العقول عقالُ وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقالوا توفي ﵀ في عيد الفطر سنة ست وستمائة (٦٠٦ هـ). من أهم مصنفاته: "تفسيره"، و"المحصول"، و"المعالم"، و"المنتخب". انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/ ٢٤٨ - ٢٥٢، شذرات الذهب ٥/ ٢١، ٢٢، مرآة الجنان ٤/ ١١، مفتاح السعادة ١/ ٤٤٥.
(٢) "العظيم" لم ترد في ط.
(٣) في ط: "نص".
(٤) في ط: "وأضافت".
(٥) "كتاب" ساقط من ط.
(٦) في ط: "والضمير".
(٧) في ز وط: "على".
(٨) في ز: "أي أضفت"، وفي ط: "أي وأضفت".
(٩) في ط: "إليه".
[ ١ / ٨١ ]
ما جمعت من المحصول المذكور مسائل الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (١)، تصنيف القاضي (٢) عبد الوهاب البغدادي (٣) المالكي (٤) ﵁.
قوله (٥): (وهو مجلدان) أي: وهذا الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (٦) هو: مجلدان (٧)، أي: سفران، وفي بعض النسخ (٨) وهما (٩): مجلدان، بتثنية الضمير باعتبار (١٠) السفرين (١١).
قوله: (وكتاب الإِشارة للباجي) أي: وأضفت إليه أيضًا (١٢): كتاب
_________________
(١) في ط: "المسمى بالإفادة".
(٢) في ط: "الإمام القاضي".
(٣) هو أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك ابن طوق التغلبي، البغدادي، المالكي، ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة (٣٦٢ هـ) الفقيه، الحافظ، العالم، الشاعر، أخذ عن أبي بكر الأبهري، تولى القضاء بعدة جهات من العراق، ثم توجه إلى مصر ومات وهو قاض بها سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (٤٢٢ هـ). من أهم مصنفاته: "شرح رسالة ابن أبي زيد"، "شرح التلقين"، "شرح المدونة"، "الإفادة"، و"التلخيص" في أصول الفقه. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، ٣/ ٢١٩، الديباج المذهب تحقيق د. محمَّد أبو النور ٢/ ٢٦ - ٢٩، شذرات الذهب ٣/ ٢٢٣.
(٤) "المالكي" ساقطة من ط، وفي ز: "المالكي، البغدادي".
(٥) في ط: "نص".
(٦) في ز: "وهو".
(٧) في ز: "مجلدان أي وهذا الكتاب المسمى بكتاب الإفادة مجلدان أي: سفران".
(٨) في ز: "وفي نسخة".
(٩) في ط: "ومنها".
(١٠) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "اعتبار".
(١١) في ز: "السفرية".
(١٢) "أيضًا" ساقطة من ط.
[ ١ / ٨٢ ]
الإشارة (١) أي: الكتاب المسمى بكتاب الإشارة (٢)، تصنيف (٣) الشيخ (٤) أبي الوليد الباجي (٥)، وهو كتاب صغير صنفه لابنه - ﵁ -.
قوله: (وكلام ابن القصار [في الأصول).
أي: وأضفت إليه كلام القاضي أبي الحسن (٦) بن القصّار في الأصول. وإنما قال المؤلف: كلام ابن القصّار في الأصول (٧)] (٨)، ولم يقل:
_________________
(١) في ط: "الإشارات للباجي".
(٢) في ط: "الإشارات"، وفي ز: "الإشارة للباجي أي تصنيف".
(٣) في ط: "تأليف".
(٤) "الشيخ" لم ترد في ز.
(٥) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، القرطبي، المالكي، الأندلسي، الباجي، نسبة إلى باجة وهي مدينة بالأندلس، ولد سنة ثلاث وأربعمائة (٤٠٣ هـ) بمدينة بطليوس، سكن شرق الأندلس، ثم رحل إلى المشرق سنة (٤٢٦ هـ)، وأقام بمكة ورحل إلى العراق ولقي بها سادة من العلماء: كأبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي، ثم عاد إلى الأندلس وولي القضاء فيها، توفي ﵀ سنة أربع وسبعين وأربعمائة (٤٧٤ هـ). من مصنفاته: "المنتقى" في الفقه، "الإشارة"، "الحدود"، "إحكام الفصول في أحكام الأصول". انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨، شذرات الذهب ٣/ ٣٤٤، الديباج المذهب تحقيق د. محمَّد الأحمدي أبو النور ١/ ٣٧٧ - ٣٨٥.
