فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا١: فهو قول الجمهور.
خلافًا لأكثر القدرية٢ وبعض أهل الظاهر.
ولنا دليلان قاطعان:
أحدهما: إجماع الصحابة -﵃- على قبوله:
فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.
_________________
(١) ١ معنى "سمعًا" أي: من جهة دليل الشرع، وما تقدم كان من جهة العقل. قال الطوفي: "وفي المسألة تفصيل، وهو: أن القائلين بجواز التعبد به عقلًا، منهم من نفى كونه حجة شرعًا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود [الظاهري]، ومنهم من أثبت ذلك، ثم هؤلاء اتفقوا على دلالة السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه، فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون وقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي أنه حجة مطلقًا، وهو المذكور في المختصر". "شرح المختصر جـ٢ ص١١٩". وانظر: الإحكام للآمدي "٢/ ٤٥" والإحكام لابن حزم "١/ ٩٤". ٢ القدرية: فرقة من المعتزلة بالغت في القول بالقدر، بمعنى أنهم يكذبون بالقدر، ويبالغون في إنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم عشرون فرقة، كل فرقة منها تكفر الأخرى. الفرق بين الفرق ص٢٤.
[ ١ / ٣١٣ ]
منها: أن الصديق -﵁- لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله -ﷺ- فيها؟
فشهد له محمد بن مسلمة١، والمغيرة بن شعبة٢ أن النبي -ﷺ- أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده٣.
وروي عن "عمر" -﵁- في وقائع كثيرة:
منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله -ﷺ- في الجنين"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة٤ وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح٥ فقتلتها
_________________
(١) ١ هو: محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الحارثي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، استخلفه الرسول -ﷺ- على المدينة في بعض غزواته، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ. انظر في ترجمته: "الاستعياب ٣/ ١٣٧٧، الخلاصة ص٣٥٩". ٢ هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، أحد دهاة العرب، ولاه "عمر" البصرة، ثم عزله عنها وولاه الكوفة، وأقره "عثمان" عليها، ثم عزله، ولما تم الأمر لمعاوية أعاده عليها، حتى توفي سنة ٥٠هـ. انظر: "الاستيعاب ٤/ ١٤٤٥، الإصابة القسم السادس ص١٩٧". ٣ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة. ٤ هو: حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي، البصري، استعمله النبي -ﷺ- على صدقات "هذيل" وعاش إلى خلافة "عمر" -﵄-. انظر في ترجمته: "الإصابة ١/ ٣٥٥، الاستيعاب ١/ ٣٦٦". ٥ المسطح: بكسر الميم عود من أعواد الخباء.
[ ١ / ٣١٤ ]
وجنينها، فقضى النبي -ﷺ- في الجنين بغرة"١ فقال عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"٢.
وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك٣: أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي٤ من دية زوجها"٥.
_________________
(١) ١ الغرة: بضم الغين: عبد أو أمة. ٢ الحديث رواه أبو داود: كتاب الديات، باب دية الجنين، والدراقطني: كتاب الحدود والديات، كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي في الرسالة ص٤٢٧. عن ابن عباس -﵄- أن دية الجنين خفيت على عمر بن الخطاب -﵁- حتى سأل الناس الحديث. وفي رواية لأبي داود: فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله -ﷺ- في جنينها بغرة وأن تقتل" أي القاتلة. ٣ هو: الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، من أصحاب رسول الله -ﷺ- كان شجاعًا مقدامًا، ولاه رسول الله -ﷺ- جمع الصدقات من قومه. انظر: في ترجمته: "الإصابة ٣/ ٤٧٧، الخلاصة ص١٩٧". ٤ أشيم -بوزن أحمد-: الضبابي -بكسر المعجمة بعدها باء موحدة-، قتل مسلمًا في عهد النبي -ﷺ- فأمر -ﷺ- الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من ديته. انظر: الإصابة مع الاستيعاب "١/ ٩٧"، أسد الغابة "١/ ١٩٧". ٥ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، وقال: "حديث حسن صحيح". كما أخرجه ابن ماجه: كتاب الديات، باب الميراث من الدية، ومالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، والشافعي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، والدارقطني: كتاب الفرائض.
[ ١ / ٣١٥ ]
ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي -ﷺ- في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"٢.
وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك"٣ في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها٤.
