سبب الإدراك يسمى قوة١.
المعاني المدركة ثلاثة: محسوسة، ومتخيلة، ومعقولة.
_________________
(١) ١ الإدراك: الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، والطريق الذي يوصل إلى تلك =
[ ١ / ٧٤ ]
ففي حدقتك١ معنى تميزت به عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، تسمى قوة باصرة.
وشرط البصر: وجود المبصَر، فإذا أبصرت شيئًا فهو محسوس بحاسة البصر، فإذا انعدم المبصَر انعدم الإبصار، وبقيت صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، فيسمى ذلك تخيّلًا، فغيبة الشيء تنفي الإبصار، ولا تنفي التخيل.
ولما كنت تحس التخيل في دماغك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيؤ للتخيل، تباين بها بقية الأعضاء، كمباينة العين لها.
وهذه القوة٢ يشارك فيها الإنسان البهيمة، فمهما رأى الفرسُ الشعير تذكر صورته، فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه، ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه، ما لم يجرّبه بالذوق مرة أخرى.
ثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها، تسمى "عقلًا" محلها القلب٣، تباين قوة التخيل، أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار.
_________________
(١) = الإحاطة يسمى قوة مدركة، ولذلك نفى الله -تعالى- عن ذاته العلية، إدراك الأبصار لها، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولا تعارض في ذلك مع إثبات الرؤية: قال الشوكاني: " الأبصار جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به. قال الزجاج: أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفيّ هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية. فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترًا لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلًا عظيمًا" انظر: فتح القدير جـ٢ ص١٧٠ ط. دار الخير. ١ حدقة العين: سوادها. ٢ أي: قوة التخيل. ٣ ما قاله المصنف هو رأي جمهور العلماء والأطباء. وقيل: محله الدماغ، وقيل: =
[ ١ / ٧٥ ]
ثم فيك قوة رابعة: تسمى "المفكّرة" شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال، وتقطيعها وتركيبها، وليس لها إدراك شيء آخر، بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين: نصفٌ إنسان، ونصفٌ فرس، وربما صوّر إنسانًا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين، والمفكرة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الإنسان، وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها.
_________________
(١) = محله القلب وله اتصال بالدماغ. والذين يرون أن النفس جوهر قائم بذاته يقولون: إن محله النفس. وهذه الأقوال ناشئة عن تعريف العقل. وهل يحد أو لا، وهل هو جوهر أو عرض، أو ليس بجوهر ولا عرض، وبناء على ذلك اختلف في تعريفه على عدة آراء: قال الإمام الشافعي: هو آلة التمييز والإدراك. وقال الراغب الأصفهاني: هو القوة المتهيئة لقبول العلم. وفي شرح الكوكب المنير: العقل: ما يحصل به التمييز بين المعلومات. ثم قال: وهو غريزة نصًّا. قال في "شرح التحرير" قال الإمام أحمد ﵁: العقل غريزة، وقاله الحارث المحاسبي، فقال: العقل غريزة وليس مكتسبًا، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية، فكأنه نور يقذف في القلب، كالعلم الضروري. وقال: وقال الحسن بن علي البربهاري: من أئمة أصحابنا: ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب، وإنما هو فضل من الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين: هذا يقتضي أنه القوة المدركة. كما دل عليه كلام أحمد، لا الإدراك. وقد ذهب الإمام الغزالي إلى عدم إمكان حدّه بحد يحيط به؛ لأنه يطلق على معان خمسة: أحدها: الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لإدراك العلوم النظرية وتدبير الأمور الخفية. ثانيها: إطلاقه على بعض الأمور الضرورية، وهي التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز، بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. =
[ ١ / ٧٦ ]