العزيمة في اللسان القصد المؤكد٢. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِد
_________________
(١) ١ من العلماء من يجعل العزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، كالغزالي والآمدي والشاطبي، وعلى ذلك سار المصنف، لارتباطهما بالسبب والشرط والمانع. وقال بعض العلماء: هما من خطاب التكليف، لما فيهما من معنى "الاقتضاء" حيث ينتقل الحكم من النهي إلى الإباحة، ومن المطلوب فعله طلبًا جازمًا إلى جواز الفعل والترك وهكذا. ويبدو أن الخلاف لفظي؛ حيث إن الأحكام الوضعية ترجع في النهاية إلى الأحكام التكليفية، فالمآل واحد، وإن اختلفت طريقة كل منهما. ٢ جاء في الصحاح للجوهري "٥/ ١٩٨٥": "عزمت على كذا عَزْمًا وعُزمًا =
[ ١ / ١٨٨ ]
لَهُ عَزْمًا﴾ ١ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢.
والرخصة: السهولة واليسر٣، ومنه: رخص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.
فأما في عرف حملة الشرع:
فالعزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي٤.
وقيل: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى.
والرخصة: استباحة المحظور، مع قيام الحاظر٥.
_________________
(١) = -بالضم- وعزيمة وعزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه". ١ سورة طه من الآية: ١١٥. ٢ سورة آل عمران من الآية: ١٥٩. ٣ جاء في الصحاح "٣/ ١١٠٤": "الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، والتشديد لا يحصل إلا من الواجب فعلًا أو كفًّا". وفي المصباح المنير "١/ ٣٤٢": "يقال: رخص الشارع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا، إذا يسّره وسهّله، وفلان يترخص في الأمر: إذا لم يستقص، وقضيب رَخْصٌ: أي: طري لين، ورخُص البدن -بالضم- رخاصة ورخوصة: إذا نعم ولان ملمسه، فهو رخص". ٤ هذا التعريف لم أجده منسوبًا لأحد من علماء الأصول على حسب اطلاعي، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي: "والتعريف الثاني الذي حكاه بقيل أجود من الأول" وهو الذي ذكره الغزالي. ٥ ومن أمثلة ذلك: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور وهو أكل الميتة، مع قيام الحاظر، أي المانع وهو: خبث الميتة الذي حرمت من أجله دفعًا للضرر الذي يلحق الآكل. وينطبق هذا المثال على التعريف الثاني، فإن أكل الميتة ثابت على خلاف دليل شرعي، هو قول الله -تعالى- في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ =
[ ١ / ١٨٩ ]
وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح١.
ولا يسمى ما لم يخالف الدليل رخصة، وإن كان فيه سعة، كإسقاط صوم شوال٢، وإباحة المباحات.
لكن ما حُطَّ عنا من الإصر الذي كان على غيرنا يجوز أن يسمى رخصة مجازا، لما وجب على غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق ذلك٣.