_________________
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل فترة دار الأرقم، جمع بين الهجرتين، هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. شهد بدرًا وما بعدها، كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم في الخلافة. مات بالمدينة سنة ٣١هـ. "الإصابة ٤/ ٣٤٦". ٢ رواه البزار في مسنده، والدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة في مسنده، ومالك في الموطأ: كتاب الزكاة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف -﵁-: "أشهد لسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أعله ابن عبد البر بالانقطاع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يلق عمر، وأعله غيره بالإرسال، لكن يشهد له ما جاء في البخاري من حديث مجالد قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله -ﷺ- أخذها من مجوس هجر. كما يشهد له -أيضًا- ما رواه البخاري من أخذ الجزية من البحرين التي صالح أهلها الرسول -ﷺ- وولى عليها العلاء بن الحضرمي، وهم من المجوس. انظر: "فتح الباري جـ٦ ص٢٥٩". ٣ هي: فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وهي التي قتل زوجها في عهد رسول الله -ﷺ- فأمرها النبي -ﷺ- بأن تمكث في بيتها حتى تنتهي عدتها -كما سيأتي تخريج الحديث-. انظر: في ترجمتها: "الإصابة ٨/ ٦٦، والاستيعاب ٤/ ١٩٠٣". ٤ أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي: كتاب =
[ ١ / ٣١٦ ]
وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي -ﷺ- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي -ﷺ- قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" ١.
_________________
(١) = الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها ولفظه: "أنها -أي فريعة- جاءت رسول الله –ﷺ- تسأله أن ترجع إلى أهلها في "بني خدرة" وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم -موضع بضاحية المدينة- لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله -ﷺ- أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله -ﷺ-: "نعم". قالت: ما انصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، ناداني رسول الله -ﷺ- أو أمر بي، فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ " قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، وقضى به". والحديث أخرجه أيضًا: النسائي: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي: باب خروج المتوفى عنها زوجها، والشافعي: كتاب النفقات، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها. ١ الحديث رواه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار بلفظ: "كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "وما من =
[ ١ / ٣١٧ ]
ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى١ إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي -ﷺ-: "إذا مس الختان الختان وجب الغسل"٢. فرجعوا إلى قولها.
واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة٣.
وروى أنس٤ قال: كنت أسقي أبا عبيدة٥، وأبا طلحة٦.
_________________
(١) = عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . كما أخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة؛ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، وأحمد في مسنده "١/ ٢" وابن حبان حديث "٢٤٥٤" وصححه. ١ هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى قومه، ثم قدم جماعة من الأشعريين إلى النبي -ﷺ- حين فتح خيبر، ولاه النبي -ﷺ- اليمن، ثم ولاه عمر البصرة مات بالكوفة وقيل: بمكة سنة ٤٤هـ. "الإصابة ٤/ ٢١١". ٢ أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان، وجب الغسل، وابن ماجة: كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان. ٣ تقدم تخريجه في باب النسخ. ٤ هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله -ﷺ- وخادمه. توفي سنة ٩٣هـ. "صفة الصفوة ١/ ٢٩٨، الأعلام ١/ ٣٦٥". ٥ هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام. توفي بالطاعون سنة ١٨هـ. "حلية الأولياء ١/ ١٠٠، والأعلام ٤/ ٢١". ٦ هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي، كان فارسًا =
[ ١ / ٣١٨ ]
وأبي بن كعب١ شرابًا من فضيخ٢، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها٣.
ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد٤ في الصرف٥.