(٦) هو علي بن أحمد أبو الحسن البغدادي المعروف بابن القصّار المالكي، تفقه على أبي بكر الأبهري، وكان أصوليًا نظارًا، وليّ قضاء بغداد، توفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (٣٩٧ هـ)، صنف كتاب: "الخلاف". ترجمته في الديباج المذهب تحقيق محمَّد أبو النور ٢/ ١٠٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٦٨، تاريخ بغداد ١٢/ ٤١.
(٧) "في الأصول" ساقط من ز.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
[ ١ / ٨٣ ]
كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى بـ "عيون المسائل" (١).
قوله: (وبينت مذهب مالك ﵀ في الأصول لينتفع بذلك (٢) المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا (٣»:
أي: بيّنت وشرحت، وأوضحت مذهب مالك في الأصول؛ لينتفع بذلك [المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا، أي: بيّنت وأوضحت مذهب مالك في الأصول.
لينتفع بذلك] (٤) الإشارة تعود على كتاب "التنقيح"؛ أي: لينتفع بهذا الكتاب المالكية خصوصًا، ووجه انتفاعهم به واختصاصهم به: أنه (٥) عيَّن فيه مذهب إمامهم، وعين فيه دليله، ووجه انتفاع غيرهم بهذا الكتاب على العموم: أن (٦) المؤلف قرر فيه (٧) الأدلة وأوضحها فيه، والدليل إذا قرر (٨) لا يختص به أحد عن أحد.
قوله: (ولم أترك من هذه الكتب الأربعة إِلا التقاسيم، ويسيرًا من المسائل والمباحث التي لا يحتاج إِليها الفقيه).
_________________
(١) هذه المقدمة حققها في الجامعة مصطفى بن كرامة الله مخدوم، وكتاب الطهارة من عيون الأدلة حققه د. عبد الحميد السعودي لنيل الدكتوراه في كلية الشريعة بالرياض.
(٢) في أ: "لينتفع به".
(٣) في أ: "عامًا".
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(٥) في ز وط: "لأنه".
(٦) في ز وط: "لأن".
(٧) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فيها".
(٨) في ط: "قرب".
[ ١ / ٨٤ ]
نبه في هذا الكلام (١) على أنه لم يتعرض لجميع ما ذكر في الكتب المذكورة المصنف منها هذا التأليف (٢)، وأنه (٣) إنما ساق منها المسائل المهمات، والأمور المعتمدات التي لا بد منها، دون التقاسيم والمباحث (٤) التي لا يحتاج إليها الفقيه في تنزيل الفروع عليها.
قوله (٥): (الكتب (٦) الأربعة) جعلها ها هنا أربعة وهي في التحقيق ثلاثة كتب وهي: "المحصول"، و"الإشارة"، و"الإفادة"، وأما كلام ابن القصار فليس بكتاب، وإنما جعلها أربعة تغليبًا للأكثر.
قوله (٧): (إِلا التقاسيم) أي: إلا التفاصيل، وهي الوسائل (٨) التي يعلم منها الشيء المقسّم [المقصود بالتقسيم، فالمقصد إذًا هو: المقسم] (٩) وأما التقسيم فهو (١٠): وسيلة، فإذا حصل المقصد فلا عبرة بالوسيلة.
قوله (١١): (ويسيرًا (١٢) من المسائل) أي. قليلًا من المسائل (١٣) المخصوصة بعلم الأصول دون علم الفروع.
_________________
(١) في ط: "بهذا".
(٢) في ط: "الكتاب".
(٣) في ز: "فإنه".
(٤) في ط: "المباحيث".
(٥) "قوله" ساقطة من ط.
(٦) في ط: "والكتب".
(٧) في ز: "وقوله".
(٨) في ط: "المسائل".
(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(١٠) في ز: "فهي".
(١١) "قوله" ساقطة من ط.