_________________
(١) وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ لمعارض راجح مثل قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيم﴾ في نفس آية سورة المائدة. ١ قول المصنف -في التعريف- لمعارض راجح: احتراز عما كان لمعارض مساوٍ أو قاصر، فإنه إذا كان المعارض مساويًا وجب التوقف والبحث عن مرجح خارجي. وإن كان قاصرًا عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر، وتبقى العزيمة بحالها. انظر: "شرح الكوكب المنير جـ١ ص٤٧٨". وقال العسقلاني: "أجود ما يقال في الرخصة: ثبوت حكم لحالة تقتضيه، مخالفة مقتضى دليل يعمها" وهو منقول عن "المقنع" لابن حمدان: شرح الكوكب المنير "١/ ٤٧٩". ٢ قوله: "كإسقاط صوم شوال" يقصد به عدم التكليف، لأن الإسقاط إنما يكون بعد الإيجاب، ولذلك عبر الغزالي عن هذا بقوله: "فإن ما لا يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال، وصلاة الضحى لا يسمى رخصة، وما أباحه في الأصل: من الأكل والشرب لا يسمى رخصة". ٣ يقصد بذلك ما جاء في ختام البقرة وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ =
[ ١ / ١٩٠ ]
فأما إباحة التيمم: إن كان مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن: سمي رخصة. وإن كان مع عدمه فهو معجوز عنه١، فلا يمكن تكليف استعمال الماء مع استحالته، فكيف يقال السبب قائم؟
فإن قيل٢: فكيف يسمى أكل الميتة رخصة مع وجوبه في حال
_________________
(١) عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ أي ما ثقل علينا حمله من التكاليف التي كلف بها بنو إسرائيل: من قتل النفس هي التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقطع موضع النجاسة من الثياب، وهي تكاليف شاقة تثقل كاهل الإنسان. ولذلك يروى أنه لما نزلت هذه الآية فقرأها رسول الله -ﷺ- قيل له عقب كل كلمة: "قد فَعَلْتُ" رواه أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عباس -﵄- ومعناه: أن الله تعالى قد استجاب الدعاء. ولما كان التخفيف في حقنا، والتشديد على غيرنا كان رخصة من قبيل المجاز. ١ خلاصة ذلك: أن إباحة التيمم إن كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه، كعدم الماء فلا يسمى رخصة، لأن سبب الحكم الأصلي وهو: وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. ٢ هذا اعتراض أورده بعض الأصوليين خلاصته: أنه كيف يقال: إن أكل الميتة رخصة مع أنه واجب في حال الضرورة. وأجاب المصنف على ذلك بما خلاصته: أن الواحد بالشخص قد تكون له جهتان مختلفتان كما في هذا المثال: فهو من جهة التوسيع وعدم التضييق رخصة وتيسير، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة. هكذا فسرها الشيخ الشنقيطي في مذكرته ص٥١. وأرى أن هذا كله تكلف لا داعي له، وأوضح منه ما قاله بعض العلماء من أنها تنقسم إلى عدة أقسام: الأول: رخصة واجبة: كأكل الميتة للمضطر، لأنه سبب لإحياء النفس وإنقاذ لها من التهلكة.
[ ١ / ١٩١ ]
الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.
ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.
فأما الحكم الثابت على خلاف العموم:
فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.
_________________
(١) = الثاني: رخصة مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا استوفت شروطه. الثالث: رخصة مباحة، يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، وعند الأعذار الأخرى كالمطر، في غير عرفة ومزدلفة انظر: شرح الكوكب المنير "١/ ٤٧٩". ١ العرية في الأصل: ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا تمر له، وقال مالك: العرية: أن يعري الرجل النخلة، أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس. روى البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن زيد بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺ-: "نهى عن المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت برخصها تمرًا، يأكلونها رطبًا". والمزابنة: بيع التمر بالرطب، وخصت منه ال١٩٢ الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته. ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين. فأما الحكم الثابت على خلاف العموم: فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.
[ ١ / ١٩٢ ]
وإن كان لمعنى غير موجود في الصورة المخصوصة، كإباحة الرجوع في الهبة للوالد، المخصوص من قوله -﵇-: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" ١ فليس برخصة؛ لأن المعنى الذي حرم لأجله الرجوع في الهبة غير موجود في الوالد٢.
_________________
(١) ١ حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها حديث رقم "٢٥٨٩، ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥" ومسلم: كتاب الهبات حديث "١٦٢٢" وأبو داود: حديث "٣٥٣٨" والترمذي: حديث "١٢٩٨" والنسائي "٦/ ٢٦٥". ٢ اعترض الطوفي على التفرقة بين الصورتين -العرايا والهبة- وقال إن كلًّا منهما رخصة ودلل على ذلك فقال: "واعلم أن الفرق لا يؤثر، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين المذكورتين، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة: أعني رجوع الأب في الهبة، وجواز العرايا لوجهين: أحدهما: أن معنى الرخصة لغة وشرعًا مشترك بينهما. أما لغة: فلأن الرخصة من السهولة -كما سبق- وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه. وأما شرعًا: فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا هو حد الرخصة، فوجب أن يكون رخصة. الثاني: أن الرخصة تقابل العزيمة، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على الأجانب عزيمة، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة". "شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٦٣".
[ ١ / ١٩٣ ]