_________________
(١) = شديدًا، وقى النبي -ﷺ- بصدره من قبل المشركين في أحد، تصدق بحديقة كانت له لما نزل قوله الله -تعالى-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ توفي سنة ٥٠هـ. "الإصابة ٢/ ٦٠٧". ١ هو: أبي بن كعب بن قيس بين عبيد بن النجار الأنصاري، سيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي. توفي سنة ٢٠هـ. وقيل غير ذلك. انظر: "الإصابة ١/ ٢٧، البداية والنهاية ٧/ ٩٧". ٢ الفضيخ: هو أن يجعل التمر في إناء ثم يصب عليه الماء الحار، فيستخرج حلاوته، ثم يغلى ويشتد. التعريفات للجرجاني ص١٦٧. ٣ حديث صحيح، رواه البخاري "٣/ ٣٢١" بحاشية السندي، ومسلم "١٣/ ١٥١" مع شرح النووي، ومالك في الموطأ "٣/ ١٥٥" مع المنتقى. ٤ هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخزرجي، الأنصاري، الخدري، من علماء الصحابة، وحفاظها المكثرين. توفي سنة ٧٤هـ. انظر: "الاستيعاب ٤/ ١٦٧١، تاريخ بغداد ١/ ١٨٠". ٥ حديث ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" تقدم الحديث عنه. أما حديث أبي سعيد الذي رجع إليه ابن عباس فهو: ما أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الفضة، وأحمد في مسنده "٣/ ٩" ومسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، ولفظه: قال رسول الله -ﷺ-: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
[ ١ / ٣١٩ ]
ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة١.
وكان زيد بن ثابت٢ يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف٣.
فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي -ﷺ- بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: "ما أراك إلا قد صدقت".
والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.
واتفق التابعون عليه أيضا٤. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.
_________________
(١) ١ تقدم قريبًا. ٢ هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من كتاب الوحي وهو الذي تولى جمع القرآن في عهد أبي بكر -﵁- وهو أعلم الصحابة بالفرائض فقال -ﷺ-: "أفرضكم زيد" توفي سنة ٤٢هـ. "الإصابة ٢/ ٥٩٤، الاستيعاب ١/ ٥٥١". ٣ أي: لا ترجع إلى بلدها إلا إذا طافت طواف الوداع. وكان زيد بن ثابت يفتي بذلك، حتى علم بخبر ابن عباس، الذي أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت "أي: طافت طواف الإفاضة". ولفظه: عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس -﵄- عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا "أم سليم" فقالت: إن صفية بنت حيي -زوج النبي -ﷺ- حاضت فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: "أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذن". أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج، باب ترك الحائض الوداع. ٤ أي: أن التابعين اتفقوا على العمل بخبر الواحد، كما اتفق الصحابة -﵃- وما وقع الاختلاف إلا بعد عصر التابعين.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها١.
قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره".
وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.
وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا٢.
وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح٣.
_________________
(١) ١ هذا اعتراض حاصله: أنهم ربما عملوا بخبر الواحد لأسباب وقرائن قارنت الأخبار لا بمجردها، كما أنهم عملوا بالعمومات، والأمر والنهي، وكلها نصوص غير صريحة، فعملوا بها مع القرائن أيضًا. وأجاب المصنف عن ذلك: بأنه لم ينقل عنهم إلا الأخذ بالأخبار، كما في خبر حمل بن مالك المتقدم. ولو قدر وجود قرائن هنا لقدر ذلك مع آيات القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وهذا يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة، لأنه لا يستدل بها منفردة عن القرائن، وهذا غير صحيح. ٢ هذا رد من المصنف على أولئك الذين قالوا: إن العمل بالأخبار والألفاظ العامة، والأوامر والنواهي، بناء على قرائن احتفت بها، وليس منها مجردة. وخلاصته: بأن صيغ العموم، والأمر والنهي لها دلالات ظاهرة وواضحة، كلفنا بالعمل بمقتضاها، والسلف الصالح عملوا بها مجردة عن القرائن وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها كما في الأخبار. ٣ هذا كالحجة لمن ينكر دلالة الأخبار، والعمومات، والأمر والنهي. =
[ ١ / ٣٢١ ]
فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة١.