(١٢) "من" ساقطة من ز.
(١٣) "المسائل" ساقطة من ط.
[ ١ / ٨٥ ]
قوله: (و(١) المباحث) البحث لغة معناه: الطلب المتأكد (٢).
وهي: المدارك التي تبنى عليها (٣) الأصول، فإن المؤلف إنما تعرض في هذا الكتاب للمدارك التي تبنى عليها (٤) الفروع، ولم يتعرض للمدارك التي تبنى عليها (٥) الأصول.
لأن المؤلف قال في مقدمة الذخيرة: ولم أتعرض فيها لمدارك الأصول، فإن ذلك من وظائف الأصولي لا من وظائف الفقيه، فإن مقدمات كل علم تؤخذ (٦) فيه مسلمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه (٧).
قوله (٨): (التي (٩) لا يحتاج إِليها الفقيه).
هذه (١٠) الجملة راجعة إلى الثلاثة الأشياء المذكورة (١١) وهي: التقاسيم، والمسائل، والمباحث، تقديره: إلا التقاسيم التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمسائل التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمباحث التي لا يحتاج إليها الفقيه.
_________________
(١) "الواو" ساقطة من ز.
(٢) انظر: لسان العرب (٢/ ١١٤ - ١١٥) مادة (بحث).
(٣) في ز: "عليه".
(٤) في ز: "عليه".
(٥) في ز: "عليه".
(٦) في ز: "فيما".
(٧) انظر: مقدمة الذخيرة للقرافي ١/ ٥١، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد السميع أحمد إمام.
(٨) "قوله" ساقطة من ط.
(٩) في ط: "والتي"
(١٠) في ط: "فهذه".
(١١) في ط: "المذكورات".
[ ١ / ٨٦ ]
قوله: (مع أني زدت كثيرًا من القواعد والتلخيصات، والتحرير، والتنبيه، والقيود في الحدود).
العامل في الظرف الذي هو: "مع" فعل محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: فعلت ذلك مع أني زدت كثيرًا، أي: تركت ما لا يحتاج إليه من الكتب (١) المذكورة (٢) مع زيادتي عليها ما يحتاج إليه.
وذكر ها هنا أنه زاد على ما جمع من تلك الكتب الأربعة خمسة أصناف:
أحدها: القواعد، وهي: القوانين والضوابط، مفرد القواعد: قاعدة.
وهي: صورة كلية (٣) تتبين بها جميع جزئياتها.
وهي ست قواعد:
واحدة في باب الأوامر (٤)، وثانية في باب الاجتهاد، وأربع في باب جميع (٥) أدلة المجتهدين وتصرفات المتكلفين (٦) في الأعيان.
_________________
(١) "الكتب" ساقطة من ط.
(٢) في ط: "المذكورات".
(٣) "صورة" ساقطة من ز.
(٤) انظر: ص ٢/ ٦٢٢ من هذا الكتاب.
(٥) "جميع" ساقطة من ز وط.
(٦) في ط: "وتصريفات المكلفين".
[ ١ / ٨٧ ]
الصنف الثاني: التلخيصات، التلخيص (١) في اللغة معناه (٢): التبيين. قال صاحب العين: "لخصت الشيء: بيّنته (٣) " (٤).
ومعناه (٥) ها هنا: جمع ما افترق وضم ما انتشر، ولكن إن تأملت هذا الصنف فليس بزيادة في المعنى.
قوله (٦): (والتحرير) هو: الصنف الثالث، والمراد به: تقرير الأدلة وبسطها.
قوله (٧): (والتنبيه) هو: الصنف الرابع، ومعناه: إيقاظ من غفلة، وهو: ذكر ما سكت عنه القدماء.
وهو خمسة تنبيهات:
واحدة في الفصل الثالث عشر في: الحكم وأقسامه (٨)، وثانية في الفصل الرابع عشر: في أوصاف العبادات (٩)، وثالثة (١٠) في باب الاجتهاد،
_________________
(١) في ز: "والتلخيص".
(٢) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "معناها".
(٣) في ز: "معناه بينته".
(٤) قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين: لخصت الشيء إذا استقصيت في بيانه، يقال: لخص لي خبرك أي: بينه شيئًا بعد شيء. انظر: العين (٤/ ١٨٧) تحقيق: مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي.
