وقد أنكر قوم النسخ١.
وهو فاسد؛ لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا.
_________________
(١) ١ الخلاف في النسخ دائر بين الجواز العقلي أو الشرعي، والوقوع. قال الشيخ الطوفي: "اختلف الناس في النسخ، والخلاف إما في جوازه أو في وقوعه. والخلاف في جوازه، إما عقلًا، أو شرعًا. وقد اتفق أهل الشرائع على جوازه عقلًا، ووقوعه سمعًا، إلا الشمعونية من اليهود، فإنهم أنكروا الأمرين، وأما العنانية منهم، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين، فإنهم أنكروا جواز النسخ شرعًا، لا عقلًا شرح مختصر الروضة "٢/ ٢٦٦، ٢٦٧". وأبو مسلم الذي أشار إليه الطوفي: هو: محمد بن بحر الأصفهاني، مفسر، نحوي، متكلم معتزلي، له كتاب في التفسير على مذهب المعتزلة يسمى "جامع التأويل لمحكم التنزيل" ولد الأصفهاني سنة ٢٥٤هـ، وتوفي سنة ٣٢٢هـ. وهو غير الجاحظ، خلافًا لما ذكره الإسنوي في نهاية السول "٢/ ١٤٩": انظر: "معجم الأدباء ١٨/ ٣٥، بغية الوعاة ١/ ٥٩". والنقول عن هذا الرجل -في قضية النسخ- متضاربة، والذي توصل إليه المحققون أن خلافه مع الجمهور خلاف لفظي، وأنه لا ينكر النسخ، كما هو =
[ ١ / ٢٢٧ ]
أما العقل:
فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا بُعْدَ في أن الله -تعالى- يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا -بسبب العزم عليه- عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم.
فأما دليله شرعًا:
فقال الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ ١، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة﴾ ٢.
_________________
(١) = مشهور، فهو يسميه تخصيصًا لا نسخًا، قال المحلي في شرح جمع الجوامع "٢/ ٨٨": "النسخ واقع عند كل المسلمين، وسماه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصًا؛ لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان، كالتخصيص في الأشخاص. فقيل: خالف في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، فالخلف الذي حكاه الآمدي وغيره عنه من نفيه وقوعه لفظي لما تقدم من تسميته تخصيصًا". ١ سورة البقرة من الآية: ١٠٦ وقد اعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآية على وقوع النسخ فقالوا: إن الآية تفيد صدق التلازم الحاصل بين الشرط والجزاء، وصدق هذا التلازم، لا يتوقف على وقوع الشرط والجزاء ولا على وقوعهما، بل إن التلازم يصدق ولو كان الشرط محالًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ [الزخرف: ٨١] . وقد أجاب الإسنوي على ذلك بما حاصله: أن الآية مع قطع النظر عن سبب نزولها لا دلالة فيها على الجواز كما تقولون، ولكن إذا نظرنا إلى سبب النزول: وهو أن اليهود عابوا على رسول الله -ﷺ- تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام، فقالوا: إن محمدًا يأمر بالشيء، ثم ينهى عنه، فأنزل الله تعالى -ردًا عليهم-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ انظر: نهاية السول "٢/ ٥٥٧" بهامشه سلم الوصول. ٢ سورة النحل من الآية: ١١٠.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقد أجمعت الأمة على أن شريعة محمد -ﷺ- قد نسخت ما خالفها من شرائع الأنبياء قبله.
وقد كان يعقوب -﵇- يجمع بين الأختين.
وآدم -﵇- كان يزوج بناته من بنيه، وهو محرم في شرائع من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام١.
_________________
(١) ١ هذه أمثلة لوقوع النسخ بين الشرائع المختلفة، وهناك أمثلة كثيرة لوقوع النسخ في شريعتنا، منها:
(٢) نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا، بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، فقد كانت المرأة في صدر الإسلام تعتد سنة كاملة، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه الآية الأخيرة ناسخة للاعتداد بالحول، وهي وإن كانت متقدمة على الثانية في التلاوة، والأصل: أن يكون المتأخر هو الناسخ، إلا ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول، فالآية الناسخة نزلت بعد المنسوخة، وإن كانت قد وضعت قبلها. على أن من العلماء من قال: إنها ليست منسوخة، وإنما خص من الحول بعضه فجعل عدة واجبة على المرأة، وبقي البعض وصية لها إن شاءت مكثت ولها المتعة من تركة زوجها، وإن شاءت خرجت وسقط حقها في المتعة. وقد أخرج ذلك البخاري "٤٥٣١" وابن جرير الطبري عن مجاهد، إلا أن الجمهور على أنها منسوخة: انظر: فتح القدير للشوكاني "١/ ٢٥٨".
(٣) نسخ الوصية للوالدين بآية المواريث. وأمثلة كثيرة لا تخفى على أهل العلم، وكلها تدل على وقوع النسخ، والوقوع دليل على الجواز وزيادة.
[ ١ / ٢٢٩ ]