فلم يقبل النبي -ﷺ- خبر ذي اليدين٢،
_________________
(١) = مضمونها: أنه لم ينقل عن السلف: أنهم عملوا بها مجردة، وفي هذا إشارة إلى أنه كانت هنالك قرائن لم يذكروها. هذا معنى كلام المصنف، والواقع أن هذه الجملة ليس محلها هنا، وإنما كانت تأتي عند حكاية مذهبهم، كما فعل الغزالي، إلا أن المصنف دأب على اختصار العبارات، وعلى التقديم والتأخير مما جعل المعنى غير مترابط، وإلا فجملة: "واعتذروا" ليس لها محل هنا. يوضح ذلك عبارة الغزالي حيث قال: "فإن قيل: لعلهم عملوا بها [يقصد الأخبار] مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها، أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها، لا بمجرد هذه الأخبار -كما زعمتم-. كما قلتم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ليس نصًّا صريحًا على أنهم عملوا بمجردها، بل بها مع قرائن قارنتها ". ١ هذا اعتراض على قول المصنف -في أول المسألة: ولنا دليلان قاطعان، أحدهما: إجماع الصحابة على قبوله إلى آخر الأمثلة التي تقدمت، فكأن المخالف يقول: كيف تدعون الإجماع على القبول، مع أن هناك أدلة آخرى كثيرة، بلغت حد الإجماع -أيضًا- برد العمل بخبر الواحد، ثم بدأ يذكر أمثلة لذلك. ٢ ذو اليدين: هو الخرباق بن عمرو، من بني سليم، قيل له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فسماه -ﷺ-: ذا اليدين، عاش بعد النبي -ﷺ- حتى روى عنه بعض المتأخرين من التابعين. انظر في ترجمته: "الإصابة ١/ ٤٨٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٨٥". وحديثه -في السهو في الصلاة- حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، ومسلم: كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين =
[ ١ / ٣٢٢ ]
ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة١.
و"عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان٢.
ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي٣ في "بروع"٤.
_________________
(١) = من الظهر والعصر، كما أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما. ولفظ مسلم -عن أبي هريرة -﵁- قال: صلى لنا رسول الله -ﷺ- صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: -ﷺ-: "كل ذلك لم يكن" قال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله -ﷺ- ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم. ١ تقدم تخريجه قريبًا. ٢ عن عمر -﵁- أن أبا موسى استأذن عليه ثلاثًا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه "عمر": لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثًا، فلم يؤذن له فلينصرف". فقال من يشهد ذلك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا: أبي سعيد الخدري، فمضى فسمع "عمر" منهما. روى هذه القصة: البخاري في كتاب الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في كتاب الآداب، باب: الاستئذان، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب الاستئذان، والدارمي: كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان ثلاثًا. ٣ هو: معقل بن سنان بن مظهر بن غطفان الأشجعي، كان يحمل لواء قومه يوم الفتح ويوم حنين، قتله عقبه بن مسلم سنة ٦٣هـ. ٤ هي: بروع -بكسر الباء أو فتحها وسكون الراء وفتح الواو- بنت واشق =
[ ١ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) = الأشجعية، زوج هلال بن مرة، روت أن رجلًا عقد عليها ولم يفرض لها مهرًا، وفوضت إليه ذلك، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله -ﷺ- بصداق نسائها: انظر: الإصابة "٤/ ٢٥١". وأما الخبر الذي رده "علي" -﵁- فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده "١/ ٤٤٧" وأبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات حديث رقم "٢١١٤" والترمذي في كتاب النكاح، باب "٤٤" حديث رقم "١١٤٥" والنسائي في سننه "٦/ ١٢١" وابن ماجه في كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها حديث رقم "١٨٩١" ولفظه: عن ابن مسعود -﵁- أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض فيها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، ولا وكسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -ﷺ- في بروع بنت واشق -امرأة منا- مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود. وكان "علي" -﵁- لا يرى ذلك ويقول: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه". ورواية البيهقي في سننه "٧/ ٢٤٧": "لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله". وقد ضعف بعض المحدثين عبارة "بوال على عقبيه" وأن ذلك لا يصح عن "علي" وفي إسناد هذه الرواية: أبو إسحاق الكوفي. قال عنه الأزدي: ليس بثقة. انظر: ميزان الاعتدال "٤/ ٤٨٨"، تخريج أحاديث اللمع ص٢٢١، ٢٢٢. وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه "٦/ ٢٩٣": أن عليًّا -﵁- كان يجعل لها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا، ويقول: "لا نصدق الأعراب على رسول الله -ﷺ-".
[ ١ / ٣٢٤ ]
وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١.
قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.
والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.
فتوقف النبي -ﷺ- في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد١.