(٥) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ومعناها".
(٦) "قوله" ساقطة من ط.
(٧) "قوله" ساقطة من ط.
(٨) انظر: ص ١/ ٦٧٧ من هذا الكتاب.
(٩) في ط: "والعبادة". وانظر: هذا التنبيه في ص ٢/ ٢٨ - ٢٩ من هذا الكتاب.
(١٠) في ز: "والثالثة".
[ ١ / ٨٨ ]
ورابعة، وخامسة (١) في: باب جميع (٢) أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين (٣) في الأعيان.
قوله (٤): (والقيود في الحدود) وهو الصنف الخامس والمراد بها التحرزات (٥) المذكورة في بعض الحدود.
مثاله: زيادة القديم في حد الحكم الشرعي؛ لأن المؤلف زاده هنالك (٦) في الفصل الثالث عشر من الباب الأول؛ لأنه قال فيه: الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى القديم (٧).
قوله (٨): (وبحيث (٩) يستعان بهذا الكتاب على شرح تلك الكتب) (١٠).
الباء في قوله: (بحيث) متعلق بقوله: (زدت)؛ أي: زدت (١١) هذه الأشياء على ما جمعت من تلك الكتب، كي يستعان بهذا الكتاب على شرح
_________________
(١) في ز: "والرابعة والخامسة".
(٢) "جميع" ساقطة من ط، وفي ز: "جمع".
(٣) المثبت من ز، وفي الأصل: "المتكلمين"، وفي ط: "المتكلفين".
(٤) "قوله" ساقطة من ط.
(٥) في ز: "به التحريرات".
(٦) في ز: "هناك".
(٧) في ز وط: "القديم كما تقف عليه إن شاء الله تعالى".
(٨) "قوله" ساقطة من ط.
(٩) في ط: "وبحيث".
(١٠) في ز: "الكتب الأربعة".
(١١) "أي زدت" ساقط من ط.
[ ١ / ٨٩ ]
وبيان ما أشكل من تلك الكتب (١).
قوله: (ولخصت جميع ذلك [في مائة فصل وفصلين في عشرين بابًا):
قوله: (ولخصت) (٢) أي: وبيّنت وجمعت ورتبت جميع ذلك] (٣)، أي: جميع ما جمعت من الكتب وما زدت عليها في مائة فصل وفصلين.
[قوله: (وفصلين)] (٤) فإذا عددت فصول الكتاب فلا تجد فيها زيادة على المائة إلا فصلًا واحدًا مع أن المؤلف قال هنا: فصلين (٥)؟
أجيب عنه بأن قيل: الفصل المتمم لهذا العدد المراد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (٦)؛ لأن المؤلف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مراد في المعنى، لأنه عادته في سائر (٧) الأبواب أنه (٨) يقدم فصل الحقيقة.
قوله (٩): (وفصلين) يريد باعتبار الفصل المتروك لفظه في أول باب (١٠) الاجتهاد؛ لأنه قال هنالك (١١): الباب التاسع عشر في الاجتهاد وهو استفراغ
_________________
(١) في ط: "على شرح تلك الكتب وبيان ما أشكل منها".
(٢) في ز: "ولخصت جميع ذلك أي " إلخ.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(٥) في ز وط: "أن المؤلف زاد ها هنا فصلين على المائة".
(٦) في ز: "التاسع عشر في الاجتهاد".
(٧) في ط: "مسائل".
(٨) في ط: "أن".
(٩) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "فقوله".
(١٠) في ز: "في باب أول".
(١١) في ز: "هناك".
[ ١ / ٩٠ ]
الوِسع [في المطلوب لغة (١)، واستفراغ الوسع] (٢) في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحًا (٣). ثم قال: وفيه تسعة فصول:
كان (٤) حقه أن يقول: فيه (٥) عشرة فصول؛ لأن الذي (٦) قدمه في حقيقته هذا (٧) هو فصل مستقل بنفسه.
