يجوز النسخ بالأخف والأثقل١.
_________________
(١) ١ هكذا أطلق المصنف الكلام في المسألة، لكن ينبغي تحديد محل النزاع، وقد بينه الأصفهاني في بيان المختصر "٢/ ٥٢٣" فقال: "القائلون بجواز النسخ اتفقوا على جواز النسخ ببدل أخف، مثل: نسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليلة رمضان، ببدل حله، وهو الأخف. وببدل مساو، مثل: نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، بوجوب التوجه إلى الكعبة. واختلفوا في جواز النسخ ببدل أثقل: فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب بعض الشافعية إلى عدم جوازه".
[ ١ / ٢٥١ ]
وأنكر بعض أهل الظاهر جواز النسخ بالأثقل١، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ ٢.
وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم ﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ ٤.
ولأن الله -تعالى- رءوف، فلا يليق به التثقيل والتشديد٥.
ولنا:
أنه لا يمتنع لذاته.
ولا يمتنع أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل، كما في ابتداء التكليف٦.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام لابن حزم "٤/ ٤٦٦". ٢ سورة البقرة من الآية: ١٨٥. ٣ سورة الأنفال من الآية: ٦٦. ٤ سورة النساء من الآية: ٢٨. ٥ هذا هو الدليل الثاني للمانعين خلاصته: أن النسخ إلى الأثقل تشديد على المكلف، وذلك لا يليق برأفة الله -﷿- ورحمته، لأن شأنه التسهيل على خلقه، لا التشديد عليهم. والدليل الأول: النصوص الدالة على التخفيف والتيسير، وهي: الآيات التي أوردها المصنف. ٦ بدأ المصنف يستدل لمذهب الجمهور، وقد أورد دليلين، أحدهما: دليل عقلي، والثاني دليل شرعي بوقوع مثل ذلك في صور كثيرة سيذكرها. وخلاصة الدليل الأول: أن امتناع ذلك إما أن يكون عقلًا أو شرعًا، فإن كان شرعًا فسيأتي الرد عليه من الوقوع في كثير من الأحكام الشرعية، والوقوع دليل الجواز وزيادة. وأما إن كان عقلًا، فلا يمتنع لذاته، لأنه لو قدر وقوعه لم يلزم منه محال =
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقد نسخ التخيير بين الفدية والصيام، بتعين الصيام١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف إلى وجوب الإتيان بها٢.
_________________
(١) = لذاته بدليل أنه قد وقع -كما سيأتي- ولم يلزم منه، فدل على أنه لا يمتنع لذاته، أي لكونه نسخًا من الأخف إلى الأثقل، وإنما قلنا: أنه لا يمتنع؛ لأنه يتضمن مصلحة عظيمة، وهي: تدرج المكلف من الأخف إلى الأثقل، فيسهل عليه الامتثال، والتدرج في التشريع من أهم الخصائص التي تميز بها التشريع الإسلامي، لأن الناس لو أخذوا بالأحكام دفعة واحدة لأدى ذلك إلى نفرتهم من الإسلام، خاصة في الأمور التي ألفوها وشبوا عليها. فالحاصل: أن النسخ من الأخف إلى الأثقل، لا يعتبر مستحيلًا لذاته، ولا لغيره. فضلًا عن الأدلة الشرعية التي وقعت، وهي خير دليل على ذلك -كما سيأتي-. ١ التخيير بين الفدية والصيام كان ثابتًا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وقد قدم الكلام على الآثار الواردة في ذلك. ٢ جاء في تفسير ابن كثير "١/ ٥١٩" "أن النبي -ﷺ- أخر صلاة الظهر والعصر يوم الأحزاب فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء". كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -ﷺ- لما رجع من الأحزاب قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بلى نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فلم يعنف واحدًا منهم. انظر: نيل الأوطار "٣/ ٣٦٨" طبعة الحلبي. فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: ٢٣٩] نسخ تأخير الصلاة، وصلوا على أي حال، ثم جاء بيان كيفية الخوف في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .
[ ١ / ٢٥٣ ]
وحرم الخمر١، ونكاح المتعة، والحمر الأهلية٢.
وأمر الصحابة بترك القتال والإعراض عنه، ثم نسخ بإيجاب الجهاد٣.
_________________
(١) ١ تحريم الخمر أخذ أطوارًا متعددة حتى حرم تحريمًا نهائيًّا، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وإن كان بعض العلماء يرى أن التدرج في التشريع لا يعتبر نسخًا. ٢ النهي عن النكاح صحت فيه الأحاديث براويات مخلتفة، منها: ما أخرجه مسلم: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح، وأبو داود: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وأحمد في المسند "٣/ ٤٠٤، ٤٠٥" وابن ماجه: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، أن رسول الله -ﷺ- قال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة". وأخرج مالك في الموطأ: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، عن علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية. كما أخرجه البخاري: في باب غزوة خيبر، من كتاب المغازي، وفي باب نهي رسول الله -ﷺ- عن نكاح المتعة آخرًا، من كتاب النكاح، وفي باب لحوم الحمر الإنسية، من كتاب الذبائح، ومسلم، في باب نكاح المتعة، وفي باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية من كتاب الصيد، والترمذي: باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وفي باب: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، من كتاب الصيد. كما رواه ابن ماجه، والدارمي، وأحمد في المسند "١/ ٧٩". ٣ معناه: أن القتال كان ممنوعًا منه في أول الإسلام بآيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [النساء: ٨١] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ [النساء: ١٣]، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] ثم نسخ ذلك بمشروعية القتال ونزل في ذلك =
[ ١ / ٢٥٤ ]
والآيات التي احتجوا بها وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف، وليس فيه منع إرادة التثقيل١.
وقولهم: "إن الله رءوف" فلا يمنع من التكليف بالأثقل، كما في التكليف ابتداء، وتسليط المرض والفقر وأنواع العذاب لمصالح يعلمها.
_________________
(١) = قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ [التوبة: ١٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] ومثل ذلك كثير، ولا شك أن وجوب القتال أثقل من تركه، ولذلك يقول -جل شأنه- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: ٢١٦] . ١ بدأ المصنف يرد على الأدلة التي استدل بها المخالفون، فبين أن الآيات التي وردت في التيسير والتخفيف في صور خاصة تقتضي ذلك، وليست عامة حتى يحتج بها في منع النسخ إلى الأثقل: فقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ وردت في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، فاللام في "اليسر" و"العسر" وإن كانت محتملة للعموم والاستغراق، إلا أنها محمولة على المعهود، وهو اليسر الحاصل بالإفطار للمريض، والمسافر، والعسر الحاصل لهما بالصوم في حالة المرض والسفر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ وردت في سياق نكاح الأمة لمن لم يجد صداق الحرة، فلا تصلح أن تكون دليلًا على ما ذكرتم. كما رد على قولهم: "إن الله تعالى رءوف بعباده، فلا يليق به التشديد" فقال: كونه -سبحانه- رءوفًا بعباده لا يمنع من التكليف بالأثقل، فإن ذلك منقوض بابتداء التكليف، فإنه تشديد، لمصالح العباد، وكذلك وقوع المرض، والفقر، وأنواع الآلام، والمؤذيات على الخلق، كل ذلك تشديد، لكنه وقع، لمصالح لا يعلمها إلا الله تعالى.
[ ١ / ٢٥٥ ]