أما إذا تعارض الجرح والتعديل: قدمنا الجرح؛ فإنه اطلاع على زيادة خفيت على المعدل١.
_________________
(١) ١ خلاصة ذلك: أنه إن كان عدد المجرحين أكثر من عدد المعدلين قدم الجرح بلا خلاف، فإن تساوي عدد المجرحين والمعدلين أو كان المعدلون أكثر، فالصحيح تقديم المجرحين؛ لأن مستند المعدل في تعديله: استحصاب حال العدالة الأصلية، وعدم الاطلاع على ما ينافيها. ومستند الجارح: الاطلاع على ما يقدح في العدالة، فقدم قوله، كراوي الزيادة في الحديث؛ لأنه سمع ما لم يسمعه غيره. والقول الثاني: أنه إذا زاد عدد المعدلين على عدد المجرحين قدم قول المعدلين؛ لأن الكثرة تقوي الظن، والمعدل بأقوى الظنين واجب، كما في تعارض الحديثن والأمارتين وغيرهما من المتعارضات. قال المصنف: وهو ضعيف، فإن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد. قال الطوفي: "هذا إنما هو فيما إذا أمكن اطلاع الجارح على زيادة، أما إذا استحال ذلك، مثل أن قال الجارح: رأيت هذا قد قتل زيدًا في وقت كذا، وقال المعدل: رأيت زيداحيًّا بعد ذلك الوقت، فههنا يتعارضان، فيتساقطان، ويبقى أصل العدالة ثابتًا. قلت: ويحتمل هاهنا أن يقدم قول المعدل، لأن السبب الذي استند إليه =
[ ١ / ٣٤٣ ]
فإن زاد عدد المعدل على الجارح فقد قيل: يقدم التعديل، وهو ضعيف، لأن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.
فصل: في التعديل
وذلك: إما بقول، وإما بالرواية عنه، بخبر، أو بالحكم به.
وأعلاها: صريح القول، وتمامه: هو عدل، رضي، ويبين السبب١
الثاني: أن يروى عنه.
وهل ذلك تعديل له؟ على روايتين٢:
والصحيح: أنه إن عرف من عادته، أو بصريح٣ قوله: أنه لا يستجيز الرواية إلا عن العدل، كانت الرواية تعديلًا له.
وإلا فلا؛ إذ من عادة أكثرهم الرواية عمن لو كلفوا الثناء عليه لسكتوا، فليس فيه تصريح بالتعديل.
فإن قيل: لو روى عن فاسق كان غاشًّا في الدين.
_________________
(١) = الجارح قد تبين بطلانه، فتبين به أن الجرح كأنه لم يكن، فيبقى التعديل مستقلًّا". "شرح المختصر جـ٢ ص١٦٦". ٢ أي: سبب التعديل: وإلا لم يقبل. ٢ عن الإمام أحمد. ٣ في الأصل "تصريح" وما نقلناه من المستصفى.
[ ١ / ٣٤٤ ]
قلنا: لم يوجب على غيره العمل به، بل قال: سمعت فلانًا قال كذا، وقد صدق فيه.
ثم لعله لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه ووكل البحث إلى من أراد القبول.
الثالث: العمل بالخبر، إن أمكن حمله على الاحتياط، أو العمل بدليل آخر وافق الخبر، فليس بتعديل.
وإن عرفنا يقينًا أنه عمل بالخبر فهو تعديل؛ إذ لو عمل بخبر غير العدل فَسَقَ.
ويكون حكم ذلك حكم التعديل بالقول من غير ذكر السبب.
الرابع: أن يحكم بشهادته، وذلك أقوى من تزكيته بالقول.
أما تركه الحكم بشهادته فليس بجرح؛ إذ قد يتوقف في شهادته لأسباب سوى الجرح.
[ ١ / ٣٤٥ ]