قوله (٨): (في عشرين (٩) بابًا) هذا الكلام يوهم (١٠): أن كل باب فيه: فصول، وليس الأمر كذلك؛ لأن هنالك خمسة أبواب ليس فيها فصل أصلًا، وهي (١١): الباب الثاني في معاني حروف (١٢)، والباب الثالث في
_________________
(١) قال الزبيدي في تاج العروس: الجهد بالفتح الطاقة والوسع. انظر مادة: (جهد).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٣) هذا التعريف للاجتهاد نص عليه القرافي في تنقيح الفصول، انظر: شرح التنقيح للقرافي (ص ٤٢٩). وانظر أيضًا: تعريف الاجتهاد اصطلاحًا في المستصفى (٢/ ٣٥٠)، شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب (٢/ ٢٨٩).
(٤) في ز: "فكان".
(٥) في ز وط: "وفيه".
(٦) في ط: "هذا الذي".
(٧) "هذا" ساقطة من ط.
(٨) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(٩) في ط: "وفي عشرين".
(١٠) في ز: "ظاهره".
(١١) في ز: "وهو".
(١٢) في ز وط: "الحروف" وانظر هذا الباب في ص ٢/ ١٨٧ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٩١ ]
تعارض مقتضيات الألفاظ (١)، والباب السابع في أقل الجمع، والباب العاشر في المطلق والمقيد، والباب الحادي عشر في دليل الخطاب، فهذه الأبواب الخمسة: لا فصل فيها أصلًا.
قوله (٢): (في مائة فصل وفصلين في عشرين (٣) بابًا).
فإن قيل: لم قدم الفصول على الأبواب، مع أن الباب أعم من الفصل لاشتمال الباب على الفصل، وكان (٤) حقه أن يقول: و(٥) لخصت جميع ذلك في عشرين بابًا مشتملة على مائة فصل وفصلين؟
(قلنا) (٦): إنما قدم المؤلف (٧) الفصول في الذكر على الأبواب؛ لأنه (٨) من باب تقديم الوسيلة على المقصد؛ إذ الفصول (٩) وسيلة (١٠) إلى ما
_________________
(١) انظر هذا الباب في ص ٢/ ٣٥٩ من هذا الكتاب.
(٢) "قوله" ساقطة من ط.
(٣) في ط: "وفي مائة المسألة".
(٤) في ط: "لأن".
(٥) "الواو" ساقطة من ز.
(٦) المثبت بين القوسين من ز، وفي الأصل: "الشيخ"، وفي ط: "نقول".
(٧) في ط: "المصنف".
(٨) "لأنه" ساقطة من ز وط.
(٩) "الفصول" ساقطة من ط.
(١٠) في ط: "الوسيلة".
[ ١ / ٩٢ ]
تضمنه (١) من (٢) المقاصد، وأخر الأبواب؛ لأنها وسيلة إلى الفصول، فالأبواب إذًا وسيلة الوسيلة [فهي أضعف من الفصول؛ إذ الفصول وسيلة إلى المقصد (٣)، فهي أقوى من الأبواب التي هي: وسيلة الوسيلة] (٤) وللأقوى مزية على الأضعف، فالباب وسيلة إلى الفصل، والفصل وسيلة إلى المعنى المقصود، فالوسيلة بالمباشرة (٥) أقوى من الوسيلة بالوسيلة (٦)، ولهذا قدم الفصول على الأبواب، والله أعلم (٧).
قوله (٨): (وسميته بتنقيح (٩) الفصول في علم الأصول).
نبه المؤلف ها هنا على اسم كتابه هذا، وسماه في الشرح: تنقيح الأصول في اختصار المحصول، فله إذًا اسمان (١٠).
قوله (١١): (تنقيح (١٢) الفصول) تنقيح الشيء: إصلاحه وتصفيته وإزالة
_________________
(١) في ز: "تضمنت"، وفي ط: "تضمنته".
(٢) "من" ساقطة من ط.
(٣) في ز: "وسيلة المقاصد".
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(٥) في ط: "بالمباشرات".
(٦) في ز وط: "بالواسطة".
(٧) "والله أعلم" لم ترد في ز.
(٨) "قوله" ساقطة من ط.
(٩) في أ: "تنقيح".
(١٠) في ط: "فله اسمان إذًا".
(١١) "قوله" ساقطة من ط.
(١٢) في ط: "وتنقيح".