_________________
(١) ١ روى يحيي بن عبد الرحمن عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فقالت عائشة -﵂-: يرحمه الله، لم يكذب، ولكنه وهم، إنما قال رسول الله -ﷺ- لرجل مات يهوديًّا: "إن الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه". حديث صحيح: رواه البخاري حديث "١٢٨٨" ومسلم حديث "٣٩١" والترمذي حديث "١٠٠" والنسائي "٤/ ١٧" ومالك في الموطأ "١/ ٢٣٤" بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ". ١ خلاصة الرد الثاني: أن هذه الأخبار كان لها ظروف خاصة اقترفت بها: فخبر ذي اليدين، كان الناس كثيرين خلف النبي -ﷺ- وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، فلذلك أراد النبي -ﷺ- أن يتأكد بوقوع ذلك. وأما خبر "المغيرة" فلعل أبا بكر -﵁- قد غلب فيه جانب الشهادة على المال، وهو يثبت حقًّا ماليًّا مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان ذلك مناسبًا للتوقف والتأكد. وأما رد سيدنا عمر لخبر أبي موسى، فواضح الدلالة، حيث كان -﵁- شديد الحرص على عدم دخول شيء في السنة ليس منها. وأما حديث "ابن عمر" الذي ردته "عائشة" -﵂- فإنما ردته لا من =
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأما أبو بكر -﵁-: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.
وأما عمر -﵁- فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -ﷺ-".
وعائشة -﵂- لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته.
الدليل الثاني١:
ما تواتر من إنفاذ رسول الله -ﷺ- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة.
ومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -ﷺ- مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به.
دليل ثالث٢:
أن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط
_________________
(١) = حيث الكذب، وإنما من حيث الوهم، أو الخطأ والنسيان. وكل هذه الملابسات لا تقوى على الطعن في العمل بخبر الآحاد. ١ هذا هو الدليل الثاني على وجوب التعبد بخبر الواحد حيث قال في أول الفصل: ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة، وهذا هو الثاني. ٢ هذا دليل ثالث على وجوب العمل بخبر الواحد. ولما لم يكن في قوة الدليلين السابقين لم يضمه إلى الدليلين السابقين. وخلاصة هذا الدليل: قياس خبر الواحد على ما يفتي به المفتي، بجامع =
[ ١ / ٣٢٦ ]
إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط.
وربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره.
فإن قيل:
هذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن.
ثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر١.
قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره٢.
_________________
(١) = حصول الظن فيهما؛ أما في الفتيا: فإنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به هو حكم الله تعالى. وأما في الراوي: فلأنه يغلب على ظن السامع أن ما رواه ثابت عن رسول الله -ﷺ- فيجب أن يقبل؛ قياسًا على الفتيا: انظر: "شرح مختصر الروضة ج٢ ص١٣١-١٣٢". ١ خلاصة هذا الاعتراض: أن هذا القياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي، فلا يثبت بمثل هذا القياس. ٢ خلاصة الجواب على هذا الاعتراض: أن كون القياس المذكور ظنيًّا محل النزاع، ونحن لا نسلم به، بل هو جلي قاطع، فإنه لا فارق بين الرواي والمفتي، إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه. =
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقولهم: "إنه يفضي إلى تعذر الأحكام" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا١.
فصل: وذهب الجبائي٢ إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي -ﷺ- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة.
وهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد.
ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه٣.
_________________
(١) = قال الطوفي -مضيفًا ردًا آخر-: "وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس المذكور ظنيًّا، أو بمنع كون محل النزاع -وهو جواز التعبد بخبر الواحد- قطعيًّا بل هو اجتهادي فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره". "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٣٢". ١ هذا رد على قولهم: "إن حالة الإفتاء حالة ضرورة، فلو كلفنا كل واحد بالاجتهاد لتعذرت الأحكام". خلاصته: أن ذلك لا يفضي إلى تعذر الأحكام، فإن العامي إذا لم يصل إلى الحكم بناء على دليل، استطاع أن يرجع إلى البراءة الأصلية، وهي عدم التكليف. هذا معنى كلامه، وفيه نظر، فإن العامي لا يعرف ذلك. ٢ هو: أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، رأس المعتزلة وشيخهم، من أشهر مؤلفاته: "تفسير القرآن" و"متشابه القرآن" توفي سنة ٣٠٣هـ. انظر: "الفرق بين الفرق ص١٨٣، فرق وطبقات المعتزلة ص٨٥". ٣ معنى كلام المصنف في هذا الفصل: أن أبا علي الجبائي يشترط في قبول خبر =
[ ١ / ٣٢٨ ]