والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة.
وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير.
ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا:
أما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه
_________________
(١) ١ في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: "إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا" "شرح المختصر ١/ ٢٧٦". ٢ المصنف استدل على الجواز من وجهين: الأول: قوله "فلأن السيد لو قال لعبده إلخ". والوجه الثاني: قوله بعد ذلك: "ولأنه لا يمتنع في العقل إلخ" ومعناه: أن الشارع قد يقصد عدم التعيين تخفيفًا وتيسيرًا على المكلفين، حتى يستطيع كل مكلف أن يأتي بما هو مقدور له، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.
[ ١ / ١٠٥ ]
صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه.
ولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه.
وأما الشرع: فخصال الكفارة١، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد٢، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة٣ على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.
_________________
(١) ١ المراد: خصال كفارة اليمين الواردة في سورة المائدة آية ٩٢ وهي قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ . ٢ قصده من هذه العبارة: أن التخيير وارد في الرقبة التي سيكفّر بها، فيجزئ أي رقبة كانت، سواء أكانت مؤمنة أم كافرة. ٣ قوله "أجمعت الأمة إلخ" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: الواجب جميع خصال الكفارة، فلو تركها عوقب على الجميع، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبًا، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر، وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء وذلك محال. فأجاب: أن هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين، فإن الجمع فيه حرام، فكيف يكون الكل واجبًا، ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب. انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٩٧".
[ ١ / ١٠٦ ]
فإن قيل١: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات.
وإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا.
قلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال.
جواب ثان٢: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين.
فإن قيل٣: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-.
قلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هذا هو الدليل الأول للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض. ٢ جواب آخر من المصنف على دليل المعتزلة المتقدم. ٣ هذا هو الدليل الثاني للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض. وخلاصة القول في الواجب المخير أن فيه ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أن الوجوب يتعلق بواحد مبهم من أمور معينة، وهو مذهب الجمهور. ويعبرون عنه بالأحد الدائر بينها، وتارة بواحد لا بعينه، وتارة بالقدر المشترك، فالذي تعلق به الإيجاب: هو الواحد المبهم، وليس فيه تخيير والذي حصل فيه التخيير: هو الأمور المعينة، ولم يتعلق به الإيجاب، فلا تعارض بين الإيجاب والتخيير، كما قد يتوهمه البعض.
[ ١ / ١٠٧ ]