[ ١ / ٩٣ ]
ما لا يصلح عما يصلح (١) (٢) فالاسم مطابق للمسمى.
ولقد أحسن من قال: علم أصول (٣) الفقه من أجلّ العلوم وأفضلها، وأشرفها منفعة، وأكملها، لاشتماله على المعقول والمنقول، وجمعه بين الرواية والدراية (٤)، فهو قد جمع بين (٥) الشيئين، واستوى على الطرفين، من جهله من الفقهاء: فتحصيله أجَاج، ومن سلب ضوابطه: عدم عند دعاويه الحجاج، فهو (٦) جدير بأن يتنافس فيه، ويشتغل بأفضل الكتب المؤلفة فيه.
وهذا التأليف من أجلّ التأليفات وأفضل المختصرات، لاشتماله على قواعد الأصول ومبانيها، واحتوائه على ما لا بد للفقيه منه.
وقد طعن قوم من الفقهاء في علم الأصول فقالوا: إنما يتعلم للجدال والرياء، وذلك باطل حقًا حقًا (٧)؛ لأنه لولا علم الأصول لما علم حكم من الأحكام الشرعية، فإن كل حكم شرعي لا بد له من دليله، وذلك الدليل إنما
_________________
(١) في ط: "لا يصلح".
(٢) قال الزبيدي في تاج العروس: نقح الجذع شذ به عن أُبْنَة بضم الهمزة وفتح الموحدة كنقحه تنقيحًا، وفي التهذيب: النقح تشذيبك عن العصا حتى تخلص، وتنقيح الجذع تشذيبه، وكل ما نحيت عنه شيئًا فقد نقحته، ومن المجاز تنقيح الشعر، وإنقاحه تهذيبه. انظر: تاج العروس مادة (نقح).
(٣) في ط: "الأصول".
(٤) في ط: "وجمعت بين الدراية والرواية".
(٥) في ز: "على".
(٦) في ط: "وهو".
(٧) "حقًا حقًا" ساقطة من ز وط.
[ ١ / ٩٤ ]
يعلم من علم الأصول، فلو جهل ذلك الدليل: لكان ذلك إثبات الحكم (١) بغير دليل، وهو: اتباع الهوى وذلك: حرام بإجماع، وأيضًا من شروط المجتهد أن يكون عارفًا بالأصول.
وعلم الأصول (٢) من مناقب الشافعي - ﵁ - (٣) التي يمدح بها، وهو (٤) أول من ألّف تأليفًا في علم الأصول.
قال الشاعر:
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ألا يرى ضوءها (٥) من ليس (٦) ذا بصر (٧)
وقال آخر:
وليس يصح في المعقول شيء (٨) إذا احتاج النهار إلى دليل (٩)
_________________
(١) في ط: "حكم".
(٢) في ز وط: "وأيضًا من مناقب".
(٣) في ز: "رضي الله تعالى عنه" وهي لم ترد في ط.
(٤) في ط: "أنه".
(٥) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ضوء".
(٦) في ط: "كان".
(٧) قائل هذا البيت هو: أبو الحسن منصور بن إسماعيل التميمي المصري الضرير، من فقهاء الشافعية أخذ الفقه عن أصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، وله شعر جيد، وتوفي سنة ٣٠٦ هـ، وقبل هذا البيت قوله: عاب التفقُّه قوم لا عقول لهم وما عليه إذا عابوه من ضرر انظر نسبة هذين البيتين له في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص ١٠٨)، معجم الأدباء ١٩/ ١٨٥، وفيات الأعيان ٥/ ٢٩٠.
(٨) في ط: "وليس يصح شيء في المعقول" وهو يخل بالوزن.
(٩) قائل هذا البيت هو المتنبي، وهذا البيت من قصيدة أولها: =
[ ١ / ٩٥ ]
وبالله التوفيق (١).
_________________
(١) = أتيت بمنطق العرب الأصيل وكان بقدر ما عينت قيلِ ونصه: وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليلِ انظر: شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي ٣/ ٢١٥ ..
(٢) في ز: "وبالله حسن التوفيق بمنه"، وفي ط: "وبالله تعالى حسن التوفيق بمنه".
[ ١ / ٩٦ ]