مصححو الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام:
الأول: ما يرجع إلى ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١.
وإلى ما لا يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يضاد وجوبه، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ٢ مع قول النبي -ﷺ-: "لا تلبسوا الحرير" ٣.
ولم يتعرض في النهي للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه٤ جميعًا.
القسم الثالث: أن يعود النهي إلى المنهي عنه دون أصله، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٥ مع قوله -تعالى-: ﴿لاَ
_________________
(١) من أمرنا فهو رد" "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٢٢-٢٣" ط. دار القلم، بيروت. ١ سورة الإسراء من الآية: ٢٣. ٢ سورة الإسراء من الآية: ٧٨. ٣ حديث صحيح رواه البخاري عن عمر بن الخطاب -﵁- في كتاب اللباس، باب: لبس الحرير "٤/ ٨٣" ومسلم: كتاب اللبس "٤/ ١٤٠" بلفظ: "ولا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" كما رواه النسائي والترمذي وأحمد. ٤ استعمل المصنف كلمة "المكروه" وقصده "المحرم" وهو وارد فقد جاء في القرآن الكريم إطلاق لفظ "المكروه" على بعض المقطوع بحرمتها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ اقرأ الآيات ٣١-٣٨ من سورة الإسراء. ٥ سورة البقرة الآيات: ٤٣، ١١٠ وفي سورة الأنعام ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاة وَاتَّقُوهُ
[ ١ / ١٤٤ ]
تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ ١ وقوله -﵇-: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ٢، ونهيه عن الصلاة في المقبرة٣، وقارعة الطريق، والأماكن السبعة٤. ونهيه عنها في الأوقات الخمسة٥.
_________________
(١) وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٧٢] . ١ سورة النساء من الآية: ٣٤. ٢ هذا جزء من حديث ورد في قصة فاطمة بنت حبيش بنت جحش، وحمنة بنت جحش، بألفاظ مختلفة: فرواه أبو داود: كتاب الطهارة باب: في المرأة المستحاضة، وأحمد في المسند "٦/ ٣٢٢" عن أم سلمة -﵂- أنها استفتت النبي -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حبيش فقال لها: "تدع الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل وتصلي" وفي الموطأ والبخاري: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي". وللحديث روايات أخرى كثيرة. يراجع: "الموطأ ١/ ٦١، فتح الباري ١/ ٤٠٩، جامع الأصول ٧/ ٣٦٠-٣٦٨". ٣ روى مسلم في صحيحه "٩٧-٩٧٢" عن أبي مرثد أن النبي -ﷺ- قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". ٤ عن ابن عمر، -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق" حديث صحيح رواه الترمذي: أبواب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة. والمراد ببيت الله: الكعبة المشرفة لإخلاله بالتعظيم وعدم احترامها بالاستعلاء عليها، والمزبلة: محل الزبل، ومثله كل نجاسة متيقنة. وعطن الإبل، المكان الذي تنحّى فيه ليشرب غيرها، ومحجة الطريق: وسطه "فيض القدير ٤/ ٨٨". ٥ صحت الأحاديث الدالة على النهي في الأوقات الخمسة، ومنها: الحديث الذي =
[ ١ / ١٤٥ ]
فأبو حنيفة يسمي المأتي به على هذا الوجه فاسدا وغير باطل١.
وعندنا: أن هذا من القسم الأول١، وهو قول الشافعي، فإن المكروه الصلاة في زمن الحيض٣، لا الوقوع في الحيض مع بقاء الصلاة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الإيقاع، ولذلك بطلت الصلاة في هذه المواضع كلها٤.
_________________
(١) = رواه البخاري ومسلم أنه -ﷺ- قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب" رواه مسلم. انظر: صحيح البخاري "١/ ٣٥٢"، صحيح مسلم "١/ ٥٦٧" الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمؤلف جـ١ ص١٢٢ ط. المكتب الإسلامي. ١ حيث يفرق الحنفية بين الفاسد والباطل فيقول: الفاسد: ما كان الخلل فيه راجعًا إلى وصف من أوصاف الفعل، أما الباطل: فما كان الخلل فيه راجعًا إلى أصل الفعل. انظر: أصول السرخسي ج١ ص٨٠. ٢ وهو: النهي الذي يرجع إلى ذات المنهي عنه. ٣ يقصد بالمكروه هنا -المحرم- كما تقدم. وإلا فالصلاة في زمن الحيض حرام. ٤ وضح الشيخ "الشنقيطي" ما أراده المصنف من هذا الفصل فقال: "اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني: أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك بالله، والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال. وإما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها، وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق يختلفون: فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، =
[ ١ / ١٤٦ ]